هل لمثليي الجنس الحق في اللجوء إلى القضاء في الأردن؟ لعل السؤال أعلاه بديهي في دول عديدة حيث السلطة القضائية المستقلة لا تفرق بين الأفراد، الذين بإمكانهم الوصول إليها؛ وإن اختلفوا في العرق واللغة والدين والجنس. ولكن، وعلى الرغم من أن الأردن يكفل للجميع حق الترافع أمام المحاكم والوصول إليها، إلا أن بعض فئات المجتمع تبقى غير قادرة على الترافع لأسباب اجتماعية. 

ويجدر التذكير إلى أن الأردن كان ألغى في عام 1951 قوانين صارمة مستمدة من الحقبة البريطانية ضد المثلية الجنسية عقب نيله الإستقلال وأنه لا يوجد في الأردن نص قانوني يجرم المثلية الجنسية بشكل صريح. إلا أن ثمة نصوصا قانونية أخرى قد توظّف في حال محاكمة أفراد لممارسة علاقات مثلية، كما النصوص التي تتعلق بالآداب العامة. فضلا عن أن العلاقات المثلية بين الأفراد تبقى "غير مقبولة" إجتماعيا ودينياً رغم أصوات حقوقية خجولة تنادي بحقوقهم.     

 

البحث عن قضايا مثليين

حاولنا في هذا المقال رصد كيفية تعاطي المحاكم النظامية في الأردن مع حالات يكون فيها مثلي الجنس  شاهداً أو طرفا في قضية، مستخدمين نافذة إلكترونية غير متاحة للعامة، تخولنا الولوج إلى تفاصيل قضايا محاكم الإستئناف. ومن خلال ذلك، رصدنا من بين 6 قضايا مرتبطة بصورة أو بأخرى بمثليي الجنس أو ما كانت ملفات المحاكم تصنفهم بال "شاذين جنسيا"، قضية واحدة كانت لدى محكمة الاستئناف، كان أحد أطرافها شابا عّبر عن هويته الجنسية. وكان من الملفت في القضية المذكورة أن المحكمة عبرت عن عدم اطمئنانها لشهادة هذا الشاب لسبب ذكره شاهد الدفاع بأنه "شاذ جنسياً" حسب وصف المحكمة.

"فكيف للمحكمة أن تطمئن لشهادة من كانت هذه صفته؟" وفق مستند القضية. لهذا قررت المحكمة بأنه وعملا بأحكام المادة 236 أصول محاكمات جزائية، إعلان براءة المتهم من التهمة المسندة اليه لعدم كفاية الدليل.

 

هل سبق وأن فكرت باللجوء إلى القضاء؟

الجواب "لا" هذا ما أجابنا به المثلي محمود لسبب متعلق بغياب الثقة بمحاكم سوف لن تعتد به بناءً على هويته الجندرية. المحامية والمدافعة الحقوقية، هالة عاهد، ترجع أمر قناعة المحكمة إلى قواعد عامة مستمدة من قانون أصول المحاكمات الجزائية، الذي يعطي القاضي الحق في قبول بالاعتداد بشهادة الشاهد أو عدمه، وفقا لقناعته الوجدانية؛ فله أن يطمئن لها عند مقارنتها بشهادات أخرى أو أن لا يطمئن دون أن يحتاج لتبرير قناعته هذه.

لكن اعلان المحكمة عدم اطمئنانها لشهادة شخص لأنه مثلي، فهو مستغرب بالنسبة للحقوقية هالة عاهد. فالمحكمة لم تستند لأسباب موضوعية من شأنها تبرير موقوفها هذا إنما فقط لميول الشاهد الجنسية التي استقاها من شهادة شاهد آخر. "هذا خرق خطير وتمييز واضح ضد الشخص بسبب ميوله الجنسية من جهة وإنكار لحقه بالوصول للعدالة بوصفه مشتكي بالوقت نفسه"، تقول عاهد. "فليس في أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية أي مانع من سماع شهادة شاهد لأسباب تتعلق بجنس الشاهد أو دينه أو طائفته أو عرقه أو ميوله الجنسية".

في الاتجاه نفسه تذهب المديرة التنفيذية لمركز العدالة للمساعدة القانونية، هديل عبد العزيز، التي تؤكد أن "حق التقاضي مكفول للجميع، وأن الدستور الأردني ينص على أن المحاكم مفتوحة للجميع. وفيما أنه لا ينص على حق الدفاع والتمثيل ولا يتحدث عن عدم التمييز في تفاصيل المحاكمات، لكن من حيث المبدأ المساواة واللجوء إلى العدالة مكفولة". 

​أما أن تستبعد شهادة شخص وبالتالي شكواه لأنه مثلي، قذلك يشكل هدرا لحقه بالوصول للعدالة والانصاف.

 

إنكار للحق الدستوري

بتجربته الشخصية، يقول القاضي لؤي عبيدات، أن محكمة الجنايات مثلاً "لا تبني أحكاماً بناء على سلوك الشخص أو على طبيعته الخاصة". لكن ثمة اعتبار لمحاكم حول خلفية الشخص من حيث مدى اعتياده على مخالفة القانون وهذا مفهوم في سياقه.

"هل هناك أدلة بين الواقعة الجرمية وما بين سلوكه؟" يسأل القاضي عبيدات، ويتابع بأنه "لو عكسنا الأمر على نقطة هل يمكن للمحكمة بناء دليل على أن الشخص مثلي الجنس وبالتالي سوف لا تقبل بشهادته، عندها سوف يتبين بأنه لا يوجد مثل هذه الحوادث، على الأقل من واقع تجربتي الشخصية في محكمة الجنايات، فلطالما أن الشخص أقسم عندها سوف يتم اعتماد الشهادة".

ثمة حادثة وقعت وتعاملت معها محكمة التمييز، كدليل على أن الأصل ليس خلفية للأشخاص وإنما سجلهم العدلي، على ما يذكره القاضي عبيدات، "جرمت المحكمة شخصا بعد ادعاء سيدة بالتعرض لها، ورغم أنه تبين لدى المحكمة بأنها سيدة"سيئة السمعة" بناء على سجلها، لكن ذلك لم يمنع المحكمة من تجريم الشخص المشتكى عليه من قبلها.

يشير القاضي عبيدات انطلاقا من هذه الحادثة إلى أن "المحاكم لا تبني موقفها بناءً على تكوين الشخص السيوكولوجي باعتبار أن المحاكم تعمل ضمن دائرة الإجتهاد".

 

الأهلية لا الهوية الجندرية

من جهته، الناشط في مجتمع ميم "إيدي" وهو مثلي الجنس فهو يرى "أن هناك نظرة بحق مجتمع ميم بأنهم غير مؤهلين نفسياً، بالتالي قد تكون شهادتهم ناقصة في الصورة النمطية".  

"لطالما كان الشخص بالغاً، عاقلاً، راشداً وتجاوز عمر 18عاماً وغير محكوم بقضية مخلة، أو أنه ليس طرفاً بالقضية، بقدر أنه شاهد مثلا، فلا شيء يمنع من أن يكون ممثلا بالمحكمة والجميع عليه أن يحترم كرامتهم "هذا تمييز بحقنا".

"القضاة غير مطلعين نظريا وعلميا على مجتمع ميم، نظرتهم عامة لنا محملة بصورة مشوهة، ثمة خلل في مبدأ تمكين الأفراد من الوصول إلى العدالة بمجرد أنهم مثليون"، يقول إيدي.

يذكر إيدي حادثة تعرض لها في صيف العام 2016، واضطر فيها للجوء إلى محامية لمتابعة قضيته. وبعد وصول قضيته إلى المحكمة المختصة، نصح أحد القضاة المحامية، بعدم الاستمرار في رفع الشكوى، حيث أن هويته الجنسية سوف تشكل عائقا وسوف تنقلب ضده. "هدر حقي، بمجرد أني مثلي".

 

تمكين قانوني حق للجميع

رغم أن مركز العدل للمساعدة القانونية، غير متخصص بفئة بعينها، لكنه يعمل على ضمان الجميع في الحق بالتقاضي. وقد استقبل المركز عدة حالات من مجتمع الميمLGBTI، وحاول الفريق القانوني مساعدتهم قانونيا وتمكينهم من الوصول إلى حقهم في التقاضي.   

"هناك حالات قد تعرضت لاعتداءات جنسية، وابتزاز جنسي ومالي، وتمييز في العمل. ودورنا هو تقديم الخدمة والمشورة لهم، بحيث أن للجميع الحق في التقاضي، بغض النظر عن خلفيته، ومهما كان اختلافه. فعلينا مسؤولية قصوى في مساعدة الجميع في الوصول إلى العدالة"، تقول المديرة التنفيذية للعدل، هديل عبد العزيز.

تتخوف عبد العزيز من أي حادثة حرمان شخص في القضاء النظامي، "نحن نتحدث عن حرمان الأفراد من حقوقهم وعدم اللجوء للتقاضي، لا يمكننا إلا أن نتصدى لمثل هذه الممارسات من باب ضمان الجميع في الوصول إلى العدالة". ”فإذا كان هناك من ممارسات تؤدي إلى التأثير على حق فئة بالوصول إلى العدالة، عندها سوف تصبح هذه الفئة معرضة للإنتهاك، بالتالي لا يعني ذلك فقدان حقهم في التقاضي وحسب وإنما سائر حقوقهم".

لماذا لا يتم تدريب القضاة على حقوق الفئات الأكثر تأثرا في المجتمع وعلى النوع الاجتماعي، يقترح الناشط إيدي، عندها سوف يضمن لمجتمع ميم الوصول إلى القضاء. "هناك إخلال بمنظومة العدالة، وأنا شعرت بذلك، فلم أنصف، والذين تعرضوا لي ذهبوا من دون محاسبة بينما أنا الذي تعرضت لإساءة هدر حقي وشعرت بالإساءة دون جبر الضرر، للأسف"، يقول إيدي.