لا اختلاف بأن قيس سعيّد، أستاذ القانون الدستوري، يحظى باحترام التونسيين نظراً لمواقفه الموضوعية تجاه القضايا التشريعية والدستورية منذ اندلاع الثورة التونسية. عُرف بقراءاته القانونية والتحليلية للمرحلة الانتقالية والتشريعات الدستورية البعيدة عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية. "لم أنتخب في حياتي": هكذا استهل كلامه عن الانتخابات القادمة معتبرا أنها لا تعكس إرادة الشعب ومطالبه وتطلعاته. الأستاذ قيس سعيّد يجيب عن بعض الأسئلة التي تطرحها المفكرة عن دستور تونس والمحكمة الدستورية.

 

المفكرة: لطالما وصفت دستور 2014 بأنه نتاج البراغماتية . لماذا؟

سعيّد: في الواقع، منذ وضع دستور تونس الأول، توجه مشايخ جامع الزيتونة ببرقية إلى المجلس القومي التأسيسي مطالبين بإدراج حكم "الإسلام دين الدولة" في الدستور. تم ذلك بالفعل. حيث نصت المادة الأولى من دستور 1959 أن "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها". اشكالية هذا الفصل بدأت تطرح في التسعينيات. بدأ التساؤل هل أن المقصود بالإسلام أنه دين الدولة أم دين تونس؟ استمرت هذه الاشكالية في الفصل الأول من دستور 2014. برأيي، إن الفرضية القائلة بأن الفصل الاول من دستور 2014، الذي يشابه المادة الأولى من دستور 1959، يتعلق بوضع اجتماعي ولا يترتب عليه أي نتيجة قانونية، لا أساس لها من الصحة. فحين يقال أن "الجمهورية نظامها..."، فإن ذلك محسوم بأن الضمير المتصل "ها" إنما يشير إلى بالدولة؛ ويفترض أن تشير أن الضمير "ها" المتصل بالدين، بدورها إلى الدولة. فلا نفهم لماذا يعود الضمير المتصل تارة إلى الدولة وتارة إلى تونس.  

كما أن الفصل السادس من الدستور يختزل جميع التناقضات ويؤكد على البراغماتية . حيث ينص على ان "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها". وأنا هنا أتحدى أي محكمة دستورية في العالم أن تطبق مثل هذا الفصل. على ما يلي نستنتج أن عملية إقرار الدستور هي عملية لا يمكن إلا وصفها بالبراغماتية .  تم اقرار الدستور بالتناصف إن صح التعبير. بمعنى "تريد فصلا، اعطني في المقابل فصلا، تريد حكماً اعطني في المقابل حكما".

 

المفكرة: ماذا عن المحكمة الدستورية؟

سعيّد: طرحت مسألة المحكمة الدستورية أول مرة في ستينيات القرن الماضي، بمناسبة المحاكمات السياسية، كمحاكم الحق العام ومحاكم أمن الدولة. كما أنه حدث دفع بعدم دستورية المادة الرابعة من قانون الجمعيات المؤرخ في 4 نوفمبر 1959. تطرح المسألة اليوم كذلك. ولكن المشهد السياسي في البلاد سيجعلها أقرب إلى لعبة ورق. بحيث ستؤلف المحكمة من 12 قاضيا، يعين 4 من قبل مجلس النواب، 4 من قبل المجلس الأعلى للقضاء، و4 من قبل رئيس الجمهورية. ما يجعل هيئة المحكمة الدستورية في الظاهر قضائية، ولكن من سيجلس على أرائك القضاة سيتحكم به رجل السياسة واللعبة السياسية. وعندما ستدخل السياسة قصورالعدالة، تغادر العدالة هذه القصور. ستكون المحكمة الدستورية تعبيراً عن التوازنات السياسية في البلاد، سيحددها رئيس الجمهورية في النهاية. حيث سيتم انتخاب الأعضاء من مجلس النواب وبعدها المجلس الأعلى للقضاء وبعدها سيعين رئيس الجمهورية الباقي متخذاً التوازن السياسي بعين الإعتبار. في حين يجب على المحكمة ان يحكمها القانون وليس اللعبة السياسية.

 

المفكرة: ما تقييمكم للنظام السياسي التونسي؟

سعيّد: في الواقع، كان هناك قراءة سياسية للتوازنات السياسية خلال فترة كتابة الدستور، والتى تم على أساسها التوافق على فصول عديدة منه. كان هناك تحليل أن من المحتمل أن تفوز النهضة في الانتخابات التشريعية. وتحليل آخر اقتضى بأن المرشح الذي له أوفر الحظوظ للرئاسة هو الباجي قايد السبسي. فتمت إضافة جملة من الاختصاصات لرئيس الجمهورية على "عجل". وقد أدت هذه الإضافة إلى إعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة تفوق دستورية تقسيم السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية والحكومة، التى تكون منبثقة عن الأغلبية.

نجد اليوم أن مركز الثقل هو قصر قرطاج وليس القصبة. أي أن القوة هي في يد رئيس الجمهورية وليس الحكومة كما نص الدستور. اليوم الحكومة تعمل وكأنها حكومة رئيس الجمهورية. يعيد ذلك إلى الذاكرة الفصل 39 من دستور 1959، والذي ينص على أن رئيس الجمهورية يمارس السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها وزير أول.

 

نشر في العدد 11 من مجلة المفكرة القانونية - تونس

للاطلاع على العدد، انقر/ي هنا https://bit.ly/2J3dCsY