في 13 أوت 2017، والذي يصادف يوم المرأة التونسية، دعا الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى أخذ خطوات جدية نحو المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، داعياً إلى تشكيل لجنة تُعنى بهذا الأمر. وفعلاً أعطي الأمر الرئاسي بتشكيل لجنة استشارية تحت مسمى "لجنة المساواة والحريات الفردية"، والتي كان من المتوقع أن تعمل على كتابة تقرير خلال خمسة أشهر من تاريخ تشكيلها، شاملاً كل القوانين التونسية التى تسبب خرقا لمفهوم المساواة وتشكل عائقاً أمام ضمان الحقوق والحريات الفردية، وطارحاً لسبل تحقيق مساواة وضمان حقوق وحريات أكثر، من الناحية القانونية.

نظراً لأهمية هذه اللجنة والجدل الذي يمكن أن يثيره تقريرها تونسياً وعربياً، تحاور المفكرة القانونية الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون العام والباحث القانوني سليم اللغماني، حول اللجنة، في ظل قرارها بتأجيل تقديم تقريرها لرئاسة الجمهورية لما بعد الاستحقاقات البلدية خوفا من أي توظيف سياسي لمقترحاتها، بالإضافة إلى سؤالنا عن المسار الديمقراطي في تونس والوعي السياسي للمواطن التونسي.  

 

المفكرة: على ماذا ستركز اللجنة في عملها؟

اللغماني: من اسمها نستطيع أن نستخلص شقي عمل اللجنة. فهناك الحريات والحقوق الفردية من جهة والمساواة من جهة أخرى. في الحقيقة، المساواة في الإرث هي موضوع من الموضوعات التى سيشملها عمل اللجنة. ولكنها ليست الموضوع الرئيسي، حتى وإن كانت هذه المسألة من أكثر المسائل الشائكة.

أهمية الشق الأول المتعلق بالحريات والحقوق الفردية، هو إحياء فكرة الفرد داخل المجتمع التونسي. ففي ثقافتنا وحضارتنا التونسية والعربية عموما، تمّ تغييب الفرد لمصلحة المجموعة. هذه المجموعة يمكن أن تكون العائلة، المجتمع، أو اللأمة. للأسف ليس هناك ثقافة تؤمن بوجود الفرد ككائن مستقل، بل نركز في مجتمعاتنا على الحريات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية بصفتها الجماعية.

لذلك علينا اليوم في ظلّ وجود اللجنة أن نعمل على نشر الوعي بالحريات والحقوق الفردية، أولا كآلية لحماية الفرد كونه فردا قائما بذاته وجسده وفكره ومعتقداته وضميره وحريته الأكاديمية، وأيضاً في حياته الخاصة. حماية الحياة الخاصة هي العنصر الذي يغيب كليا في حضاراتنا العربية. ليس هناك فهم لفكرة "ما دمت لم أخرق القانون من خلال التعدي على حريات وحقوق الآخر ولم أستعمل العنف، وما دمت أمارس الحرية ضمن مكاني الخاص، يجب على الدولة أن تلتزم بعدم التدخل". وهذا مضمون بنص الدستور والاتفاقيات العالمية.

علينا أن لا نأخذ ذلك من ناحية قانونية فقط، بل علينا أيضاً أن نتناول الأمر من ناحية سوسيولوجية.  

فالتغيير الذي سيشمل الحريات والحقوق ربما يمس بمعتقدات غالبية الناس، ولكن لا يمس معتقدات الفرد الذي يمارس هذا الفعل أو غيره. فكل شخص حر في ممارساته. ومن يعتبر أن بعض الحريات والحقوق تعارض معتقداته، فلا يمارسها، ولكن لا يحق له أن يحرم الآخر من أن يمارسها.

هذا فيما يخص باب الحريات والحقوق، أما باب المساواة فلا يقتصر على المساواة في الميراث فقط. المساواة بين الرجل والمرأة هو نوع من أنواع المساواة التى يجب إقرارها في القانون التونسي.  ولكن ماذا عن الأطفال والأقليات وذوي الإحتياجات الخاصة؟ المساواة في الإرث هي أيضاً نموذج من النماذج التي يجب علينا التطرق اليها فيما يخص المساواة بين الرجل والمرأة. ثم، ماذا عن المهر كشرط أساسي في تحقيق صحة الزواج؟ المهر في الذهنية التونسية هو من التقاليد. ممكن للجنة مثلا أن تبقي على المهر بحكم علاقته بتقاليدنا التونسية، ولكن يجب أن نفرغه من كونه شرطا لتحقيق صحة الزواج.

المفكرة: ما هي المرجعية التى تستند إليها اللجنة في عملها؟

اللغماني: تأسست اللجنة بقرار من رئيس الجمهورية في 13 اوت 2017 وكلفت بإعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة. نص القرار الرئاسي على أن اللجنة يجب أن تستند في عملها إلى مقتضايات دستور 2014 والاتفاقيات الدولية والتوجهات المعاصرة في مجال الحقوق والحريات الفردية والمساواة.

في الأمر الرئاسي لم تذكر "الشريعة". ولكن بحكم الفصل الأول من دستور 2014، الذي ينص أن بكون الإسلام جزءا لا يتجزأ من تونس وشعبها، كان تشديد رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي على أن الاصلاحات التى ستقترح يجب أن تأخذ بعين الإعتبار أن "شعب تونس شعب مسلم وأن الدولة التونسية دولة مدنية". بمعنى أننا نأخذ بعين الإعتبار في عملنا ومقترحاتنا القيم والمعتقدات الإسلامية.

في الواقع، الشريعة ليس لها في تونس صفة قانونية ملزمة من الأساس. كل ما هو إسلامي يقتصر على القيم الشعبية الحضارية لا أكثر. تحاورت اللجنة مع العديد من الأطراف ومكونات المجتمع المدني من انتماءات فكرية مختلفة. تحاورنا أيضاً مع مدرسين من الزيتونة، وهم أيضاً مختلفون فكريا وأيديولوجياً. منهم من لديه فكر تجديدي، بالرغم من وجود العديد الذين يميلون إلى التطرف ويرفضون فكرة التغيير.

المفكرة: ما هو الهدف الأساسي وراء عمل اللجنة؟ هل هو تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين فيما يخص المساواة؟

اللغماني: المطلوب منا ليس فقط إقرار مساواة تامة بين الرجل والمرأة في الميراث.

فكما سبق وذكرت من المكونات الأساسية التى يجب أن نعتمد عليها الثقافة الإسلامية للشعب التونسي. هدفنا الإتجاه نحو المساواة ووضع الدولة التونسية على هذا المسار. ولكن هل سنصل إلى مساواة تامة في تقريرنا؟ في الواقع، هذا مطلوب دستورياً ولكن ليست هذه الإحتمالية الوحيدة التى يمكن أن يشملها تقرير اللجنة. ونحن لا نلزم رئيس الجمهورية بحل واحد فقط أو احتمال واحد. سنضع اقتراحات عديدة. المساواة الكاملة هي حل من الحلول ولكن يمكن أن نقترح مساواة متوسطة، نتجه بها اتجاها مستقبليا نحو المساواة. هذا ما زال موضوع نقاش وتفكير بين أعضاء اللجنة.

المفكرة: برأيكم ماذا سيكون موقف حركة النهضة من تقرير اللجنة، بخاصة في ظل توجهها إلى تبني خطاب متقدم فيما يخص الحريات والحقوق الفردية؟

اللغماني: فعلا، نجد من خلال تصريحات قيادييها، أن الحركة ليست مع الرفض القطعي للمساواة والحريات والحقوق الفردية. ولكن إلى أي مدى ستذهب الحركة في قبولها هذا على الصعيد الفعل السياسي؟ ما هي "الخطوط الحمراء" للحركة؟ لا نعلم. لا أتوقع أن تعلن الحركة عن أي موقف قبل التقرير وقرار رئيس الجمهورية. أعتقد أنها ستتموقع بالنسبة لما سوف يُقترح. هل ستذهب إلى حد بعيد "بالتحديث"؟ هذا متعلق أيضاً بمدى ذهابنا نحن كلجنة في المساواة والحقوق والحريات.

المفكرة: برأيكم إلى أي مدى سيتقبل المجتمع التونسي هذا التجديد؟

اللغماني: فيما يخص المسائل التى تطرقنا إليها، ردة فعل المجتمع سوف تختلف من مسألة إلى أخرى. المسائل الثلاث المتوقع أن تثير جدلا واسعا في المجتمع هي أولا حق الإنسان في الحياة، نقصد إلغاء عقوبة الإعدام، ثانياً مسألة المثليين وإلغاء تجريم المثلية الجنسية، ثالثاً مسألة المساواة في الإرث.

المفكرة: ما تقيمكم للوعي السياسي والحقوقي للمواطن التونسي، في ظل مسار إرساء مقومات الديموقراطية؟

اللغماني: على مستوى إرساء آليات الديموقراطية، خطونا خطوات كبيرة وجدية. أبرز مثال على ذلك هي الانتخابات التى قمنا بها في تونس والتى كانت على قدر كبير من التعددية، الشفافية والانفتاح. والتي تمت تحت رقابة مستقلة.

ومن المتوقع أن تكون الإنتخابات البلدية القادمة على نفس مستوى التعددية والديمقراطية. هذه من مكتسبات الديموقراطية الأساسية. ولكن الديمقراطية ليست فقط آليات بل أخلاقيات وقيم أيضاً.

فمثلاً، تعلمنا الديمقراطية أن الخطأ موجود دائما، وأن الإنسان معرض للخطأ. لذلك لا يمكن أن يطرح إنسان فكرة هو يؤمن بها ويفرضها على غيره. في هذا الخصوص، ما زلنا متأخرين نوعا ما. لا بد من زمن لتجذير الديمقراطية على أنها نظام قيمي وأخلاقي وليس فقط آلياتي.

 

نشر في العدد 11 من مجلة المفكرة القانونية - تونس

للاطلاع على العدد، انقر/ي هنا https://bit.ly/2J3dCsY