أربع سنوات مرّت على المصادقة على الدستور التونسي[1]. أربع سنوات ونحن نعيش على وقع دستور يقال أنه دستور التوافقات وأنه دستور الاستثناء التونسي.

لكن ما هي حال هذا الدستور اليوم وما هي حال المؤسسات التي أنشأها وحال نموذج المجتمع الذي أرساه؟ بعبارة أخرى، هل أن دستور 27 جانفي 2014 هو فعلا دستور توافقي أم أنه دستور تأجيل الخلافات والهروب إلى الأمام؟ هل كانت التوافقات اتفاقات بين الفرقاء السياسيين مكّنت من بناء حقل سياسي مشترك يسمح باستدامة الدستور وخاصة بإنزاله أرض الواقع، أم كانت تنازلات مؤقتة لضرورة المصادقة على الدستور في انتظار ظهور توازنات سياسية جديدة محلية (تونس) وإقليمية (المنطقة العربية)؟ بمعنى آخر، هل كانت المصادقة على الدستور ثمرة اتفاق حول مبادئ أساسية وتأسيسية لهوية الدولة ولعلاقتها بالمجتمع وبالأفراد أم ضرب من البراغماتية السياسية[2] التي اضطرّت الفاعلين السياسيين بالمجلس الوطني التأسيسي إلى التخلّي عن جزء من المبادئ التي دخلت بها هذا المجلس للتمكّن من الفوز بالبعض الآخر؟

نطرح هذه التساؤلات اليوم في ظلّ تعثّر عملية إنفاذ الدستور سواء تعلّق الأمر بالمحكمة الدستورية أو بالهيئات الدستورية المستقلّة، ولأنّ الخلافات التي أثّثت النقاشات بالمجلس الوطني التأسيسي عادت لتطفو على السطح خاصة في ما يتعلّق بمنظومة الحقوق والحريات، وكأن بالبراغماتية السياسية كانت بالنسبة للبعض وسيلة للمراوغة من أجل البقاء بينما كانت بالنسبة للبعض الآخر هروبا إلى الأمام.

 

البراغماتية السياسية أو المراوغة من أجل البقاء

إذا أخذنا "البراغماتية السياسية" على معناها المبتذل لا الفلسفي باعتبارها ملكة التأقلم مع الوضع السياسي الرّاهن وتغيير الخطاب السياسي وسُلّم الأوليات على أساسه، فمن الهام أن نذكّر باستراتيجية العمل التي تمّ اتباعها من قبل النهضة مباشرة بعد الإعلان عن النتائج النهائية لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي[3]، في ظل انقسام المجلس التأسيسي الأيديولوجي والسياسي[4].

فعملت النهضة في إثر ذاك الانتصار[5] على التمكّن من السلطة وعلى تركيز قواعده فيها:

ويلحظ أن أول التدابير المتخذة منها تمثل في إقرار التنظيم المؤقت للسلط العمومية (16 ديسمبر 2011) الذي غابت فيه أي إشارة إلى مدّة زمنية محدّدة لكتابة الدستور الأمر الذي شكّل تنكّرا منها لتعهّد جميع الأطراف السياسية[6] بإعداد نص الدستور في مدّة لا تتجاوز السنة وهي نفس المدّة التي حدّدها الأمر الرئاسي لدعوة الناخبين لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي[7]. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، إذ أن نفس التنظيم المؤقت للسلط منح المجلس الوطني التأسيسي السلطة التشريعية إلى جانب سلطة إعداد الدستور. ويؤشر هذان التوجهان إلى رغبة لدى حركة النهضة في التمتّع بحيّز زمني ضروري لتمرير قوانين تريد بها الاستباق والإسراع بفرض تصوّراتها السياسية والتشريعية، بما يتوافق مع الشريعة. إلا أن الحركة تراجعت عن مساعيها تلك، بعدما لمست قدرة الشارع التونسي على التحرّك وعلى التجنّد للتصدّي لتوجّهاتها والذي بلغ أوجه مع اعتصام الرحيل[8]. بل أنها لم تتردّد عن الانسحاب المؤقت من السلطة لترك المكان لحكومة تكنقراط وذلك حتى لا تفقد كل حظوظ العودة إليها، خاصة في ظل أحداث الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر.

هذا في ما يتعلّق بالتعامل مع التوازنات السياسية داخل المجلس التأسيسي وخارجه، ماذا الآن عن التعامل مع الرهانات السياسية التي طرحها الدستور؟

 

البراغماتية السياسية أو الهروب إلى الأمام

لم تجد قضية المرجعيات التي ينبني عليها الدستور داخل المجلس الوطني التأسيسي الحيز الكافي من النقاشات الذي من شأنه أن يحسمها ولم يقع حلّها في حقيقة الأمر. فقد ترتّب على المواجهة بين حاملي مشروعين سياسيين متعارضين تعطيل لعملية صياغة الدستور، وبخاصة بعد ظهور أزمة ثقة بين مختلف الفُرقاء السياسيين من جهة وبين المجتمع والمجلس التأسيسي من جهة ثانية على إثر الاغتيالات السياسية واستفحال الإرهاب والعنف السياسي.

فكان أن وقع إحداث الحوار الوطني برعاية أهمّ المنظمات الوطنية وهي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين[9]، الذي وضع خارطة طريق للوصول إلى دستور جديد يسمح بإرساء مؤسسات سياسية جديدة دائمة وذلك بتأطيره لمداولات المجلس التأسيسي ضمن ما سمي بلجنة التوافقات. إلا أن هذه اللجنة أفضت إلى تنازلات سمحت ربّما بالتوصّل إلى المصادقة على الدستور لكنها أجّلت في الواقع حسم نقاط الخلاف التي وُلد بها. وبالفعل وإن كانت مفارقة هشاشة حركة النهضة دفعت بها إلى القبول بتنازلات، إلا أن ثمن التوافقات كان بقاء رواسب مشروعها لأسلمة الدستور بعد أن سعت إلى أسلمة الثورة[10].

وبالفعل، رغم تراجعها عن اعتماد الشريعة كمصدر من مصادر التشريع وعن تضمين توطئة الدستور أنه سيتأسّس على تعاليم الإسلام[11] وتراجعها عن اعتبار الإسلام دين الدولة، فإن الدستور التونسي ولد حاملا لفصل أول يقرّ بأن "تونس دولة حرّة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها ..." وفصل ثاني يقرّ بأن "تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون ..." كما أنه وُلد بفصل سادس تكفل بمقتضاه الدولة حرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية وتمنع دعوات التكفير والعنف والكراهية لكنها في نفس الوقت الدولة راعية للدين وحامية للمقدّسات ومانعة للنيل منها ! وإن هذا الفصل لهو خير دليل على أن ما تمّ هو أقرب إلى تراكم رؤى سياسية متباينة من توافق حول أرضية مشتركة ونحن ندفع اليوم ثمن هذا التمشي.

وبالفعل إن تمّ في الظاهر الاتفاق كما ذكرنا آنفا على أنّ الفصل الأول من الدستور لا يعني قطعا أن الإسلام دين الدولة، فإننا نجد اليوم إقرارا بعكس ذلك تماما في كتاب في شرح الدستور من تأليف النائب الحبيب خضر المقرّر العام له بالمجلس الوطني التأسيسي[12]. وإن كان الدستور أقرّ بأن الدولة ضامنة للحقوق والحريات الفردية والعامة وأنها حامية للحياة الخاصة ولكرامة الذات البشرية ولحرمة الجسد[13]، فإننا نجد اليوم أحكاما قضائية بالسجن وبالإبعاد في حق أشخاص من أجل ميولهم الجنسية[14] واعتمادا على مفهوم اللواط. ونجد قضاة يحكمون بعدم جواز التوارث بين غير المسلم والمسلم بناء على الفصل الأول من الدستور باعتباره يقرّ أن الإسلام دين الدولة وأن هذا الإقرار يسمح باعتماد الشريعة كمصدر من بين مصادر القانون وعليه فإن القاعدة الفقهية القائلة بأن لا توارث بين ملّتين هي قاعدة مكمّلة للفصل 88 من مجلة الأحوال الشخصية والمتعلّق بموانع الإرث.

فإذا كانت السلطة القضائية التي جعل منها دستور 2014 الحامية للحقوق والحريات[15] لم تدرك بعد النقلة النوعية التي جاء بها دستور 2014 مقارنة بمنظومة دستور 1959 وإذا كانت السلطة القضائية لا ترى الاتجاه الذي تمّت فيه التوافقات، فهذا يعني أن هذه الأخيرة كانت مجرّد هروب إلى الأمام من قبل أطراف سياسية بقي كل منها في موقعه.

لذا آن الأوان أن تُبعث المحكمة الدستورية حتى تكفل للنص الدستوري تناسقه كما يقرّ ذلك الدستور ذاته في فصله 146[16] وحتى تذكّر بما جاء بمداولات المجلس الوطني التأسيسي بخصوص دلالة الفصل الأول من الدستور والذي تمّ الاتفاق، وليس مجرّد التوافق، على أنه لا يعني أن الإسلام دين الدولة وتُذكّر بأن القاضي يبقى الملاذ الأخير لأيّ شخص لحماية الحقوق التي ضمنها له الدستور من أي انتهاك وبالتالي يُنتظر منه تأويل النصوص القانونية في اتجاه حماية هذه الحقوق لا التضييق منها أو طمسها.

 

[1]  تمّت المصادقة على الدستور التونسي يوم 26 جانفي 2014  وتمّ ختمه في جلسة خاصة يوم 27 جانفي 2014 .

[2]  وإن كانت البراغماتية مدرسة فلسفية ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية في القرن التاسع عشر والتي نجد من بين أهم ممثليها Charles Sanders Pierce و Willam James و John Dewey إلا أن مفهوم البراغماتية السياسية اليوم بعيدا عن هذا التيار الفلسفي المرتبط بمناهج المعرفة ويحيل إلى تصوّر للسياسة يقدّم مقتضيات الواقع الراهن وإكراهاته لتحديد السياسات على المبادئ المسبقة الوضع.

[3]  تمّ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 ووقع الإعلان عن نتائجها النهائية بعد أن بتّت المحكمة الإدارية في جميع الطعون التي قدّمت بشأنها في 14 نوفمبر 2011 .

[4]  Y. Ben Achour, Tunisie, une révolution en terre d’Islam, Tunis, CERES, 2016, pp. 136-144

[5]  رغم أن عدد المقاعد الذي فاز به حزب حركة النهضة لم يخوّل له الحكم بمفرده حيث اضطرّ إلى التحالف مع حزبين آخرين هما المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات إلا أنه كان من دون شكّ الطرف الأقوى ضمن هذا الإئتلاف وكان هو الذي يقوده ويحكم داخله.

[6]  اتفقت جميع الأحزاب السياسية التي كانت ممثلة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة وللانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي على أن مدّة عمل المجلس الوطني التأسيسي لن تتجاوز السنة ما عدى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي رفض الإمضاء على هذا الاتفاق,

[7]  الأمر الرئاسي عدد 1086 المؤرخ في 3 أوت 2011 المتعلق بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي وجاء في فصله 6 أن "يجتمع المجلس الوطني التأسيسي بعد تصريح الهيئة المركزية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالنتائج النهائية للاقتراع ويتولّى إعداد دستور للبلاد في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابه"

[8] اغتيل الشهيد محمّد البراهمي يوم عيد الجمهورية أي يوم 25 جويلية 2013 لكن احتقان الشارع التونسي بدأ بالتصاعد منذ أشهر بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فيفري 2013 وبعد صدور مسودّة دستور غرّة جوان 2013 التي أقرّ جزء من أعضاء المجلس التأسيسي أنها انقلاب على الاتفاقات السياسية التي تمّت بين اللجان التأسيسية ولجنة الصياغة والتنسيق ويمكن الرجوع في هذا الشأن إلى شهادة النائبة بالمجلس التأسيسي سلمى المبروك في كتابها 2011-2014 : Le bras de fer, Arabesque, 2018, pp. 394-405.

[9]  أحدث الحوار الوطني بمساعي الرباعي الراعي له والمتكون من نقابة العمال ونقابة الأعراف والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين وذلك في 17 سبتمير 2013 في مؤتمر صحفي أعلن فيه عن خارطة طريق اقترح فيها تعيين حكومة تكنقراط  تلتزم بعدم الترشح للانتخابات التي سيتمّ إنجازها على أساس الدستور الجديد ووضع روزنامة لإنهاء كتابة الدستور والمصادقة عليه وتنظيم أول انتخابات تشريعية ورئاسية على أساسه.

[10]  يمكن العودة في هذا الشأن إلى د. محمد أبو رمّان "الإسلام السياسي ومأزقه في حقبة الربيع العربي" و د. عبد الإلاه بلقزيز "لماذا تغلّب الطابع الديني على الربيع العربي؟"، نشرا ب العرب بين مآسي الحاضر وأحلام التغيير، أربع سنوات من الربيع العربي، مؤسسة الفكر العربي، بيروت 2014 .

[11]  جاء في توطئة مسودّة غرّة جوان 2013 ، نحن نواب الشعب التونسي أعضاء المجلس الوطني التأسيسي ... تأسيسا على تعاليم الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والإعتدال ..."

[12]  الحبيب خضر : الوجيز في شرح الدستور، مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس 2017. ويعتبر المؤلّف أن الفصل الأول يصرّح بأن الإسلام دين الدولة التونسية.

[13]  الفصل 21 من الدستور " المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة وتهيء لهم أسباب العيش الكريم"، الفصل 23: "تحمي الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم"، الفصل 24:"تحمي الدولة الحياة الخاصة وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية ..."

[14]  حكم ابتدائي بتاريخ صادر في 22 سبتمبر 2015 بالسجن لمدّة سنة مع النفاذ في حق شاب بتهمة اللواط بناء على الفصل 230 من المجلة الجزائية والحكم الصادر في 10 ديسمبر 2015  عن المحكمة الابتدائية بالقيروان بالابعاد لمدّة 3 سنوات في حق ثلاث شبان بنفس التهمة وبناء على نفس النص القانوني.ذ الذي تمّت المطالبة بإلغائه لكونه أصبح مخالفا للضمانات التي جاء بها الدستور الجديد بخصوص الحريات الفردية إلا ا، السلطة رفضت ذلك.

[15]  الفصل 49 من الدستور :" ... تتكفّل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك ..."، الفصل 102 :"القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق الحريات ..."

[16]  الفصل 146 من الدستور:" تُفسّر أحكام الدستور ويُؤوِّل بعضها البعض كوحدة منسجمة"