يُعتبر إجراء الانتخابات البلدية يوم 6 ماي 2018، بعد أن تم تأجيلها في العديد من المرات، حدثا هاما في مسار الانتقال الديمقراطي في تونس باعتبار أن هذه المجالس ستعمل وفق مقتضيات دستور 27 جانفي 2014 الذي يرسي منظومة حكم تقوم على تصوّر جديد لتسيير الشأن المحلي باعتماد اللامركزية وديمقراطية القرب في بعديها التمثيلي والتشاركي.

وتتمثل الأولوية حاليا في تنزيل الباب السابع من الدستور من خلال التسريع في وضع الإطار التشريعي والترتيبي الجديد لتجسيد اللامركزية على أرض الواقع وإعطائها بعدا تطبيقيا. في هذا السياق، صدر القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2017 المؤرخ في 14 فيفري 2017 والمتعلق بتنقيح وإتمام القانون الانتخابي المؤرخ في 26 ماي 2014 وذلك بتعديل بعض الفصول وإدراج أقسام وفروع تتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية.

كما صادق مجلس نواب الشعب في 26 ماي 2018 على مشروع القانون الأساسي المتعلق بمجلة الجماعات المحلية بعدما تولت دراسته لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح بالمجلس منذ جوان 2017.

وتجدر الملاحظة أن إنجاز مشروع المجلة استغرق وقتا طويلا فقد شرعت في اعداده وزارة الداخلية منذ 2015 ثم تعهدت بذلك وزارة الشؤون المحلية والبيئة بعد إحداثها في 2016. وقد شهد المشروع عدة تعديلات بناء على مقترحات الخبراء والمجتمع المدني والجهات الرسمية وقد ناهزت مسوداته العشرين. ويعتبر هذا النص مهما للغاية بالنسبة للمجالس البلدية المرتقبة. فهو يمثل الإطار القانوني الجديد الذي سينظم عملها وفق مقتضيات الدستور. كما أنه يلغي ويعوض الإطار القانوني القديم والمتمثل أساسا في القانون الأساسي عدد 33  المؤرخ في 14 ماي 1975 المتعلق بالبلديات. وتتضمن المجلة جملة من المواد المتعلقة بتنظيم الجماعات المحلية وصلاحياتها المختلفة وأملاكها وماليتها وعلاقتها بالسلطة المركزية وبالمواطنين وببعضها البعض بالإضافة إلى علاقاتها الخارجية، تم تقسيمها إلى جزء أول خصص للأحكام المشتركة بالنسبة لكل أصناف الجماعات المحلية وجزء ثاني حول الأحكام الخاصة بكل صنف.

وتعتبر هذه الإصلاحات ضرورية لتأهيل البلديات وتحررها من وطأة السلطة المركزية وترسيخ المواطنة الفعلية للمواطنات والمواطنين بالإضافة إلى تحسين خدمات ومرافق القرب وتقليص التفاوت في التنمية بين الجهات. وتُعدّ البلديات المستوى الأول لمشاركة المواطن في تسيير الشؤون العامة المحلية وتجسيدا لديمقراطية القرب التي طال انتظارها في تونس.

ولكن لا يجب التغافل عن حجم التحديات التي ستواجه المجالس البلدية الجديدة. فقد تميزت السنوات السبع الفارطة بعجز النيابات الخصوصية، التي تم تعيينها بعد الثورة لإدارة البلديات بشكل مؤقت إلى حين إجراء الانتخابات البلدية، على الاضطلاع بدورها في ظل محدودية الموارد والصلاحيات ووضع عام متسم بضعف سلطة الدولة. وستجد البلديات الجديدة نفسها إزاء إرث ثقيل يتمثل في تدهور خدمات وتجهيزات القرب وأزمة ثقة حادة تعصف بالطبقة السياسية وبمؤسسات الحكم ككل. وقد أفضى تراكم اشكالات الحوكمة المحلية إلى ارتفاع منسوب الانتظارات والمطلبية المجتمعية من المجالس البلدية المرتقبة. ولكن من الممكن أن يقترن ذلك  بمقاطعة الانتخابات كتعبير ديمقراطي عن فقدان الأمل في التغيير.

 

1- البلديات وترسيخ ممارسة الحقوق المتصلة بالمواطنة

يعتبر دستور 2014 الجماعات المحلية "سلطةفعلية، خُصص لها الباب السابع الذي يتضمن 12 فصلا تعلقت بسبل تدعيم استقلالية للجماعات المحلية على مستوى الاختصاصات والموارد الماليَة والبشرية وتعزيز آليات مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات ومساءلة السلطات المحلية بشكل يمكن من تحقيق الديمقراطية والتنمية المحلية وتقديم الخدمات الأفضل للمواطنين والمواطنات وتقليص الفجوة بين جهات الجمهورية. ويشكل مبدأ التدبير الحر إحدى الضمانات الدستورية لاستقلالية الجماعات المحلية. ويعني المبدأ حرية إدارة الجماعات المحلية لشؤونها وهو يشمل حرية التعاقد وحرية التصرف في الموظفين وسلطة اتخاذ القرارات سواء كانت فردية أو ترتيبية وحرية تنظيم وتسيير هياكلها وحرية الإنفاق وحرية التصرف في أملاكها وتسيير مرافقها.

وقد شهدت قواعد توزيع الصلاحيات تغييرا جذريا، حيث أصبح تسيير الشأن المحلي وتحقيق التنمية المحلية والتخطيط الترابي في صميم الاختصاص المبدئي للجماعات المحلية. كما توسعت اختصاصات الجماعات المحلية لتشمل إلى جانب الصلاحيات الذاتية، التي تنفرد بها، صلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها تباشرها على أساس مبدأ التفريع أي على أساس القرب من المواطنين والقدرة على الأداء الافضل.

في هذا السياق، لم تعد صلاحيات البلدية تقتصر على التعهد بخدمات وتجهيزات القرب وإدارة المرافق العموميّة البلدية، بل تجاوزتها لتشمل مجالات أخرى تمارسها البلدية بصفة مشتركة مع السلطة المركزية، وهي تتعلق أساسا بالمساهمة في:تنمية الاقتصاد المحلي، دعم التشغيل، المحافظة على خصوصية التراث الثقافي المحلي، القيام بالأعمال اللازمة لدفع الاستثمارات الخاصة وإقامة مناطق للأنشطة الاقتصادية، إنجاز التجهيزات الجماعيّة ذات الصبغة الاجتماعية والرياضيّة والثقافيّة والبيئيّة والسياحيّة ...

كما أسندت مجلة الجماعات المحلية للبلديات بعنوان صلاحيات منقولة اختصاص بناء المؤسسات الصحية، التربوية، الثقافية، الرياضية وصيانتها. ومن المُنتظر أن تُفضي هذه الخيارات إلى التأسيس لمقاربة جديدة لمنوال التنمية تنطلق من المحلي نحو الوطني ولوضع لبنات مواطنة أكثر فعالية ونشاطا في الفضاء العمومي.

في هذا السياق، يمثل تعميم التنظيم البلدي على كامل التراب الوطني رهانا حقيقيا حيث كانت البلديات تغطي نسبة تقلّ عن 10% من التراب الوطني. كما كان قرابة 3 ملايين ونصف من التونسيين يعيشون خارج التنظيم البلدي وبالتالي على هامش المواطنة الفعلية وهو ما يعد من الأسباب المباشرة للفجوة المجالية والتنموية في تونس منذ عقود. وقد أصدر رئيس الحكومة جملة من الأوامر بين 2015 و2016 بقصد توسيع المجال الترابي للبلديات الكائنة في مراكز المعتمديات مع إحداث بلديات جديدة عددها 86 ليبلغ العدد النهائي 350 بلدية وتمثل كل بلدية دائرة انتخابية[1]. وقد شملت الإحداثات كل الولايات )باستثناء ولايتي تونس و المنستير المغطيين كليا(  وذلك بالإعتماد على جملة من المؤشرات الفنية والتنموية  والتعديلية.

إن مجرد إحداث بلديات جديدة لا يعني جاهزيتها لإسداء خدمات للمتساكنين ولتحسين ظروف عيشهم. فالأمر يتطلب رصد الموارد البشرية والمالية اللازمة، كي تكون قادرة على خدمة الصالح المحلي وتوفير المرافق والخدمات البلدية. كما أن إدماج المناطق الريفية ضمن الفضاء البلدي لا يجب أن يقتصر على مجرّد تقسيم إداري، بل يجب أن يشمل خططا للنهوض بتلك المناطق وإدماجها ضمن الدورة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

بالتوازي مع توسيع المجال البلدي وترسيخ ممارسة الحقوق المتصلة بالمواطنة وأولها حق المشاركة السياسية، شدد القانون الانتخابي على ضرورة وجود رابط حقيقي بين الناخب ودائرته الانتخابية من خلال اعتماده في عملية تسجيل الناخبين معيار "العنوان الفعلي" مع حصر دقيق لهذا المفهوم في العنوان المبين في بطاقة التعريف الوطنية. أما إذا رغب الناخب في التسجيل في دائرة انتخابية مختلفة عن العنوان المبين في بطاقة التعريف الوطنية، فعليه إثبات ارتباطه بمكان يقيم فيه عادة أو يمارس فيه نشاطه الاقتصادي، أو يخضع فيه للأداءات المحلية. كما يُقدم الترشح في الدائرة الانتخابية المسجل بها. وتهدف هذه الشروط إلى تفادي تلاعب الأحزاب السياسية بالجسم الانتخابي وهي من بين حالات الغش الانتخابي وذلك بتغيير عناوين مسانديها من دائرة انتخابية إلى أخرى مجاورة قصد التأثير على نتائج الانتخابات وهو ما يتيحه صغر حجم الدوائر الانتخابية.

ويُقدَر عدد المسجلين للانتخابات البلدية 5369843[2] من ضمن 8 ملايين ناخب وهو ما يعني أن عدد المسجلين لا يتجاوز 80% من الجسم الانتخابي المحتمل ويمثل المسجلون من الرجال نسبة 52% مقابل 48% بالنسبة إلى النساء. وتٌعتبر الادماجية في المسار الانتخابي أحد المعايير الحاسمة في نجاح الانتخابات نظرا لارتباطها الوثيق بشفافيّة الانتخابات وشموليّتها، إذ أنّ حقّ الاقتراع هو حقّ عام، يرتبط بصورة وثيقة بالمواطنة وبتحقيق الديمقراطية. وعادة ما يُثار معيار الادماجية بالنظر لاستهدافه فئات معيّنة من المواطنين الذين تتوفّر فيهم قانونا صفة الناخب غير أنّه، ولأسباب عدّة، لا يتسنى لهذه الفئات ممارسة حقّ الانتخاب بطريقة ميسّرة أو مماثلة في مباشرتها على غرار بقية فئات المجتمع مثل الأشخاص ذوي الإعاقة والأميين والنساء، وخصوصا الريفيات[3] منهن. وتمثل نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية المقبلة تحديا حقيقيا حيث يتمسك العديد من التونسيين والتونسيات بالمقاطعة كخيار إزاء طبقة سياسية لم تفِ بوعودها في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

كما أقر القانون الانتخابي الجديد الخاص بالانتخابات المحلية السماح بتسجيل العسكريين وقوات الأمن الداخلي حتى يتمكنوا من التصويت في  الانتخابات البلدية والجهوية دون غيرها. ولكن كان هذا الخيار محل جدل حاد خلال مناقشة القانون الانتخابي أمام البرلمان حيث أثار معارضوه خطورة هذه الخطوة على المسار الديمقراطي في تونس وتعارضها مع متطلبات الأمن الوطني ومبدأ حياد المؤسستين العسكرية والأمنية وفق ما ينص عليه الفصلين 18 و 19 من الدستور، هذا بالاضافة الى الصعوبات التقنية باعتبار انتشار القوات الأمنية والعسكرية يوم الإقتراع. في المقابل اعتبر مساندو هذا الحق أن الانتخابات المحلية أقل تسييسا من الانتخابات الوطنية وهي تقتضي المشاركة الموسعة للمتساكنين والسماح بالتسجيل لأكبر عدد منهم على أساس مبدأ المساواة المنصوص عليه بالفصل 21 من الدستور ومتطلبات الاقتراع العام. وقد تضمن القانون الانتخابي جملة من القيود لضمان حياد المؤسستين العسكرية والامنية باعتباره اساس البناء الديمقراطي إذ لا يمكن أن يترشح العسكريون وأعوان قوات الأمن الداخلي للانتخابات البلدية والجهوية.
كما لا يمكنهم المشاركة في الحملات الانتخابية والاجتماعات الحزبية وكل نشاط له علاقة بالانتخابات. وفي حالة مخالفة هذه  الشروط،  أقر القانون أقصى عقوبة تأديبية وهي العزل. كما أقر القانون الانتخابي اجراءات خصوصية فيما يتعلق بعملية تصويت العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي حيث تجرى قبل يوم الاقتراع في آجال تضبطها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على أن يتم فرز أصواتهم يوم 6 ماي بالتزامن مع عمليات الفرز في كافة مكاتب الاقتراع لتفادي كل وصم سياسي أو شبهة ولاء حزبي يمكن أن يلحق بهذه الأجهزة. وقد تقرر اجراء الانتخابات البلدية بالنسبة للأمنيين والعسكريين يوم الأحد 29 أفريل 2018 وسط دعوات لمقاطعتها من قبل بعض النقابات الأمنية. وقد كانت نسبة المشاركة متدنية للغاية حيث بلغت 12% من مجموع المسجلين بالنسبة لهذه الأسلاك.

أخيرا يُعتبر المستوى المحلي الإطار الأنسب والأكثر فعالية لمأسسة مشاركة المواطنين والمواطنات في إدارة الشأن المحلي. في هذا السياق أقر الدستور إلى جانب الديمقراطية التمثيلية مفهوم الديمقراطية التشاركية في التوطئة وفي الفصل 139 من الباب السابع والذي ينص على ضرورة  اعتماد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمواطنات والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها. ويُعتبر المسار التشاركي هاما في بناء الثقة بين المواطنين والمواطنات من جهة والجماعات المحلية من جهة أخرى. وتقوم الديمقراطية التشاركية على اعطاء أهمية مركزيَة للمواطنين وللمجتمع المدني وذلك من خلال اضطلاعهم بأدوار أساسية في تعزيز المواطنة الفاعلة مثل التَوعية والتأطير والاقتراح والمساهمة في مختلف مراحل أخذ القرار ولعب دور السلطة المضادَة ومساءلة السلطات المحلية. ولكن يبقى مسار إرساء الديمقراطية التشاركية محفوفا بعدة مخاطر وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة استعمال الآليات التشاركية من قبل مجموعات قد تعمل لأجل مصالحها الخاصة والفئوية عوض السعي إلى تحقيق الصالح العام المحلي. كما تُطرح في هذا السياق جملة من التحديات المتصلة بتحقيق انتظارات المواطنين، مصداقية العملية وكسب ثقة المواطنين، تمثيلية مختلف فئات المجتمع المحلي، شمول جميع القطاعات والتضامن بين أحياء المدينة.

 إن إرساء الديمقراطية التشاركية يتطلب التأسيس لثقافة مؤسساتية جديدة وتوفير موارد بشرية ومالية ولوجستية واعدادا مسبقا وجديا، كما أن ذلك يتطلب مجتمعا مدنيا ينشط ضمن ضوابط الديمقراطية ودولة القانون وحول مشروع مجتمعي يؤمن بالاشتراك في المواطنة المتساوية.

 

2 ضوابط الترشح بين الصرامة والبحث عن تعزيز تمثيلية المجالس البلدية

حدد الدستور والقانون الأساسي عدد 7 لسنة 2017 المؤرخ في 14 فيفري 2017 المعدل للقانون الانتخابي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 والمتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية الضوابط القانونية التي يتعين توفرها في تركيبة القائمة المترشحة من خلال التنصيص على شروط الترشح عموما مع اعتماد إجراءات ايجابية  لتعزيز مستوى التمثيل السياسي بالنسبة للنساء والشباب وذوي الاعاقة وذلك بهدف ادماج هذه الفئات الاجتماعية التي تعتبر أكثر هشاشة على مستوى المشاركة السياسية. ولم تكن هذه الشروط محل اجماع حيث انتقدها عدد من الاحزاب والناشطين في المجتمع المدني على اعتبار أنها تعجيزية واقصائية وُضعت على مقاس حزبي النهضة والنداء الحاكمين خصوصا وأن تنقيح القانون الانتخابي في 2017 ألغى التمويل العمومي المسبق للقائمات المترشحة وعوَضه بالتمويل اللاحق، أي بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات، مع اشتراط تحقيق القائمة لنسبة لا تقل عن 3 % من نسبة الأصوات الصحيحة المصرح بها وتضمنها لمترشح حامل لاعاقة. ويُذكر أن الفصل 49 حادي عشر من القانون الانتخابي الخاص بالانتخابات المحلية قد اشترط أن تتضمن كل قائمة مترشحة، من بين العشرة الأوائل مترشحة أو مترشحا ذا إعاقة جسدية وحاملا لبطاقة إعاقة. وفي حالة عدم احترام هذا الشرط أقر الفصل عقوبة مالية تتمثل في حرمان القائمة من المنحة العمومية وهو يعتبر بالتالي شرطا  تحفيزيا يمكن تجاوزه بسهولة .

أما بالنسبة لتدعيم تمثيلية الشباب، يُذكر أن الدستور لم يتضمن تدابير ايجابية ملموسة لدعم تمثيلية الشباب في مراكز صنع القرار. حيث جاء في الفصل 8 أن ”الشباب قوة فاعلة في بناء الوطن...تعمل الدولة على تحمله المسؤولية وعلى توسيع إسهامه في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية" وهي صياغة إنشائية تفتقد إلى الدقة المطلوبة عند صياغة المضامين القانونية.

وفي باب السلطة المحلية، يلحظ أن الفصل 133 تعرض إلى مسألة ضمان القانون الانتخابي لتمثيلية الشباب في مجالس الجماعات المحلية. وقد أقر القانون الانتخابي المنظم للانتخابات المحلية حق الترشح لعضوية المجالس البلدية أو الجهوية بالنسبة لكلّ ناخب بالغ من العمر 18 سنة كاملة على الأقل يوم تقديم مطلب الترشح خلافا للانتخابات التشريعية التي يشترط قانونها لاكتساب أهلية الترشح  سن 23 سنة. كما أدرج القانون الانتخابي الخاص بالانتخابات المحلية المباشرة نظام الحصة لضمان حد أدنى من تمثيل الشباب في المجالس المحلية حيث يتعيّن على كل قائمة مترشحة أن تضمّ من بين الثلاثة الأوائل وبين كل ستة مترشحين تباعا في بقية القائمة، مترشحة أو مترشحا لا يزيد سنّه عن خمس وثلاثين سنة يوم تقديم مطلب الترشح. وتسقط القائمة التي لا تحترم هذه الشروط. وبالتالي تعتبر هذه الشروط جوهرية لقبول القائمات المترشحة.

ويهدف هذا الاجراء إلى وضع حد  لضعف تمثيلية هذه الفئة العمرية في الحياة السياسية[4] من خلال إيجاد قاعدة قانونية ملزمة لترشيح الشباب في المراتب الأولى مع اقتران هذا الشرط بعقوبات على قدر من الأهمية والفاعلية لتحقيق النتائج المرجوة[5].

وتُثبت التجارب المقارنة أن العقوبات الجدية تعتبر مفصلية لتحقيق الإلتزام بنظام الحصة. ومن المنتظر أن يمكن هذا الاجراء من الترفيع في مستوى تمثيلية الشباب في المجالس البلدية والجهوية الجديدة وتجديد النخبة السياسية في تونس على المدى المتوسط والطويل.

بالتوازي، من المتوقع ان تشهد تركيبة المجالس البلدية الجديدة ارتفاعا في نسبة تمثيلية النساء. فقد حرص القانون الانتخابي المتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية على استخلاص الدروس من تجربتي 2011 و2014 وذلك بإقرار التناصف الأفقي علاوة على التناصف العمودي الذي كان اعتمد في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 2011 وانتخابات مجلس النواب في 2014.[6]

وإقرار مبدأ التناصف الأفقي بين النساء والرجال يعني التناصف في رئاسة القائمات الحزبية والائتلافية التي تترشح في أكثر من دائرة انتخابية. وقد اعتبر الفصل 49 تاسعا التناصف الأفقي أيضا شرطا لقبول الترشح. فلا تقبل قائمات الأحزاب أو الائتلافات التي لا تحترم هذه القاعدة في حدود عدد القائمات المخالفة ما لم يقع تصحيحها في الآجال القانونية التي تحددها الهيئة للتصحيح. وفي حالة عدم التصحيح تضبط الهيئة القائمات الملغاة باعتماد الأسبقية في تقديم الترشح. ويعتد في تحديد الأسبقية بتاريخ تقديم مطلب الترشح أو تحيينه خلال فترة تقديم مطالب الترشح.

ويجسد خيار التناصف الأفقي الى جانب التناصف العمودي بشكل أفضل مقتضيات الفصل 46 من الدستور الذي يحمَل الدّولة مسؤولية ضمان " تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة وفي تحمل مختلف  المسؤوليات وفي جميع المجالات وضرورة السعي إلى تحقيق التّناصف بين المرأة والرّجل في المجالس المنتخبة”. ويندرج التناصف ضمن التدابير الهادفة إلى ضمان المساواة الفعلية بين الجنسين والتي لا يمكن أن تتحقق دون التمثيلية المتوازنة للنساء والرجال في مراكز القرار ودون اعتماد مقاربة تقوم على معالجة الفوارق بين الجنسين عند وضع الميزانيات وخطط التنمية.

وقد دفع التناصف الأفقي بعض القائمات المترشحة إلى تغيير طبيعة قائماتها لتجاوز هذا الشرط. فحسب احصائيات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالنسبة للانتخابات البلدية المقررة في 6 ماي، كانت التغييرات التي طرأت على طبيعة القائمات كالآتي: من حزبية إلى مستقلة: 8، من ائتلافية إلى مستقلة: 2. أما نسبة القائمات المرفوضة بسبب عدم احترام التناصف الأفقي فقد كانت في حدود 6% وهي نسبة أقل من النسب المسجلة في انتخابات 2014 و2011. وهو ما يدل على ازدياد تمكن الفاعلين السياسيين من مقتضيات القانون الانتخابي بفضل مراكمة التجربة.

ولكن ينطوي السياق المحلي على العديد من التحديات بالنسبة للمشاركة الفعلية للنساء وتظل المناطق الجنوبية والغربية والوسط الريفي أقل قدرة من العاصمة والجهات الساحلية على بروز قيادات نسائية بحكم عدة عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، أبرزها تجذر النظام الأبوي وتواصل البنى التقليدية مثل القبلية والعروشية في تلك المناطق.

 

3- الانتخابات البلدية: التمثيل النسبي على المحك

بالتوازي مع تسارع وتيرة الاستعدادات للانتخابات البلدية، تعيش تونس مند أشهر جدلا  داخل الأوساط السياسية ولدى بعض خبراء القانون الدستوري حول تغيير النظام الانتخابي من التمثيل النسبي إلى الاقتراع بالأغلبية. كما طرح البعض فكرة تعويض الاقتراع على القائمات بالاقتراع على الأفراد. ويتنزل هذا الجدل ضمن النقاش الدائر حول أزمة منظومة الحكم التي أسسها دستور 2014. وقد تم تحميل النظام الانتخابي مسؤولية الصعوبات التي يواجهها الوضع السياسي في البلاد والمطالبة بالتخلي عنه قبل تنظيم الانتخابات التشريعية في 2019 لأجل تحقيق الاستقرار السياسي. وهو ما يعني أن الانتخابات البلدية التي ستجرى يوم 6 ماي ستكون اختبارا حقيقيا للتمثيل النسبي. كما قد تكون هذه الانتخابات التطبيق الأخير له في تونس إذا تقرر تعديل القانون الانتخابي.

بالرجوع إلى القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2017 مؤرخ في 14 فيفري 2017 المعدل للقانون الانتخابي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 والمتعلق بالانتخابات البلدية والجهوية، نتبين أن القانون قد حرص على الإبقاء بالنسبة للانتخابات المحلية على نظام التمثيل النسبي مع أكبر البقايا ولكن بإضافة عتبة تقدّر ب 3% وهو ما يهدف إلى ضمان تعددية معقلنة للمجالس المنتخبة ضمانا لتماسكها واستقرارها.

وقد سبق اعتماد نظام الاقتراع على القائمات بالتمثيل النسبي مع أكبر البقايا ولكن دون العتبة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 وانتخابات مجلس نواب الشعب يوم 26 اكتوبر 2014. ويجسد هذا الخيار إرادة القطع مع نظام الاقتراع بالأغلبية الذي اعتمدته تونس منذ الاستقلال والذي مكن الحزب الحاكم من الفوز بأغلب المقاعد في المجالس المنتخبة وساهم إلى حد كبير في تهميش أحزاب المعارضة على مستوى التمثيل السياسي وطنيا[7] ومحليا[8].

من جهة أخرى، يعدّ اعتماد الاقتراع على القائمات من الثوابت التي ميزت نظام الاقتراع في تونس منذ الاستقلال إلى غاية اليوم، حيث تم استبعاد نظام الاقتراع على الأفراد خوفا من العروشية والقبلية وهو ما يعبر أيضا عن إرادة النخبة السياسية في تركيز أطر مشاركة سياسية عصرية تكون من خلال الأحزاب وعلى أساس التنافس بين برامج لا بين أشخاص. ويكون الاقتراع على قائمات مغلقة دون شطب أو تغيير لترتيب المترشّحين كما يشترط أن يكون عدد المترشحين بكلّ قائمة مساويا لعدد المقاعد المخصّصة للدائرة المعنية.

وستجرى الانتخابات البلدية المقررة في 6 ماي 2018  في 350 بلدية وتمثل كل بلدية دائرة انتخابية وقد ترشحت 2173 قائمة من بينها 177 قائمة ائتلافية و897 قائمة مستقلة و1099 قائمة حزبية. ولئن ظلت الأحزاب في طليعة القوى المترشحة، فإن السياق المحلي يمثل تحديا حقيقيا بالنسبة إليها حيث تتميز المنظومة الحزبية في تونس بمحدودية انتشار أغلب الأحزاب وضعف هيكلتها وارتباط نشاطها بالمواعيد الانتخابية. وهذا يرجع الى حداثة هذه  المنظومة وهشاشتها. في المقابل، يعكس ارتفاع عدد القائمات المستقلة المترشحة عمق أزمة الثقة في الأحزاب السياسية والتوجه نحو إيجاد قنوات بديلة للنقاش العام والنشاط السياسي تكون منبثقة عن المواطنين ومكونات المجتمع المدني.

تمثل مسألة تمثيلية القائمات الانتخابية والمجالس المُنتخبة رهانا حقيقيا بالنسبة للانتخابات البلدية المقبلة حيث  تُلام الأحزاب السياسية عادة على تفضيلها بشكل مُمنهج للنخبة الاجتماعية المهيمنة، فضلا عن ضعف الديمقراطية في اتخاذ القرارات داخلها.

 

الخاتمة

من الواضح أن مسار الانتقال نحو السلطة المحلية لن يكون عملية سهلة حيث أنه يقتضي التدرج والمرحلية نظرا لحجم التغييرات الجذرية وكلفة هذه الإصلاحات وما يستوجبه من تركيز للقضاء المالي والإداري على المستوى الجهوي ونقل للسلطات وتدعيم الموارد البشرية والمالية للجماعات المحلية بما من شأنه أن يكفل استقلاليتها ويضمن التصرف الناجع والحوكمة الرشيدة ويعزز دولة القانون. 

وستشكل الانتخابات البلدية خطوة أولى في مسار إرساء الديمقراطية المحلية كما أنها ستكون مخبرا لتركيز السلطة المحلية بشكل يسمح تدريجيا بتحقيق التنمية وتحسين خدمات وتجهيزات القرب بشكل عادل ومتوازن وهو ما من شأنه أن يعالج  على المدى الطويل أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

 

نشر في العدد 11 من مجلة المفكرة القانونية - تونس

للاطلاع على العدد، انقر/ي هنا https://bit.ly/2J3dCsY

 

 

[1]  انظر الأمر الحكومي عدد 1033 لسنة 2017 المؤرخ في 19 سبتمبر 2017 والمتعلق بضبط عدد أعضاء المجالس البلدية.

[2] . الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ، الاحصائيات الخاصة بالانتخابات البلدية 2018 http://www.isie.tn/wp-

[3] . تقرير حول ملتقى تسجيل الناخبين، الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، يومي 4 و5 مارس 2015.

[4]. في انتخابات 2011 أدى ضعف التواجد الشبابي على رأس القائمات المرشحة إلى ضعف تمثيلية هذه الفئة العمرية داخل المجلس حيث تجاوز سن أكثر من نصف رؤساء القائمات 46 سنة ولم تمثل الشريحة العمرية بين 18 و 44 سنة بأكثر من 10 %  في حين أنها تمثل أكثر من 50 % من السكان. تقرير الهيئة العليا المستقلة للانتخابات حول سير انتخابات المجلس الوطني التأسيسي فيفري 2011 ص. 118.

[5] . اكتفى الفصل 33 من المرسوم عدد 35 لسنة 2011 بالتنصيص على سعي كلّ قائمة على أن يكون مترشحوها من معتمديات مختلفة ضمن الدائرة الانتخابية، ويكون سنّ احدهم على الأقل دون الثلاثين عاما. بالنسبة للانتخابات التشريعية، ينص الفصل 25 من القانون الانتخابي لسنة 2014 على أنه "يتعين على كل قائمة مترشحة في دائرة يساوي عدد المقاعد فيها أو يفوق أربعة أن تضم من بين الأربعة الأوائل فيها مترشحاً أو مترشحة لا يزيد سنّه عن خمس وثلاثين سنة. وفي حالة عدم احترام هذا الشرط تُحرم القائمة من نصف القيمة الجملية لمنحة التمويل العمومي".

[6]  يُذكر أنه تم إقرار التناصف العمودي في الفصل 16 من المرسوم عدد 35 المؤرخ في 10 ماي 2011 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي والفصل 24 من القانون الأساسي المنظم للانتخابات التشريعية والرئاسية والاستفتاء المؤرخ في 26 ماي 2014 . ولكن لم تفض هذه التدابير إلى النتائج المرجوة حيث بقيت رئاسة القائمات في أغلب الأحيان امتيازا ذكوريا كما تعاملت الأحزاب مع التناصف كإكراه انتخابي ظرفي وليس كمبدأ مُهيكل ومُجدد للحياة السياسية على أساس ترسيخ المساواة بين الجنسين. فبالنسبة لانتخابات المجلس التأسيسي في 2011، بلغت نسبة القائمات التي ترأستها نساء 7%  وقد أفضت النتائج إلى انتخاب 59 امرأة وهنّ يشكّلن ما نسبته 27% من جملة  217 عضوا. كما تدعّمت التمثيلية النسائية على إثر استقالة بعض النواب الذين وقعت دعوتهم للقيام بمهام صلب السلطة التنفيذية، ليصبح عدد النائبات 62.

في الانتخابات التشريعية لسنة 2014، ارتفعت نسبة النساء المنتخبات. فحسب تصنيف الاتحاد البرلماني الدولي بالنسبة لعدد النائبات في البرلمان لسنة 2017،  يبلغ عدد النائبات في مجلس نواب الشعب المنتخب في اكتوبر 2014، 68 من مجموع 217 أي بنسبة (31.34%). وبذلك تتجاوز تونس المعدل العام للمنطقة العربية والمقدر ب ​​- 18.2%- والمعدل العام العالمي البالغ - 23.5%- فيما يتعلق بعضوية النساء للبرلمانات[6].. كما تعززت تمثيلية النساء في البرلمان التونسي بعد استقالة بعض النواب بسبب تعيينهم كوزراء ليبلغ عدد النائبات 75. وبذلك أصبحت النسبة 34,56  % [6] هو ما يجعل تونس تتصدر البلدان العربية في هذا المجال. ولكن وجب التنسيب حيث أن تطور نسبة النائبات يرجع بالأساس إلى فوز الحزبين السياسيين الرئيسيين في البلاد (النداء والنهضة) بأكثر من مقعد واحد في العديد من الدوائر الانتخابية، خصوصا وأن نسبة النساء اللاتي ترأسن قائمات في 2014 لم تتجاوز 12%.

[7] . لم تتمكن أحزاب المعارضة من الدخول إلى مجلس النواب إلا في 1994 بعد أن تم تنقيح المجلة الانتخابية بإدراج جرعة من النسبية على نظام الاقتراع بالاغلبية.

[8]. بالنسبة للانتخابات البلدية، تم تنقيح المجلة الانتخابية الصادرة بتاريخ 8-4-1969 عديد المرات اخرها في 2009 قصد التخفيف من طريقة الاقتراع بالاغلبية وذلك باعتماد طريقة التمثيل النسبي مع الافضلية للقائمة التي تحصلت على اكثر الاصوات مع اعتماد 75 بالمائة كسقف لا يمكن تجاوزه للقائمة المحرزة على اكثر الاصوات.