لقضية كمال المطماطي[1] بعد رمزي تونسي لا يقل عن بعدها الإنساني. فقضية اختفاء "المطماطي" القسري، والتي أحالتها هيئة الحقيقة والكرامة بتاريخ 2 مارس 2018 إلى الدوائر المتخصصة بالعدالة الانتقالية في ولاية قابس، هي أول قضية من ضمن القضايا المحالة والتي سيتم النظر فيها اليوم، وسط ترقب وطني وشعبي في ظل الأزمة السياسية الرافضة لتمديد فترة عمل هيئة الحقيقة والكرامة.

 فعلى الرغم من تعهد الدولة التونسية في فصل 148 من دستور 2014، في البند التاسع تحديداً، بإلتزامها "بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها..."،  رفض المجلس التشريعي التونسي في جلسته العامة المؤرخة في 24 مارس 2018 التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة لفترة إضافية لإتمام عملها وكتابة تقريرها النهائي.

وإزاء هذا التوجه، شكلت منظمات المجتمع المدني ائتلافاً مدنياً للدفاع عن مسار العدالة الانتقالية في تونس. يضم هذا الائتلاف أكثر من أربعين جمعية تونسية ودولية، نذكر منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، منظمة بوصلة، الفيديرالية الدولية لحقوق الانسان، ومحامون بلا حدود، النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، إلخ[2].  كما انضمت جمعية القضاة التونسيين للائتلاف ايماناً منها بأن القضاء هو أحد أعمدة الأساس لمسار العدالة الانتقالية والمرافق لعمل هيئة الحقيقة والكرامة.

اتخذ هذا الائتلاف خطوته الأولى في 17 أفريل 2018 خلال ندوته الصحفية التى أعلن فيها عن بيان مشترك يتضمن عدة مطالب، أهمها "عدم عرقلة التمديد لمدة 7 أشهر لهيئة الحقيقة والكرامة والتعجيل بسد الشغور الحاصل منذ 2014 على مستوى تركيبة الهيئة."[3] لغة البيان تعبر عن دعم هذه المنظمات لهيئة الحقيقة والكرامة لحثها على استعادة قوتها "القانونية" لاستكمال عملها بصورة طبيعية خلال الفترة القادمة.

بالمقابل، عمدت رئاسة الحكومة بتاريخ 22 ماي 2018 لمراسلة هيئة الحقيقة والكرامة لتذكيرها "بنهاية عهدتها بتاريخ 31-05-2018" ومطالبتها "بتسليم تقريرها الإداري والمالي للرئاسات الثلاث علاوة على مباشرة الإجراءات الإدارية لإنهاء إلحاق الموظفين العموميين المستخدمين بالهيئة."[4]

 

تحركات واستعدادات التصعيد 

لم يقتصر تحرك الائتلاف المدافع عن مسار العدالة الانتقالية على بيانه الصحفي. بل عمد الائتلاف إلى سلسلة من المواقف الرافضة لتوجه الحكومة في هذا المضمار. وعليه، وجه الائتلاف رسالة مفتوحة[5] إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد ردا على تصريحاته الرافضة للتمديد للهيئة في جلسة الحوار مع الاتحاد الأوروبي المنعقدة في بروكسل بتاريخ 24 أفريل 2018. 

فضلا عن ذلك، عمد الائتلاف بتاريخ 14 ماي 2018 إلى فتح المنبر لهيئة الحقيقة والكرامة مستدعيا رئيستها أة. سيهام بن سدرين، ورئيسة لجنة البحث والتقصي بالهيئة أة. علا بن نجمة ورئيسة لجنة جبر الضرر وردّ الاعتبار اة. حياة الورتاني للحديث عن تطورات عمل الهيئة وضرورة التمديد لها. كما تحدث العديد من النشطاء الحقوقيين التونسيين، المنتمين لمنظمات حقوقية منضوية تحت راية الائتلاف، للتعبير عن تضامنهم مع هيئة الحقيقة والكرامة والتشديد على ضرورة التمديد لها مقدمين على ذلك الأطروحات والدلالات القانونية والحقوقية اللازمة.

أما بخصوص الخطوات المستقبلية التى يعتزم الائتلاف اتخاذها لاستكمال عملية الضغط في حال استمرار المنظومة الحاكمة عرقلة عمل الهيئة، توضح أة. سلوى القنطري، مديرة مكتب تونس للمركز الدولي للعدالة الانتقالية، للمفكرة القانونية أن الائتلاف سيعمل على الضغط من خلال عدة وسائل، أولها الاجتماع مع الرؤساء الثلاث للدولة التونسية. كما أنه سينسق المواقف مع الهيئة نفسها. كما شددت القنطري على امكانية لجوء الائتلاف إلى آليات دولية. هذا ما أكده رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان أ. جمال مسلم[6]، حيث قال أن من الممكن في أواسط شهر جوان أن يتشكل وفد إلى جنيف للمشاركة في اجتماع مجلس حقوق الإنسان لرفع قضية عرقلة التمديد للهيئة من قبل الدولة التونسية.

كما دعا الائتلاف منذ أيام إلى اعتصام كبير أمام المحكمة الابتدائية في قابس اليوم بمناسبة أول جلسة استماع في أول ملف كانت قد أحالته هيئة الحقيقة والكرامة على القضاء في إطار محاسبة مرتكبي الجرائم والمعتدين في تونس، والتي تسبق بيومين تاريخ انتهاء مدة عمل الهيئة، وهي قضة كمال المطماطي، التي سبقنا ذكرها، مشددين على ضرورة التمديد للهيئة.

 

خروقات "بالجملة" لتعطيل مسار العدالة الانتقالية

يعتبر الائتلاف أن قرار مجلس النواب التونسي المتخذ في 24 مارس من العام الجاري غير قانوني لعدة اعتبارات. أولاً، وكما أوضح أ. أنس الحمادي[7]، رئيس جمعية القضاة التونسيين، أن الفصل 18 من قانون العدالة الانتقالية كان واضحاً بشأن امكانية "رفع" مطلب من هيئة الحقيقة والكرامة لمجلس النواب في سبيل إعلام هذا الأخير بقرار التمديد وليس طلباً من المجلس بقبول أو رفض هذا القرار. ويوضح الحمادي أن العديد من الهيئات تقوم أيضاً "برفع" تقاريرها سواء لمجلس نواب الشعب أو مجلس الحكومة أو رئاسة الجمهورية أو أي سلطات عمومية أخرى، كما هو حال المجلس الأعلى للقضاء، محكمة التعقيب، الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات، الخ. وأضاف "الحمادي" أنه وإن سلمنا جدلا أن قرار التمديد يجب ان يصدر عن مجلس نواب الشعب، فإن هناك خرقا أكبر من قبل هذا المجلس، يتعدى قانون العدالة الانتقالية ليصب في أساس القانون الداخلي لمجلس نواب الشعب. فجلسة 24 مارس التي صدر فيها قرار رفض التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة كانت تفتقد إلى النصاب القانوني الذي يضمن شرعية التصويت، حيث كان هناك 68 نائباً (أي أقل من الثلث)، بعد رفض عدد كبير من النواب الحاضرين التصويت وانسحابهم من الجلسة.

في الواقع، هذا التوجه إلى إنهاء عمل هيئة الحقيقة والكرامة، كان سبقه تمرير قانون المصالحة الإدارية بتاريخ 13  سبتمبر 2017، والذي شكل تراجعا هاما من قبل السلطة الحاكمة بكشف الحقيقة والمحاسبة. من أبرز الخروقات التى سببها هذا القانون هي سحب العديد من القضايا التى ثبت فيها انتهاكات كبيرة للمال العام من إمكانية إحالتها إلى الدوائر المتخصصة، علما أن القانون المذكور آل إلى منح العفو العام للعديد من مرتكبي هذه الجرائم والذين كانت صدرت أحكام قضائية بحقهم، وفق ما أكّده "الحمادي".

 

 

الائتلاف نتيجة تراكمات..

تشكيل الائتلاف من أجل الدفاع عن مسار العدالة الانتقالية سبقته عدة خطوات قامت بها العديد من المنظمات الحقوقية في تونس. نذكر منها تأسيس التحالف التونسي للكرامة ورد الاعتبار في أكتوبر 2017، وهو تحالف يضم العديد من جمعيات الضحايا ويعمل بإشراف المركز الدولي للعدالة الانتقالية. يهدف هذا التحالف إلى تمكين جمعيات ومجموعات الضحايا التونسيين من خلال تعزيز التنسيق فيما بينهم حول الأهداف المشتركة، حتى يتمكنوا من المشاركة بفعالية في صياغة سياسات العدالة الانتقالية، فيما يتعلق بجبر الضرر بفهومه الواسع: جبر الضرر، المحاسبة، إصلاح المؤسسات، حفظ الذاكرة، ومتابعة ملفات جرحى وشهداء الثورة أمام الدوائر القضائية المتخصصة، كما أكد نص البيان الصحفي للتحالف. ساهم هذا التحالف بتحقيق الضغط اللازم الذي أثمر في إرساء الدوائر القضائية المتخصصة. كما ساهمت مطالباته في إرساء صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد.

كما أن بعض المنظمات الحقوقية التونسية والدولية تحالفت على أثر محاولات المنظومة الحاكمة لتمرير قانون المصالحة المالية والإدارية عام 2017.

 

غياب الإرادة السياسية فتعطيل لمسار العدالة الانتقالية

منذ 6 أفريل 2018، يعتصم مجموعة من النشطاء أمام المقر المركزي لهيئة الحقيقة والكرامة تحت خيمة اعتصام "إن عدتم عدنا" للمطالبة بالتمسك بمسار العدالة الانتقالية والتركيبة الحالية للهيئة. في الواقع، المساومات والتوافقات السياسية تلوح بمحاولة لتغيير التركيبة الحالية للهيئة في حال تم الضغط على المنظومة الحاكمة للرضوخ لقرار التمديد.

ويلحظ أن تعطيل المؤسسات ما يزال يطال المحكمة الدستورية. والسؤال الأكبر في ظل رفض تمديد عهدة الهيئة هو من سيكمل عملها خصوصا أنها وحتى اللحظة لم تحِل إلى الدوائر القضائية المتخصصة سوى عدد محدود جدا من الملفات، علما أنها كانت تلقت 62 ألف ملف شكاية.

في الواقع، تعددت الآراء حول فعالية وجدية عمل هيئة الحقيقة والكرامة. فالبعض يرى أنها فشلت فشلا ذريعا في عملها. أما البعض الآخر فيرى أنها جدية في ما أنجزته. في حين يتخذ البعض موقفا وسطياً بين الرأيين. ولكن، بالرغم من انقسام الآراء حول عمل الهيئة، إلا أن آراء التونسيين والنشطاء الحقوقيين تجمع على أهمية وضرورة استكمال مسار العدالة الانتقالية وحمايته وتحصينه. وفي هذا السياق، شددت "القنطري" للمفكرة أن للتقرير النهائي الذي من المفترض أن تصدره الهيئة في نهاية مدة عملها أهمية فائقة. حيث أنه سيبين للتونسيين مواطن الخلل في المنظومة الديكتاتورية ويعرفهم على أنواع الانتهاكات التى طالت المواطنين من جميع الفئات. بالإضافة إلى كشفه لأسباب التهميش الكبير الذي طال الجهات في تونس. ولكن ضعف الإرادة السياسية في الوصول لكشف الحقيقة أصبح واضحا، خصوصا أنه ليس من مصلحة الطبقة الحاكمة أن يتم ذلك وتونس على أبواب انتخابات تشريعية ورئاسية في 2019.

 

[2] للحصول على اسماء الجمعيات كاملة الرجاء العودة إلى البيان المشترك

[6]  مداخلة أ. جمال مسلم في الندو الصحفية 17 افريل 2018

[7]  مداخلة أ. انس الحمادي في الندوة الصحفية 17 افريل 2018