ليست مهمة سعيدة أن تنشر "المفكرة" بمناسبة اليوم العالمي للبيئة الذي يحلً في 5 حزيران من كل عام، عددا حول "مناطق الموت في لبنان"، أي المناطق التي تكون فيها حياة السكان وصحتهم مهددة. والواقع أن المناطق التي يشملها هذا العدد هي مجرد عينة، وما لا يجد مساحة له في هذا العدد هو أعظم.

أخطاء المسؤولين المقصودة وغير المقصودة لم تدمّر البيئة وحدها. بفعل هذه الأخطاء، وصلنا إلى الهاوية بعد تحويل أسخى عناصر الحياة إلى أدوات قتل: الأنهار التي كانت مصدر الحياة والازدهار للقاطنين على ضفافها باتت مبعث مآسيهم، المدن التي كانت توصف ب "الفيحاء" مصابة اليوم بروائح كريهة، وها بلد العسل والبخور يهجّر سكان مدن وقرى باتوا يعانون من ضيق تنفس. وهكذا، كل شيء بات ملوثا بأطماع قوى سياسية تغلب مصالحها على كل شيء: تراب الوطن وهواؤه ومياهه. وإذا أردت أن تنعم بالبيئة، فليس لك إلا أن تصعد إلى محميات في أقاصي الجبال. والنتيجة مخيفة: ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض السرطان من 100 إلى 300 حالة لكل مائة ألف مواطن بين عامي 2006 و2016. أي أن العدد تضاعف ثلاث مرات خلال عشر سنوات، كل ذلك وفق وزير الصحة العامة غسان حاصباني.

بعض مسببات القتل تعود إلى مخالفات الحروب التي شهدها لبنان، آخرها مخلفات الحرب في جرود عرسال. ففيما بلغت المساحات الملوثة بالألغام والقنابل العنقودية نتيجة الحرب 1975-1990 والإعتداءات الإسرائيلية المتكررة ما يزيد عن 52 كيلومترا مربعا، أضيف إليها مؤخرا 120 كيلومتراً مربعاً تركها عناصر "داعش" و"وجبهة النصرة" مزروعة بالألغام في جرود عرسال. وقد سقط بنتيجتها 13 ضحية منذ ايلول 2017 ولغاية اليوم. (ص. 4-5). ومن مخلفات الحرب والتي لم تعالج قط، ملف استيراد النفايات السامة والذي وصف آنذاك بمحاولة قتل جماعي (ص. 6-7-8).

وبعضها الآخر ناتج عن سوء إدارة ملف النفايات في لبنان، وارتباطه بكم هائل من المصالح وشبكات الفساد. اللبنانيون جميعا عاينوا كارثة النفايات في صيف 2015، وكثيرون منهم يعيشون بشكل دائم في مدار الروائح الكريهة المنبعثة عنها. عدد المكبات بلغ اليوم 1400 مكبا أي بمعدل مكب لكل سبعة كيلومترات. وتتنافس عدد منها اليوم لجهة ما قد تبلغه من ارتفاع. ولا ننسى أطماع المستثمرين الذين يتهيأون لاستخدامها في مشاريع عقارية عنوانها العريض: ردم البحر بالنفايات (ص 9 حتى 15).

الأسباب نفسها تراها وراء نشوء مفهوم جديد بتنا نردده في الإعلام والنقاش العام: موت الأنهار والبحيرات. الليطاني مات، وذلك بحيرة القرعون. والعاصي ما يزال يجاهد في مواجهة كمّ هائل من أفعال الاستباحة من دون أي حسيب أو رقيب. وهذه الأنهار التي طالما أعطت الحياة، تموت ليس لأنها جفت بفعل الطبيعة، بل لأن أسرتها تغتصب بفعل الإنسان كل يوم بغياب الدولة أو بتواطؤ مع القيمين عليها (ص. 16-21).  

منطقة موت أخرى، هي تلك التي نجدها في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ومن يقطن فيها بحثا عن إيجار رخيص. وما يقتل هنالك هو غابات الأسلاك الكهربائية المعلقة على طول الأزقة الضيقة، في غياب كل رقابة (ص. 22- 23).

مناطق موت أخرى من نوع مختلف هي التي نجدها في الزوق وشكا، بفعل سوء التنظيم المدني، حيث يختلط  حابل المناطق الصناعية والمعامل بنابل السكنية. هنالك، يتبين الناس جيدا أن مسألة التنظيم المدني ليست فقط مسألة ترتيب للأراضي إنما من شأنها أيضا أن تقتل. فكيف يعقل أن يشيد معمل ذات انبعاثات خطيرة في مناطق مكتظة بالسكان، والأخطر، كيف يعقل أن يرفع عامل الاستثمار لبناء مباني سكنية على مقربة من هذه المعامل؟ (ص. 24-31).

والمحزن في القتل بالإهمال والتلوث، هو انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية. فمن شأن انتشار الأمراض وتلوث الهواء والتربة والمياه والبيئة في المناطق المهملة أن يؤدي إلى تدني أسعار العقارات فيها، فيما ترتفع الأسعار في المناطق المحمية أو الأقل تلوثاً، إلى درجة تصبح عصية أمام من ليس مقتدرا أو ميسورا.

وعليه، تؤول المناطق المعدمة بيئيا وصحيا وربما اقتصادياً ليس فقط إلى إفقار سكانها، بل أيضا لاحتجازهم فيها بمعية سواهم من محدودي الدخل. ومن هذه الزاوية، تصبح مناطق الموت عنوانا آخر للفرز الطبقي، بما يستتبعه من فرز بين الحياة والموت.  

 

  • نشرت هذه المقالة في العدد 55 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا: مناطق الموت في لبنان