احتلّت شعارات الأحزاب الرئيسية ومرشحيها طرقات ومباني وشوارع لبنان، حتى بات من المستحيل أن نلمح إعلاناً لأي منتج آخر. تمّ حجز اللوحات الاعلانية للحملات الانتخابية، تماماً كواجهات البنايات وعواميد الكهرباء. وقد جاءت معظم هذه الشعارات دعائية وبمثابة لعب على الأحرف والكلام كأن يدعو أحد المرشحين (ابراهيم كنعان) ناخبيه في المتن إلى تمتين شرعيته (متّن) أو أن يتشبه آخر (زياد بارود) بناخبيه (زياد بيشبهكم). إلا أن أحزاب السلطة أو الأحزاب السياسية التقليدية أبرزت في خضم غابة الشعارات هذه، شعارات أكثر دلالة على مواقعها وتطلعاتها. هذا ما سنحاول الإضاءة عليه في هذا المقال.

 

جاذبية القوة: العهد القوي، لبنان القوي، التيار القوي

يعد "التيار الوطني الحر" اللبنانيين بأنه "مكملين وما في شي بيوقفنا". هكذا، من دون أن يخبرنا إلى أين مكملين. علينا نحن أن نتخيل الغاية التي يتجه إليها الحزب وأن ننتخبه في خضم تخيلاتنا. وتأتي الشعارات الأخرى لتوجه مخيلتنا: فـ "مكملين" يعني مكملين في تقوية مقدرات "التيار" التي تؤدي حكما إلى تقوية العهد ولبنان. وهذا ما تزخر به شعارات "التيار" المنتشرة هنا وهناك: "لبنان القوي" تيّمنا بـ "العهد القوي" و"لبنان القوي بميثاقه"، "بشبابه"، "بنفطه". وقد أطلق "التيار" مؤخراً بشكل واسع شعار "صوتي للعهد" المرتبط برئيس الجمهورية ومؤسس "التيار" ميشال عون، والذي هو مصدر القوة. ويذكّر بأنه كان نقل عن رئيس الجمهورية أن عهده سيبدأ فعلياً بعد الانتخابات النيابية حيث سيتمكن من تحقيق "برنامجه" فقط في حال وصول كتلة كبيرة مؤيدة له إلى المجلس النيابي.

 

الخرزة الزرقا أو المستقبل ضمانا للاعتدال والتوافق الوطني

في المقابل، طرح "تيار المستقبل" شعار "نحنا الخرزة الزرقا يلي بتحمي لبنان". تُستعمل الخرزة الرزقا عادة كأداة حماية للأشخاص والممتلكات من السحر أو ما يسمى "صيبة العين". يطرح "المستقبل" نفسه بديلاً عنها. لم يثبت حتى الآن إن كانت الخرزة تحمي الناس من "صيبة العين". فلننتظر قدرات "المستقبل". الخرزة لـ"الأمان"، "الإنماء"، "الاستقرار"، "الليرة"، "الاستقلال"، "المساواة" و"السيادة". الخرزة لكل ما هو خير للبنان. وهذا الشعار إنما يعكس بدوره موقع "المستقبل" وتطلعاته، وبخاصة بعد تغلبه على محنة احتجاز رئيسه في الرياض. فمنذ تلك اللحظة، اكتسب "المستقبل" مظهرا آخر، مظهر القوة السياسية التي ترفض زجّ لبنان في سياسة المحاور من خلال "النأي بالنفس"، وتعمل دوما على بناء الاعتدال والتوافق. بهذا المعنى، يصبح  خصوم "المستقبل" في الانتخابات هؤلاء الذين يزايدون عليه بشأن العلاقة مع "حزب الله" أو يدعون الشارع السني إلى الخروج عن التوافق الحاصل حاليا والتطرف في المواقف. 

 

الأمل تيّمناً بحركة أمل

من ناحيتها، اعتمدت "حركة أمل" شعار "لبنان الأمل" وتوجهت إلى الناخبين بشعارات "صوتك أملك" و"أمل المؤسسات" و"التعايش" و"التنمية" و"المقاومة" و"التعليم". ويبدو هذا الشعار لافتا ودعائيا محض: فـ "الحركة" مكوّن أساسي من النظام الحاكم منذ سنة 1992 ورغم ذلك، ترى أن بإمكانها أن تستمر في دعوة الناخبين للأمل. وتبدو هذه الدعوة بمثابة دعوة توجهها لناخبيها بالإيمان فيها وبارتباط حصول هؤلاء على هذه الحقوق بحصولها هي على المقاعد النيابية. وهذا ما يتماشى تماما مع سياسات "الحركة" التي طالما اعتمدت الزبائنية لتكريس سلطتها. يكفي للتيقن من ذلك النظر إلى المراكز الحزبية المنتشرة داخل الجامعة اللبنانية، سواء في صفوف الطلاب أو الأساتذة.  

 

حزب الله يطوّر شعاره: العمران بعد المقاومة

أما بالنسبة لـ"حزب الله"، فقد اختار في هذه الدورة شعار "نحمي ونبني" بعد ما صبّ تركيزه في شعاراته في الاستحقاقات السابقة على "الحماية" فقط. ولعلّ "الحزب" قد أدرك أنه لا يمكن الاستمرار بالطلب من الناس أن تساند "المقاومة" في ظلّ الإهمال الذي تعيشه المناطق المحسوبة عليه، وأنه بات عليه أن يعدهم بالاهتمام بقضاياهم الحياتية أيضا. وهذا ما تأكد مع إعلان السيد حسن نصرالله التزاما حزبيا في مكافحة الفساد.

ويلحظ أن "الحزب" ركّز في الاتجاه نفسه على شعارات تربط التصويت بالسيد نصرالله، من باب تعزيز مصداقية الحزب لدى ناخبيه. ومن أكثر هذه الشعارات انتشارا، "سيدنا إنت المفضل في لائحة المحبّين" و"رهن إشارتك".

 

الشعارات التغييرية: النقيض القواتي ونبض التغيير لدى الكتائب

أكثر الشعارات التغييرية نلقاها لدى "القوات اللبنانية" التي انكفأت مكانتها في دوائر الحكم والكتائب التي خرجت من هذه الدوائر بشكل كبير.

تندرج هذه الشعارات لدى "القوات" تحت عنوان "صار بدا". العنوان يكتب بأحرف كبيرة ويعقبه وصف الوضعين: الوضع الذي يجب أن نصل إليه (صار بدا) والوضع السائد حاليا، علماً أن الوضع الأول يشكل على الدوام نقيضا للوضع السائد. وهكذا، صار بدا: "نزاهة مش فساد"، "دولة مش مزرعة "، " شراكة مش محاصصة"، "كفاءة مش واسطة"، "محاسبة مش محسوبية"، " مُساءلة مش لفلفة"، " استثمارات مش صفقات" وغيرها.

من جهته، وعدت "الكتائب اللبنانية" اللبنانيين بأن تكون "نبض التغيير". وإذ يبدو سوريالياً أن يعد حزب قائم على الوراثة السياسية بالتغيير (فسامي الجميل ورث رئاسة الحزب والنيابة عن والده، ونديم الجميل انتخب نائباً عن بيروت بصفته ابن بشير الجميل)، فإن ذلك يجد طبعا تفسيره في موقع الحزب الحالي والذي تمّ تهميشه من دوائر الحكم.

 

لوائح الاشتراكي: "المصالحة" أو اليد الممدودة لأصوات الآخر

لم يبرز "الحزب التقدمي الاشتراكي" شعارات مستقلة، إنما أطلق شعارا وحيدا للائحته في الجبل؛ "إيد بإيد صوتك للمصالحة". إذا يبقى العنوان الأول والغالب هو المصالحة بعد نهاية الحرب من 28 سنة، تماما كما تبقى وزارة المهجرين قائمة. وأحادية هذا الشعار تعني أن "الاشتراكي" حصر نفسه في الجبل وفي المصالحة التي تشكل إحدى اشكالياته. فكأنما الاشتراكي هو حزب للجبل فقط أو كأن الغاية من الشعار الحصول على أصوات مسيحيي الجبل حصرا، من دون أن يكون مرتبطا بأي برنامج فعلي. وهي شعار يصلح لكل الاستحقاقات الانتخابية مهما طال الزمن وابتعدت الحرب.

 

 

المردة، التوريث مدعاة للتفاخر وهجاء الخصم

بخلاف "الكتائب" الداعي للتغيير رغم الطابع الوراثي لقياداته، رأى "تيار المردة" أن انتقال الأمانة من جيل إلى جيل هو ضمانة لمصداقيته ونجاحه واستمراره وتاليا مدعاة للفخر وتمجيد الذات. "نحنا مبارح ونحنا بكرا"، " معكن منكبر وما منتكبر"، " معكن منغيّر وما منتغيّر".

وهذه الشعارات إنما تجد تفسيرها في ترشّح طوني فرنجيه، نجل النائب سليمان فرنجيه، للنيابة بدلا عن أبيه. كما تجد تفسيرها في مسعى "المردة" للردّ على "التيار" في ظلّ خلافه مع الوزير جبران باسيل واتهامه بمحاولة إلغائه. فكأنما "المردة" يتهم باسيل بالتكبّر وبالتخلي عن الثوابت.

وعليه، تظهر شعارات "المردة" على أنها مجموعة شعارات تتمحور على تمجيد الذات وهجاء الخصم، مع تجاهل تامّ للمشاكل التي يعاني منها لبنان، والتي تبقى مغيبة تماما عنها. وتبدو الانتخابات النيابية من هذا المنطلق بمثابة استكمال للمعركة الضمنية الحاصلة بين النائب سليمان فرنجية ورئيس الجمهورية ميشال عون، وبالأخص تمهيد للمعركة الرئاسية القادمة.  

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS