بعدما هدأت نسبيًا الهجمة الأمنية المكثفة ضد المثليين، والتي بدأت عقب واقعة رفع علم "قوس قزح" في سبتمبر 2017[1]، بات بامكاننا قراءة أوراق القضايا ورصد الأسلوب الأمني المُتبع في هذه الحملة للإيقاع بغالبية المقبوض عليهم. يُشار إلى أن هذه الملاحقات أدّت إلى إحالة عشرات الأشخاص إلى المحاكمات الجنائية بادعاء مخالفة القانون رقم (10) لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة.

ومن أبرز الأساليب التي تكشفها هذه الأوراق، قيام أشخاص تابعين للشرطة باستدراج المثليين من خلال تطبيقات المواعدة والتعارف على الهواتف الذكية المحمولة. ولهذه الغاية، أنشأ هؤلاء حسابات وهمية بغرض إجراء محادثات مع المستخدمين لها، بزعم التعرف عليهم ومواعدتهم لممارسة الجنس. ويُلاحظ من قراءة العديد من هذه المحادثات-المرفقة بأوراق القضايا- أن الشخص التابع للشرطة كان يُبدي استعداده لدفع مبالغ مالية بالعملات الأجنبية لإستدرج المستخدمين لتلك التطبيقات. وغالبا ما كان يتفق على مواعيد بالطريق العام، ليصار إلى إلقاء القبض على المستخدمين فور وصولهم إلى نقطة الالتقاء المُتفق عليها. بعدئذ، يجري تفتيش هواتف هؤلاء، ثم طباعة المحادثات التي أجروها على تطبيقات المواعدة والتعارف لتقديمها كدليل "وحيد" لتقديمه للمحاكمات الجنائية[2]. والجدير بالذكر أن محاكم الجنح أصدرت مع بداية الهجمة أحكامًا مشددة وقاسية بالحبس لمدد تتراوح من 3 إلى 6 سنوات. وبعد جهد حقوقي وقانوني تراجعت حدة العقوبات أمام محاكم الاستئناف لتتراوح بين شهر واحد و6 أشهر حبس. وفي بعض الأحيان، صدرت أحكام بالبراءة.

وتمتلئ خطة الشرطة المُشار اليها بالتجاوزات والمخالفات القانونية. وهذا ما رأينا من الضروري تسليط الضوء عليه في هذا المقال.

 

اصطناع الجريمة بدعوى كشفها

أول التجاوزات في هذه الخطة، يتمثل في قيام الشرطة أو هؤلاء الأشخاص التابعين لها بإنشاء تلك الحسابات الوهمية على تطبيقات المواعدة والتعارف وإجراء محادثات مع المستخدمين، لطلب ممارسة الجنس وإيهامهم بتوفير مكان خاص لذلك، وعرض الأموال عليهم، لاستدراجهم وإغرائهم تمهيدًا للقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة الجنائية. هذا السلوك الاحتيالي الذي تنتهجه الشرطة للإيقاع بالمثليين في مثل هذه النوعية من القضايا، يُعتبر من الناحية العملية تدخلًا في خلق جريمة بل والتحريض على ارتكابها. وهو ما يجعله تدخلًا مجاوزًا حدود القانون[3]. إذ أن تدخل الشرطة في الكشف عن الجرائم يجب أن يكون رهينا بوقوعها فعلًا، أو بعد الشروع في ارتكابها ببعض الأحيان[4].

بالإضافة إلى أن هذه الطريقة المُتبعة تشكل في واقع الأمر-من وجهة نظرنا-جريمة جنائية، تسمى استدراج وإغراء شخص بالخداع بقصد ممارسة الفجور، وهي الجريمة المعاقب عليها بالقانون 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة[5]. ومن غير الجائز للشرطة تحت ادعاء الكشف عن جريمة ما، أن تلجأ إلى ارتكاب جريمة تنتج الجريمة الأخرى التي تهدف إلى اكتشافها؛ وأن تكون تاليا هي السبب الوحيد لنشأة الجريمة الأخرى. فلولا سلوك الشرطة الذي يشكل بداية جريمة ما كان للجريمة الأخرى المُدعى اكتشافها وجود.

 

تهديد الحرية الشخصية إلى ما لا نهاية

ثاني تجاوز يتعلق بما رصدناه في أغلب المحادثات المرفقة بأوراق القضايا، من وجود فاصل زمني يصل لأيام وأحيانًا أسابيع، بين وقت بدء المحادثة بين المستخدم والشخص التابع للشرطة على تطبيقات المواعد والتعارف، وميعاد القبض على المستخدم، وهو ما يلقي بظلال البطلان على قيام الشرطة بإلقاء القبض مباشرة على المستخدمين لتلك التطبيقات.

لأن حالة التلبس بارتكاب جريمة، التي-إن توافرت صورها[6]-تبيح القبض على مرتكبها من قبل الشرطة مباشرة دون الحاجة لاستصدار إذن أمر قضائي بذلك. ولكن هنالك تعسفا مُطَردا في ذهن الشرطة، بأن حالة التلبس تظل عالقة بشخص مرتكب الجريمة حتى ولو بعد أيام من وقوعها، إلا أنها في حقيقة الأمر-من الناحية القانونية-تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها[7].

والجريمة التي تعتقد الشرطة أنها وقعت عبر هاتف مستخدم تطبيقات المواعدة والتعارف[8]، وترى ضرورة القبض عليه، نشأت حالة التلبس وانتهت بالاتفاق على المواعدة عبر محادثة خاصة على تلك التطبيقات الموجودة على الهواتف الذكية، ودون وجود فعلي /أو مادي للمستخدم لتلك التطبيقات أمام الشرطة ليُمْكِنها من القبض عليه بادعاء تلبسه بارتكاب هذه الجريمة التي تمت على الهاتف. وبالتالي فإن الفترة الزمنية التي تفصل بين وقت بدء المحادثة ووقت القبض على المستخدم، تسقط حالة التلبس، ويكون إلقاء الشرطة القبض على المستخدم قبضًا غير قانوني، لأن ذلك كان يستلزم استصدار إذن قضائي من النيابة العامة حتى يكون قبضًا صحيحًا[9]، وهو ما لم يحدث نهائيًا.

 

استباحة الحياة الخاصة

ثالث تجاوز هو استباحة الشرطة من تلقاء نفسها لتفتيش هواتف المستخدمين، بحثًا عن تطبيقات المواعدة والتعارف واستخراج المحادثات التي أجراها المستخدم، لتقديمها كدليل ضده أمام المحكمة الجنائية. وهذا الإجراء ينتهك حرمة وسائل الاتصال، ويتعدى على سريتها المكفولة دستوريًا[10]. فلا يجوز الاطلاع على المحادثات أو مراقبتها، أو ضبطها، إلا بناء على أمر قضائي مسبب، ولمدة محددة[11]. وبالتالي فهذه المحادثات التي أرفقت بأوراق القضايا لا تصلح من الناحية القانونية للإدعاء في المحاكمات الجنائية، لأنه لا يكفي لسلامة الدليل أن يكون صادقًا متى كان وليد إجراء غير مشروع[12].

 

دليل لا يقيم عناصر الاتهام

كان الاتهام الرئيسي الذي يوجه للمقبوض عليهم في قضايا تطبيقات المواعدة والتعارف، هو القيام بالإعلان عن الدعوة إلى الإغراء بممارسة الفجور[13]. وكان يرفق بأوراق القضايا صور مطبوعة للمحادثات الخاصة التي جرت بين المستخدم (المقبوض عليه)، والشخص المزيف التابع للشرطة، كدليل وحيد على ارتكاب هذا الاتهام.

ولكن الفعل المكون لجريمة كهذه يتمثل قانونا في الإعلان بأية طريقة من طرق الإعلان عن دعوة معينة متضمنة إغراء بالفجور، وهو فعل يفترض تاليا بالضرورة توفر عنصر العلانية[14]. كما يشترط لقيام الاتهام أن تتجه إرادة الفاعل إلى نشر أو إذاعة أمور من شأنها دعوة الناس علنًا إلى الإغراء بالفجور، فيجب أن يتوفر لدى الموجه له هذه التهمة قصد النشر أو الإذاعة[15].

وبالتالي، فإن إجراء محادثات خاصة لا يوفر عنصر العلانية، ولا يصلح منطقًا لتوافر قصد النشر والإذاعة، ولا يسوغ تاليا الاستناد إليها كدليل للملاحقة في هذا الجرم.  

 

خاتمة: نحو محاكمات قانونية لا أخلاقية

فيما أن تجاوزا قانونيا واحدا من التجاوزات المشار إليها أعلاه يكفل إبطال اجراءات الشرطة وإسقاط الاتهامات الموجهة للمستخدمين لتطبيقات المواعدة والتعارف، إلا أن المحاكم كثيرا ما التفت عن ترتيب أي نتيجة عملية على هذه التجاوزات. فالتزام الجوانب القانونية لا يتم مراعاته بوجه عام في القضايا التي تطغو فيها خلفية ذهنية أو عقائدية أو ثقافية سائدة في المجتمع على كفة القانون، فدائمًا ما يكون ذلك سببًا لحجب النظر عن تدقيق مستقيم للوقائع، والخروج عن الضوابط القانونية في المحاكمات الجنائية. وهو ما يؤدي في النهاية إلى فقدان شعور جمهور الناس بالاطمئنان لمؤسسات العدالة.

 

 

[1]  لقراءة أوسع حول بدايات الهجمة الأخيرة ضد المثليين في مصر راجع:

حسن مسعد وأحمد صالح، "سياسات التهميش ضد الأقليات الجنسية في مصر"، المفكرة القانونية، 8-1-2018. ومحمد عواد، "أقواس القزح في سماء مصر"، المفكرة القانونية، 4-10-2017. وتقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "المصيدة" عقاب الاختلاف الجنسي في مصر.

[2]  هناك طرق وأساليب أخرى تستخدم لتحريك قضايا ضد المثليين، ولكن في هذا المقال نتناول فقط الصورة الشائعة خلال الفترة الماضية.

[3]  يراجع في ذلك حكم محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 11971 لسنة 59 قضائية جلسة 19 /4 /1990، مكتب فني 41، رقم الجزء 1، رقم الصفحة 640.

[4]  حيث يجرم قانون العقوبات المصري الشروع في ارتكاب الجنايات، إلا أن الشروع في ارتكاب الجنح يتطلب نص قانوني خاص، وجميع الجرائم التي نظمها القانون 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة بين نصوصه تعد من الجنح.

[5]  البند (أ) من المادة الثانية من القانون رقم 10 لسنة 1961 بشأن مكافحة الدعارة: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائه جنية إلى خمسمائة جنيه:

(أ‌) كل من استخدم أو استدرج أو أغرى شخصًا ذكرًا كان أو أنثى بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة وذلك بالخداع أو بالقوة أو بالتهديد أو بإساءة استعمال السلطة أو غير ذلك من وسائل الإكراه.

[6]  حالات التلبس مبينة على سبيل الحصر بالمادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 التي جرى نصها على أن:

 "تكون الجريمة متلبسًا بها حال ارتكابها، أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة.

وتعتبر الجريمة متلبسًا بها إذا اتبع المجني عليه مرتكبها أو تبعته العامة مع الصياح أثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها بعد وقوعها بوقت قريب حاملاً آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقًا أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك".

[7]  حكم محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 1326 لسنة 48 قضائية جلسة 10/12/1978، مكتب فني 29، رقم الجزء 1، صفحة 910.

[8]  وهي تسمى جريمة الإعلان باستخدام وسائل الاتصال /أو الهاتف عن الدعوة إلى الإغراء بممارسة الفجور، المؤثمة بموجب القانون رقم (10) لسنة 1961، وسيتم التعرض لضوابط هذه الجريمة لاحقًا بمتن هذا المقال.

[9]  إن المادتين 34، 35 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلتين بالقانون رقم 37 لسنة 1972، قد أجازتا لمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات أو الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر أن يقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه، فإذا لم يكن حاضرًا جاز لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمرًا بضبطه وإحضاره، يراجع في ذلك حكم محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 11971 لسنة 59 قضائية جلسة 19 /4 /1990، مكتب فني 41، رقم الجزء 1، رقم الصفحة 640.

[10]  نصت المادة (57) من الدستور المصري بأن: "للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس.

وللمراسلات البريدية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون".

[11]  المادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية جرى نصها على أنه: "لقاضي التحقيق أن يأمر بضبط الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود لدى مكاتب البريد وجميع البرقيات لدى مكاتب البرق وأن يأمر بمراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية أو إجراء تسجيلات لأحاديث جرت في مكان خاص متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة في جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر.

وفي جميع الأحوال يجب أن يكون الضبط أو الاطلاع أو المراقبة أو التسجيل بناء على أمر مسبب ولمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة".

[12]  حكم محكمة النقض (الدائرة الجنائية) في الطعن رقم 38061 لسنة 72 قضائية بجلسة 17/10/2004.

[13]  وهي الجريمة المنصوص عليها بالمادة 14 من قانون مكافحة الدعارة على:

 "كل من أعلن بأية طريقة من طرق الإعلان عن دعوة تتضمن اغراء بالفجور أو الدعارة أو لفت الأنظار إلى ذلك يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على مائه جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين".

[14]  يراجع د/ إدوار غالي الدهبي، الجرائم الجنسية، الطبعة الثانية 1997 الراعي للطباعة والنشر، ص271، وكذلك د/ نيازي حتاتة، جرائم البغاء، الطبعة الثانية مكتبة وهبة، ص226 وما بعدها.

[15]  يراجع د/ إدوار غالي الدهبي، الجرائم الجنسية، الطبعة الثانية 1997 الراعي للطباعة والنشر، ص276، وكذلك د/ نيازي حتاتة، جرائم البغاء، الطبعة الثانية مكتبة وهبة، ص230 وما بعدها.