فوجئ الكثيرون، من الليبيين وغيرهم، بما جاء في خطاب ارتجله مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الذي قاد ثورة فبراير 2011 ضد نظام القذافي، في الاحتفال الذي أقيم في 23 أكتوبر 2011 بمناسبة تحرير ليبيا من حكم هذا النظام. لقد أعلن الرجل عن أن "أي قانون مخالف للشريعة الإسلامية ... موقوف فورا، ومنها القانون الذي يحد من تعدد الزوجات". كان الخطاب مفاجئا بشكل خاص للنسوة اللاتي ساهمن في ثورة فبراير على أمل تعزيز حقوقهن ليصدمن بإعلان قد يكون بادرة على فقدان ما كن يتمتعن به فعلاً من هذه الحقوق. لاحقاً، وضمن جملة اعتذارات قدمها عن فترة حكم المجلس الانتقالي، صرح عبد الجليل بأن إعلانه ذاك كان تنفيذاً لالتزام تعهد به نحو إسلاميين، ومقابله تعهد هؤلاء بأن يلقوا سلاحهم. لقد أوفى هو بالتزامه ونكل هؤلاء، كما ذكر عبد الجليل في اعتذاراته.[1]

لكن، هل كانت ليبيا بالفعل في قطيعة مع الشريعة الإسلامية قبل ثورة فبراير كما يوحي إعلان عبد الجليل؟ لا، لم تكن هناك قطيعة. بل إن البلاد شهدت لعقود سبقت فبراير تعزيزاً لدور الشريعة في النظام القانوني. لقد روجعت قوانين عدة، وأُزيل منها ما كان مخالفاً للشريعة، وسنت أخرى استناداً إليها. في الحقيقة، يمكن القول بأن دور الشريعة في عهد القذافي قد غدا أكبر مقارنة بسلفه: العهد الملكي. ما كانت المشكلة إذن؟ كما سنبيّن حالاً، تعلقت المشكلة بمفهوم الشريعة، والمخول بتحديده، وتطبيقه.

الشريعة في العهد الملكي

في العهد الملكي (1951-1969)، لم يشر الدستور إلى الشريعة، واكتفى بإعلان الإسلام ديناً للدولة، وهو نص لم يفسر قط على أن فيه اسناد دور للشريعة في النظام القانوني. من ناحية أخرى، كان للشريعة دور مهم في تنظيم مسائل الأحوال الشخصية، ودور محدود للغاية فيما عداها من مسائل. لقد كانت الشريعة، غير المقننة وعلى مذهب الإمام مالك، حاكمة للأولى، وكان القضاة الشرعيون، في محاكم مستقلة، مسؤولين عن الفصل في دعاويها.[2] هذا في حين خضعت المسائل الأخرى: مدنية، تجارية، جنائية، إدارية...، إلى قوانين مستقاة في سوادها الأعظم من قوانين غربية. مثال هذه، القانون المدني الذي ماثل نظيره المصري، والذي شكل قانون نابليون مصدر ثلاثة أرباعه، وفقاً لما صرح به السنهوري أحد واضعي القانون المدني المصري وواضع القانون المدني الليبي. نعم، لقد كانت الشريعة مصدراً يعود إليه القاضي إذا لم يجد نصاً تشريعياً يعالج الدعوى المعروضة عليه، ولكنها لم تكن أحكام الشريعة ولكن مبادئها. وقد قيدت هذه، وفق ما شرح السنهوري، بأمرين: أن تكون محل اتفاق بين المذاهب، وألا تخالف المبادئ التي يقوم عليها القانون.[3] وجليٌ أن هذا الفهم يقيد إلى حد بعيد من نطاق الشريعة. لقد كان متصوراً في العهد الملكي أن تحوي القوانين مخالفات للشريعة، وهذا بالفعل ما كانت عليه حال العديد منها، وكانت لهذا هدفاً للمراجعات التي بدأها نظام القذافي في سنوات حكمه الأولى لجعلها متوافقة مع الشريعة.

الشريعة في عهد القذافي

دشنت المراجعات عهداً من أسلمة القوانين استمر طيلة فترة حكم القذافي (1969-2011). ولكن يمكن التمييز فيه بين مرحلتين بحسب المفهوم المتبنى للشريعة، والمخول بتحديده، وتطبيقه. في المرحلة الأولى، والتي امتدت إلى عام 1977، كان المفهوم المتبنى للشريعة تقليدياً إلى حد كبير: فقد ظلّ مذهب الإمام مالك مرجعاً أساسياً، وإن ضُمّت إليه مذاهب أخرى. وكذلك ظل لعلماء الدين دور هام في تحديد هذا المفهوم. مصداق هذا لجان المراجعات. لقد شكلت هذه اللجان من علماء في الدين والقانون، وحددت مهمتها في مراجعة القوانين الجنائية والمدنية والتجارية والبحرية، وحصر ما تحويه من مخالفات لأحكام الشريعة، واقتراح بدائل للنصوص المخالفة.[4] وبالفعل، فقد أدت هذه اللجان مهامها، وصدرت بناء على توصياتها قوانين مستمدة من الشريعة مثل تلك المتعلقة بإقامة الحد على السرقة والحرابة (قانون رقم 148/1972) والزنا (قانون رقم 70/1973) والقذف بالزنا (قانون رقم 52/1974). وأخيرًا، تعاطي المشروبات الكحولية (قانون رقم 89/1974).[5]

لم تشمل المراجعات القواعد الحاكمة لمسائل الأحوال الشخصية لأن هذه كانت حتى ذاك الحين خاضعة لأحكام المذهب المالكي غير المقننة.[6] ولكن تغييراً هاماً حدث فيما يتعلق بالقضاة المخولين نظر الدعاوى المتعلقة بهذه المسائل. لقد أدمجت المحاكم الشرعية في المحاكم المدنية،[7] وغدا من الممكن لخرّيجي كليات القانون التصدي للدعاوى المتعلقة بهذه المسائل. لاحقاً، غدا هؤلاء الخريجين بتكوينهم المحدود في علوم الشريعة هم المتصدين غالباً لهذه الدعاوى. وقد كان هذا أثر لتوجه جديد لنظام القذافي في التعامل مع أسلمة القوانين.

طبع هذا التوجه الجديد "تحجيم" للتفسيرات التقليدية، من ناحية، وتعظيم لتفسيرات مختلفة كان للقذافي دور رئيس في الدعوة إليها وأحياناً، فرضها. تحقق تحجيم التفسيرات التقليدية من خلال وسائل عدة أهمها تجفيف منابعها بإغلاق جامعة محمد بن علي السنوسي، الجامعة الوحيدة المختصة في تدريس علوم الشريعة، ولاحقاً إغلاق المعاهد الدينية، وإلغاء منصب المفتي.[8] أما تعظيم التفسيرات المغايرة، فقد تحقق من خلال الادعاء بأهلية كل مسلم لممارسة الاجتهاد، ولو لم تتحقق فيها شروط الأهلية الصارمة في الفقه التقليدي،[9] والاقتصار على القرآن في استقاء الأحكام، واستبعاد السنّة وما حوته من أحكام تفصيلية. لقد كان القرآن فقط شريعة للمجتمع الليبي، وفق ما نص عليه إعلان قيام سلطة الشعب عام 1977.

ولقد كان للتوجه الجديد أثره على دور الشريعة في النظام القانوني. للمرة الأولى، بدأ تقنين القواعد الحاكمة لمسائل الأحوال الشخصية بعدما كانت خاضعة لأحكام المذهب المالكي. ولم تستمد القواعد الجديدة من المذهب المالكي فقط، بل تعدته إلى مذاهب أخرى، ومثال هذا البارز قانون الزواج والطلاق رقم 10/1984. ومن الأمثلة البارزة على القواعد غير التقليدية التي حواها تلك المقيدة لتعدد الزوجات، والتي علقته على وجود أسباب جدية وموافقة الزوجة الأولى أمام المحكمة المختصة، أو صدور حكم بالموافقة من المحكمة المختصة في دعوى تختصم فيها الزوجة. ويكون بطلان الزواج الثاني جزاء تخلف هذه الشروط. وقد كان للقذافي دور رئيس في وضع هذه القيود، ولا أدل على ذلك من تدخله في جلسة متلفزة لمنع صدور قانون يزيل هذه القيود.[10] وتقييد تعدد الزوجات هو مثال على قواعد عدة تضمنها القانون عززت من حقوق المرأة. وفي الواقع، فإن تعزيز مركز المرأة طبع العديد من القوانين التي سنّت في عهد القذافي، فقد أصبح بإمكانها، على سبيل المثال، تولي القضاء قبل مثيلاتها في دول عربية أخرى.[11] ولكن كان للتوجه الجديد، بما حمله من مخالفات لتفسيرات تقليدية، أثره في جعل القوانين المستحدثة هدفاً لمراجعات ما بعد فبراير 2011.

الشريعة بعد ثورة فبراير

لم تكن ثورة فبراير ثورة الإسلاميين، وإن لعبوا دوراً هاماً فيها، ولكن على نحو ما غدا الإسلام وتحكيم الشريعة مميزاً لها وللمراجعات التي استهدفت النظام القانوني. لقد سميت الثورة "ثورة التكبير"، وتلا نجاحها تعزيز لدور الشريعة. قد يجد هذا الأمر تفسيره في أن دعاوى مروق نظام القذافي عن الإسلام قد كانت أساسية في تبرير الثورة ضده، ومن مقتضى نجاح الثورة إذن أن يعزز دور الإسلام. من الأمارات الدالة على هذا ما جاء في خطاب التحرير، كما سبقت الإشارة إليه، ومنها أيضاً النص في الإعلان الدستوري الصادر في أغسطس 2011 على أن الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع، وإحياء دار الإفتاء بقانون حصن فتاواها من النقاش العام وألزم الجميع باحترامها، الفتاوى،[12] وأن أصبحت الدعوة إلى تحكيم الشريعة مطلبا عاما، بما فيهم غير الإسلاميين، ومثال هذا تضمين تحالف القوى الوطنية برنامجه في الانتخابات التشريعية عام 2012 وعداً بجعل الشريعة مصدراً للتشريع.[13]

تعزيز دور الشريعة كان أيضاً أداة لإرضاء الغلاة من المطالبين بتحكيم الشريعة، وهم جماعات جعلت العنف نهجها في إقامة نظام يجعل من الشريعة منهجاً. لقد كانت جهود تعزيز هذا الدور إلى حد كبير محاولة لإقناع هؤلاء بأن هدفهم قابل للتحقيق، وموضع للتحقيق فعلاً، بطرق سلمية، ولا حاجة، من ثم، لاستخدام العنف. لم تفلح هذه الجهود في إقناع بعض هؤلاء. ولا أدل على ذلك مما قام به تنظيم الدولة الإسلامية الذي كفر سلطات ما بعد فبراير، ونبذ قوانين الدولة جميعها، وأقام في مناطق حكمه محاكم شرعية ودواوين حسبة.[14]

بالطبع ليس الإسلاميون أمة واحدة، فمنهم من ارتضى المسار الديمقراطي وشارك في السلطة التشريعية عام 2012، أحزاباً وأفراداً، ونجح في الوصول إلى مقاعد أول مجلس تشريعي منتخب: المؤتمر الوطني العام. وقد كان لهؤلاء دور رئيس في سن قوانين مستمدة من الشريعة، ومثالها البارز القانون رقم 1/2013 الذي حظر تقاضي الفوائد في المعاملات كافة بما فيها تلك التي تجريها المصارف التجارية[15]. وقد كان لدار الإفتاء برئاسة الشيخ الصادق الغرياني دور كبير في الدفع نحو تبني هذا القانون، وقد انتقد بشدة تأجيل تنفيذه إلى 2015، وعدّ هذا دليلاً على عدم جدية المؤتمر الوطني في محاربة الربا.[16]

الشريعة بعد الانقسام المؤسسي والتشريعي 2014

لم تسر جهود أسلمة القوانين في سنوات ما بعد فبراير على ذات الوتيرة. لقد شكل الانقسام السياسي مذ أغسطس 2014 منعطفاً هاماً في هذا الصدد. من ناحية أولى، تمسك المؤتمر الوطني العام بسلطة التشريع في البلاد كافة، وإن كانت سلطته الفعلية محدودة بحدود المنطقة الجغرافية التي دانت للعملية العسكرية المناصرة له –عملية فجر ليبيا- في غرب البلاد. ومن ناحية أخرى، تمسك مجلس النواب الذي اتخذ من طبرق في أقصى الشرق المجلس التشريعي الشرعي الوحيد. وقد كان من أوجه التفرقة بين المجلسين وصف الأول بأنه خاضع للإسلاميين خلافاً للثاني الذي فشلوا انتخابياً في شغل مقاعده.

وقد يستند هذا الوصف إلى تصرفات المجلسين. من ناحيته، أجرى المؤتمر الوطني العام تعديلاً على الإعلان الدستوري أصبحت الشريعة بمقتضاه "مصدر كل تشريع، [وعُدّ] لاغياً أي تشريع أو عمل أو مادة يخالف أحكامها ومقاصدها"، واعتبر المؤتمر الوطني العام هذا النص "أفضل نص دستوري في جميع دساتير البلدان الإسلامية دون استثناء".[17] كما شكل لجنة من علماء الشريعة لمراجعة التشريعات، أو غربلتها حسب تعبير المؤتمر، لتحديد ما بها من مخالفات للشريعة، واقتراح معالجات لها. وقد تبنى المؤتمر توصيات اللجنة وسنّ عدداً من التشريعات أهمها القانون رقم 14/2015 الذي عدّل القانون رقم 10/1984 بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق، حيث ألغى، من بين أمور أخرى، القيود المفروضة على تعدّد الزوجات. وأيضًا القانون رقم 6/2016 الذي عدّل 40 مادة وألغى 16 أخرى من القانون المدني، بما فيها المادة 1 التي أدرجت مصادر القانون بالترتيب التالي: التشريع، مبادئ الشريعة، العرف وقواعد العدالة والقانون الطبيعي. ووفقًا للمادة المعدلة، فقد اقتصرت مصادر القانون على التشريع شريطة عدم مخالفته لأحكام الشريعة، وعلى أحكام الشريعة. وثمة قانون جديد آخر هو القانون رقم 20/2016 الذي عدّل قانون العقوبات بإلغاء الأحكام التي تخالف الشريعة، وإضافة أحكام جديدة بما فيها حكم ينص على عقوبة الإعدام للمرتد. وبالمثل، عدّل القانون رقم 22/2016 القانون رقم 70/1973 بشأن إقامة حد الزنا بإدخال عقوبة الموت رجمًا للمرتكب المحصن.[18]

من ناحيته، سن مجلس النواب تشريعات تقوض من جهود الأسلمة الآنف ذكرها، وثمة أمثلة واضحة تبين ذلك. المثال الأول هو تعليق العمل بالقانون رقم 1/2013 بشأن حظر المعاملات الربوية إلى عام 2020،[19] والمثال الآخر هو سن القانون رقم 8/2014 بشأن إلغاء دار الإفتاء الليبية، ونقل صلاحياتها وأصولها إلى وزارة الأوقاف. ومن الواضح أن هذا القانون بمثابة رد فعل على دور دار الإفتاء في الانقسام، ولاسيما رئيسها الصادق الغرياني.

وينبغي ألا يفهم من السرد السابق أن جهود الأسلمة قد غابت عن المنطقة الخاضعة لنفوذ مجلس النواب. خلافاً لذلك، كانت هناك جهود مبنية على فهم معيّن للشريعة أثارت في حينها كثيراً من التساؤلات، ومثالها قرار الحاكم العسكري في هذه المنطقة حظر سفر النساء دون محرم[20]. وقد قيل في حينها أن إسلاميين من ذوي التوجه السلفي قد كانوا خلفه، وهي دعوى عززها ترحيب هؤلاء بالقرار، وحضهم الحاكم العسكري على إنجاز وعد أخر بحظر قيادة النساء السيارات.[21] وقد كان لهؤلاء أيضاً نقدهم لمشروع الدستور.[22] وأيضا واقعة مصادرة فريق من هؤلاء كتباً في بوابة قرب مدينة المرج بدعوى مخالفتها الشريعة.[23]

الشريعة في مشروع الدستور الجديد

حين أعلنت هيئة صياغة مشروع الدستور عن هذا المشروع في يوليو 2017، أثار هذا الإعلان ردود فعل متباينة بين مرحب ومعارض. وقد كان لموقف المشروع من الشريعة أثره في ذلك. لقد نص على أن الشريعة مصدر التشريع، وهو ما فهم على نطاق واسع بأنه يجعلها المصدر الوحيد، ودفع العديدين إلى نقده لفتحه، كما قيل، باب تقييد الحقوق والحريات.[24] لم يكن هذا النص كافياً لآخرين، ومنهم الإسلاميين آنفي الذكر. لقد رأوا أن المشروع حوى مخالفات شريعة تجعله جديراً بالرفض، ومنها، وفقاً لرأيهم، نصه على حرية التفكير والتعبير دون قيد شرعي، وحرية تكوين منظمات المجتمع المدني دون قيد، وتقرير المساواة بين الرجال والنساء أمام القانون، والنص على حرية التظاهر.[25]

ورغم أن نص مشروع الدستور على مصدرية الشريعة على هذا النحو يعد خطوة هامة في تعزيز دورها، إلا أن الأثر الفعلي لهذا النص على النظام القانوني يتوقف على تحديد المقصود بالشريعة، ومرجعية هذا التحديد. هناك فهوم للشريعة تحد إلى حد كبير من هذا التأثير، ومثالها ما تبنته المحكمة الدستورية في مصر من فهم لها بأنها قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهو فهم يحد من الشريعة وأثرها. ولا أدل على هذا من أن تعديل الدستور المصري عام 1980 ليجعل مبادئ الشريعة المصدر الرئيس للتشريع لم يستتبع أي تغيير في التشريعات القائمة.[26] ويمكن أيضا فهم الشريعة على نحو يجعل أثرها أبعد مدى، ومثال ذلك ما تبنته المحكمة العليا الليبية بعدم دستورية النص المقيد لتعدد الزوجات بدعوى مخالفته للشريعة.[27]

وفي هذا السياق، لا يقدم مشروع الدستور إجابة عن مقصوده بالشريعة ومن يحدده. أولاً، لقد سقط منه نص حوته مسودات سابقة لهيئة صياغة الدستور قيد فيه الشريعة بما تحويه المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعاً من غير إلزام برأي فقهي معين. ثانياً، رغم نصه على مجلس للبحوث الشرعية، ضمن الهيئات الدستورية المستقلة التي أنشأها، إلا أنه لم يجعل استشارته وجوبية، ولم يجعل من مشورته عند طلبها إلزامية. ثالثاً، وربما الأكثر أهمية في هذا السياق، لم يوجب عضوية المختصين بالشريعة في المحكمة الدستورية، وهي التي ستقرر متى يكون تشريع ما مخالفاً للشريعة ومن ثم غير دستوري؛ من المتصور أن تقتصر عضوية هذه المحكمة على المختصين بالقانون. اقتصار عضوية المحكمة الدستورية على القانونيين قد يعزز من احتمالات تبني مفهوم للشريعة أكثر استيعاباً للتشريعات القائمة. على هذا النحو، قد تتبنى المحكمة مفهوماً ينفي عن التشريعات التي سنّت في عهد النظام السابق مخالفتها للشريعة، ومن ثم يبقي عليها. على كل، لا زال الوقت مبكراً للحديث عن تطبيق نص مشروع الدستور المتعلق بالشريعة، فالمشروع ذاته لا زال مشروعاً وقد لا ينال قبول الليبيين في الاستفتاء العام الذي سيخضع له، وهي نتيجة قد يسهم موقفه من دسترة الشريعة في الوصول إليها.

 

نشر في العدد 11 من مجلة المفكرة القانونية - تونس

للاطلاع على العدد، انقر/ي هنا https://bit.ly/2J3dCsY

 

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا

 


[1] "عبد الجليل" الإسلاميون خدعوا الجميع". 218. 20 مارس 2018. متاح عبر الإنترنت: https://www.218tv.net  / تاريخ آخر دخول 14 أبريل 2018.

[2] مسائل الأحوال الشخصية هي تلك المتعلقة بالعلاقات العائلية مثل "الزواج، والطلاق، والإرث، والولاية، والوصايا والموضوع بالغ الأهمية المتعلق بالأوقاف".  (Qasem, A.M. 1954. “A Judicial Experiment in Libya: Unification of Civil and Shariat Courts.” The International and Comparative Law Quarterly 3 (1):  134-137. P 135.).

[3] Al-Sanhuri, Abd al-Razzaq. 1997. Al-Wasit fi Sharah Al-Qaanun Al-Madani [An Explanation of The Civil Law], part 1. Cairo: Dar al-Nahda. As cited by Guy Bechor. 2007. The Sanhuri Code, and the Emergence of Modern Arab Civil Law (1932 to 1949). Leiden: Brill. P 83.

[4] قرار مجلس قيادة الثورة - - لسنة 1971 بشأن تشكيل لجان لمراجعة التشريعات وتعديلها بما يتفق مع المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية. - بتاريخ 10-2-1972. الجريدة الرسمية. العدد 6. ص ص 241-245.

[5] Peters, R. 2005. Crime and Punishment in Islamic Law: Theory and Practice from the Sixteenth to the Twenty-First Century. Cambridge: Cambridge University Press. Pp 153, 154.

[6] القانون رقم  51 لسنة  1976 بشأن إصدار قانون نظام القضاء. الجريدة الرسمية، العدد  45  بتاريخ  15-8-1976.

[7] قانون -  رقم 87 -  لسنة 1973 بشأن توحيد القضاء الجريدة الرسمية، العدد 48 – بتاريخ 15 ديسمبر 1973.

[8] أبو راس، علي (2017) نظرات في دور القيادات التقليدية في حل منازعات الأراضي القبلية، بني وليد نموذجا. في إبراهيم، سليمان وجان ميخائيل أوتو (تحرير) علاج منازعات الملكية العقارية في ليبيا ما بعد القذافي، في إطار العدالة الانتقالية. ليدن: مؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع؛ بنغازي: مركز دراسات القانون والمجتمع.

[9] Martin, Richard C. and A.I. Tayob. 2004. Encyclopedia of Islam and the Muslim world. New York: Macmillan Reference USA. P 557.

[10] Hinz, Almut. 2002. “The development of matrimonial law in Libya.” Journal of Libyan Studies 3 (1): 13-29. As cited by Lynn Welchman. 2007. Women and Muslim Family Laws in Arab States: A Comparative Overview of Textual Development and Advocacy, vol. 1. Leiden: Leiden University Press. P 31)

[11] جبريل، جازية. حقوق المرأة في ليبيا: الحفاظ على مكتسبات الماضي وتوجسات المستقبل. المفكرة القانونية.18 ديسمبر 2015. متاح عبر الإنترنت: http://www.legal-agenda.com/article.php?id=1323  تاريخ آخر دخول: 14 أبريل 2018.

[12] قانون - رقم 15 - لسنة 2012 بشأن إنشاء دار الإفتاء. الجريدة الرسمية العدد 3السنة الأولى - بتاريخ 16-4-2012.

[13] مجدي، مي. (2012) طرابلس: "تحالف القوى الوطنية" ينادي بإسلام وسطي .. ويتقدم على الإسلاميين. 11 يوليو 2012. الشرق الأوسط. العدد 12279، 11 يوليو 2012. متاح عبر: http://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&article=685880&issueno=12279#.Wh6mWE2ou70 . تاريخ آخر دخول 29 نوفمبر 2017.

[14] ""داعش" .. الطريق إلى "إمارة سرت"". الوسط. 13 ديسمبر 2015. متاح عبر الإنترنت: http://alwasat.ly/news/libya/83389  تاريخ آخر دخول: 14 أبريل 2018.

[15] استهدف هذا القانون حظر تقاضي الفوائد أياً كان أطراف المعاملة خلافاً للقانون رقم 74/1972 الذي اقتصر على حظرها في معاملات الأشخاص الطبيعيين، فإذا كان التعامل يتضمن أشخاصاً معنوية ، كالمصارف مثلًا، جاز فرض الفوائد. وقالت المحكمة العليا "إن نصوص القانون المدني والتجاري التي تبيح التعامل بالفوائد بين الأشخاص المعنوية بعضها لبعض كالمؤسسات والهيئات العامة والمصارف أو فيما بينها وبين الأفراد فإن القانون رقم 74 لسنة 72م لم يتعرض لها وهي نصوص سابقة لإعلان قيام سلطة الشعب ولازالت موضوع دراسة من المشرع للتوصل إلى رأي نهائي في شأن تحريمها ..." (المحكمة العليا . النقض المدني الطعن رقم 3 .  السنة 36 قضائية.  تاريخ الجلسة 2 ديسمبر 1990. مكتب فني 25  رقم الجزء 1. رقم الصفحة 139.).

[16] الغرياني، الصادق عبد الرحمن (2013) تأجيل وقف التعامل بالربا لماذا؟!!!. متاح عبر موقع دار الافتاء: . https://ifta.ly/web/index.php/2012-09-04-09-55-33/2013/871-2013-01-09-13-01-55  تاريخ آخر دخول: 29 نوفمبر 2017.

[17] المؤتمر الوطني العام، "بيان بجهود المؤتمر الوطني العام في تحكيم الشريعة الإسلامية وإقرار القوانين بما لا يخالف أحكامها". 19 أبريل 2016.

[18] نشر عدد من هذه القوانين في العدد (5) من الجريدة الرسمية. 17 نوفمبر 2015. متاح عبر: http://itcadel.gov.ly/wp-content/uploads/pdfs2013/add05-2015.pdf . تاريخ آخر دخول: 29 نوفمبر 2017.

[19] أصدر المجلس لهذا الغرض القانون رقم 7 لسنة 2015. انظر الخميسي، أحمد (2015) الفوائد المصرفية في شرق ليبيا: حل أم أزمة؟ العربي الجديد. 23 نوفمبر 2015. متاح عبر: https://www.alaraby.co.uk/supplementeconomy/2015/11/22/الفوائد-المصرفية-في-شرق-ليبيا-حل-أم-أزمة . تاريخ آخر دخول: 29 نوفمبر 2017.

[20] القرار رقم 6/2017 الصادر بتاريخ 16 فبراير 2017،

  [21] "السلفيون في ليبيا يطالبون الناظوري بمنع قيادة المرأة للسيارات". بوابة إفريقيا الإخبارية. 20 فبراير 2017. متاح عبر الإنترنت: http://www.afrigatenews.net تاريخ آخر دخول 20 ديسمبر 2017.

[22] " هيئة الأوقاف بالحكومة المؤقتة: مسودة الدستور تصادم الشريعة الإسلامية ". ليبيا المستقبل. 19 يوليو 2016. متاح عبر الإنرتنت: تاريخ آخر دخول: 20 ديسمبر 2017.

[23] "تعرف على حقيقة الكتب المصادرة في المرج". الوسط. 22 يناير 2017. متاح عبر الإنترنت: http://alwasat.ly/news/art-culture/122514 تاريخ آخر دخول 14 أبريل 2018.

[24] "مشروع الدستور الليبي والجدل القائم". المرصد. 16 أغسطس 2017. متاح عبر الإنترنت: تاريخ آخر دخول: 14 أبريل 2018.

[25]  "إفتاء الحكومة المؤقتة: هذا هو الرأي الشرعي في مسودة مشروع الدستور". المرصد. 2 أغسطس 2017. متاح عبر الإنترنت: https://almarsad.co  / تاريخ آخر دخول 14 أبريل 2018.

[26] Berger, M. and N. Sonneveld (2010), Sharia and National Law in Egypt (Ch.2), in J.M. Otto (ed.): Sharia incorporated: a comparative overview of the legal systems of twelve Muslim countries in past and present, Leiden: Leiden University Press, pp. 51-88.

[27] طعن دستوري رقم 3لسنة 2013.