أهم ما يُسجل للاستحاق النيابي في 6 أيار 2018، بالإضافة إلى اعتماد النسبية للمرة الأولى في لبنان، هو اتساع دائرة خروج المرأة اللبنانية ترشحاً إلى فضاء المشاركة السياسية من قمقم التوريث السياسي. فللمرة الأولى في تاريخ لبنان، يقفز عدد النساء المرشحات إلى 111 مرشحة في كل لبنان من أصل 597، ويرسو عشية إقفال باب الترشح والإنسحاب على 85 امرأة (14.8% من بين المرشحين ككل). وبرغم أن معظم الترشيحات النسوية جاءت على متن لوائح المعارضة والمجتمع المدني، إلاً أن هناك عددا لا بأس به من وارثات المناصب مما هن نائبات حالياً، وخصوصا في حال عدم وجود رجل وارث.

ويؤكد توزع المرشحات على اللوائح أن التغيير الحقيقي في المجتمع بالنسبة لمشاركة المرأة في السياسة لن يأتي عن طريق قوى السلطة التي خلت معظم لوائحها من النساء، فيما أتى ترشيح بعضها الآخر لنساء هشاً ومتوقع اختراقه من اللوائح القوية المنافسة، ومن قبل ذكور. وإذا كانت النائبة ستريدا جعجع تترأس لائحة القوات في دائرة الشمال 3، فذلك يعود كما هو معروف، إلى تمثيلها زوجها رئيس القوات سمير جعجع، على غرار دخولها مجلس النواب في العام 2005 و2009.

وكذلك الحال مع رئيسة لائحة الكتلة الشعبية في زحلة ميريام سكاف التي ترث زوجها النائب والوزير الراحل ايلي سكاف (على غرار ابنة عمها ستريدا جعجع). ومن التوريث نفسه، يأتي تزعم ميشال جبران التويني للائحة نحن بيروت وهي لائحة تعتبر ضعيفة في مواجهة لوائح الأقوياء والسلطة حيث يقتصر حضور النساء فيها على تويني وحدها.

وبذلك رست النسب النهائية على لوائح المعارضة ب 33 %، فيما سجل تيار المستقبل أعلى نسبة من الترشيحات النسائية وإن لم يتخطّ 12% وهي أقل مما تعهد به رئيسه الرئيس سعد الحريري، سواء من موقعه الحزبي أو مسؤولياته كرئيس للحكومة. وسجلت لائحة كلنا بيروت أعلى نسبة نساء بين اللوائح المختلطة باعتمادها المناصفة، وترشيح أربع نساء من أصل ثمانية ضمتها اللائحة غير المكتملة التي تنافس على 11 مقعدا في بيروت الثانية.

وحدهن نساء عكار، المحافظة الفقيرة والمهملة والمتروكة في أقاصي الشمال تنطحن للمنافسة من خارج السرب بعدما خلت لوائح السلطة من أي تمثيل للمرأة، فشكلن لائحتهن الخاصة وإن اقتصرت على خمس نساء من أصل سبعة (عديد اللائحة المكتملة) حيث تعذر على سبيل المثال إيجاد امرأة من الطائفة العلوية تقبل الإنضمام إليهن.

ولعل أهم ما تكرسه الانتخابات النيابية للعام 2018 يتمثل بحصد نساء لبنان ومعهن المناصرين لقضاياهن وتعزيز أدوارهن في السياسة والمجتمع لكل النضال المتراكم منذ الخمسينات وانتزاع حق المرأة بالتصويت ومن ثم الاقتراع، وصولاً إلى ترشح نحو مئة امرأة زيادة عما هو شائع ومألوف. وفي الدورات الانتخابية ما بعد الطائف لم يكن عدد المرشحات يزيد عن 13 امرأة لا يصل أكثر من أربع نساء من بينهن إلى البرلمان، معظمهن من وارثات الرجال باستثناء النائبة السابقة غنوة جلول التي تبناها الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بيروت.

ولكن معركة النساء لن تكون سهلة في ظل عدم التكافؤ الاقتصادي وسقف الانفاق (من السقوف الأعلى في العالم)، والصوت التفضيلي، وإدارة الظهر من قبل لوائح السلطة عامة لهن، في ظل إرث سياسي واجتماعي وتقليدي تطغو عليه ذكورية توصيف الأدوار وتحديدها. وهل ننسى عندما أصدر مشايخ إحدى الطوائف في لبنان فتوى دعوا خلالها النساء إلى عدم الترشح ومقاطعة اللوائح التي ترشح نساءً؟ وقد جاء موقف حزب الله في الدورة الحالية مشابها حيث رأى أن وظيفة النائب الحالية لا تتناسب مع وضع النساء.

ولا ننسى  دور الاعلام في تهميش المرأة المرشحة إلى الانتخابات المقبلة حيث أصدرت جمعية مهارات التي تعمل على مراقبة وجود المرشحات في الاعلام تقريرا حول الحزم التي يقدمها الاعلام للمرشحين والمرشحات حتى يظهروا اعلاميا والتي تصل كلفتها إلى أرقام خيالية.

 

ترشح النساء: النسبي يشجع، والتفضيلي يثني

بعيداً عن تشكيل اللوائح، الى أي مدى يسمح القانون النسبي الجديد في إيصال النساء؟

يعتبر الدكتور علي مراد، أستاذ مساعد في القانون العام في جامعة بيروت العربية، أن "النظام النسبي حكما يعزز تمثيل الأقلية المرئية  minorite visible أو ما يعرف بالاقليات العرقية والأقليات الجنسية". 

ويوضح مراد أن النظام الانتخابي بحد ذاته يؤثر على خيارات الناخب. فعندما نضع له نظاما نسبيا وندعه يختار مشروعاً سياسياً عندها تصبح الأحزاب مرتاحة أكثر في أن تتمثل بنساء. بمعنى أن الاحزاب في فرنسا ليست بطبيعتها ذكورية. ولكن عندما نضعها ضمن معركة عليها أن تنجح فيها، فإن النظام بحد ذاته يجعلها ترشح الأكثر قدرة على الفوز وهو الرجل الأبيض الكهل (كما يحصل في الجمعية الوطنية الفرنسية). في حين عندما تكون هي ضمن نظام نسبي والناس ينتخبون على أساس برنامج، عندها يتوسع هامشها في اختيار مرشحيها، وهنا يعود التوازن في هذا الموضوع، كما الانتخابات البلدية".

ينطلق مراد من ذلك ليؤكد أن "وجود النظام النسبي بشكل عام يشجع ويزيد من نسبة مشاركة النساء". إلاّ أنه في الوقت عينه، لا يرجع وجود النساء اليوم إلى النظام الإنتخابي الجديد وإنما يتحدث عن عمل تمّ في السنوات التسع الأخيرة على مسألة دخول النساء في معترك السياسة. وعليه، وفق مراد "منذ 2013 ظهر عدد من النساء الناشطات السياسيات. جيل جديد قدم تجربة جديدة للقضايا النسوية مختلفة عن المرحلة السابقة. وهؤلاء النساء فرضن وجودهن من خلال الإصرار على الترشح. والجميل أنهن من مختلف الخلفيات السياسية اليسارية والليبرالية. وأعتقد أن هذا الأمر مرده الوعي الإضافي لحقوق المرأة في هذا البلد". كما يشير إلى الدور الكبير الذي لعبته المرأة في معركتي التمديد وأزمة النفايات.

ويرى بالمقابل أن "الصوت التفضيلي" يضعف حظوظ  النساء". أرى أن كوتا الترشح مهمة إلاّ أنها تذوب مع اعتماد الصوت التفضيلي، لأنه في الدول الأخرى التي يكون فيها كوتا للترشح وليس للنجاح، يكون الحزب في الاساس قد قام بتنظيم لائحته على أساس "امراة رجل امراة رجل" أو أن  القانون يفرض موقع المرأة على اللائحة وبالتالي لا تأتي النساء في آخرها بل يتم وضعهن في مواقع تسهل وصولهن. أما اليوم باعتماد السلطة للصوت التفضيلي، فلا يوجد امكانية لاعتماد هذا الأمر وهنا النساء في وضع أقل حظاً من الرجال".

لكن على الرغم من الصعوبات، لا يقطع مراد الأمل في أن تخرق النساء في الانتخابات النيابية المقبلة. وهو يقول: "أن زيادة عدد النساء يزيد أو يعزز من تقبل المجتمع اللبناني لامكانية تمثيله في البرلمان من خلالهن. والأمر الأساسي اليوم هو وجود عدد مرتفع من الناشطات النساء اللواتي لا يأتين من بيوت سياسية. الأمر الآخر الذي عزز من حضور النساء هو خيار لوائح المجتمع المدني أن تعتمد نسبة ثابتة لا تنزل عنها من النساء وأنا أرى أن هذا موقف يشهد له".

 

سليم عن اللادي: الأحزاب الكبيرة لا تقاتل بالمرأة  

من جهته، يقول منسق قسم الابحاث في الجمعية علي سليم ل"المفكرة" أن اللادي وضعت ملاحظات على غياب الكوتا النسائية من القانون الحالي "حيث وعملياً لم يتبنّ أحد من أحزاب السلطة "كوتا طوعية" ضمن لوائحه.

ويلاحظ سليم  مسألتين أساسيتين:

اولاُ أن المرأة على لوائح الاحزاب غير موجودة على مقاعد تشهد منافسة قوية. بمعنى أن الحزب من الممكن أن يدعم هذه المرشحة لتفوز بالتالي يتم وضعها بالمنافسة مع رجل في لائحة ثانية، رجل يكون لديه نفوذ وبالتالي الاحتمال الاكبر ان يحصل هو على الصوت التفضيلي وليس هي،  وبالتالي لا يقاتل بالمرأة المرشحة وإنما هي أشبه بديكور.

ثانيا أن غالبية النساء على لوائح الأحزاب السياسية هن نساء غير محزبات. وبالتالي الفرصة ليست حتى للنساء المحزبات انما لنساء لديهن نفوذ مالي أو أنهن شخصيات معروفة بامكانها أن تجذب صوت الناخب وترفع الحاصل الانتخابي (مثلا: الاعلاميات).

المشكلة الثانية التي تواجه النساء هي مشكلة الانفاق الانتخابي. ويعتبر سليم أنها "مشكلة أساسية جداً فرسم الترشح 8 ملايين ليرة وهو رقم غير سهل أبداً كما لا يسمح لها أن تسترجع المال حتى ولو انسحبت قبل انتهاء الموعد المحدد للعودة عن الترشح. وحتى لو فازت لا تسترجع المبلغ". ويظهر حجم المشكلة عند النظر في أرقام الإحصاء الصادر عن دائرة الإحصاء المركزي الصادر في سنة 2014 والذي يبين أن نسبة النساء من القوى العاملة لا تتخطى 25 أو 26%.

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS