من يمشِ في شوارع بيروت، تجتاح ناظريه ليس فقط صور مرشحين تدور وتدور، إنما فيديو يدور ويدور حول عرس شعبي، يراد منه أن نفهم أنه عرس الديمقراطية، بعد تسع سنوات من العزوف عن أعراس مماثلة. فعسى بهجة العرس تمحو ما كانت سببته قوانين التمديد من اضطراب ديمقراطي مقلق. فتخرج السلطة الحاكمة مزهوة بما تحققه الآن بمعزل عما حققته أمس.

ولكن، مهلا. قد نكون أمام عرس، عرس تجدد فيه السلطة الحاكمة توافقاتها بتكليف شعبي: ولكن أن يقال أنه عرس ديمقراطي، فهذا لا يمكن فهمه إلا على أنه بروباغندا أو تمجيد للنظام الحاكم، بعدما بات مسلما به أنه عائد بجميع مكوّناته. وهي بروباغندا لأنها تحاصر العيون وتقفز عليه، وتدور لتدور لإرغام الناس على التصديق بأن الانتخابات التي ستفوز بها السلطة الحاكمة مجددا "ديمقراطية"، مهما رأينا من مشاهد أو سمعنا من أخبار تدحض ذلك.

وهذا ما سنناقشه على صفحات هذا العدد، انطلاقا من الملاحظات الآتية:

 

أولا، قانون انتخاب يرسخ الطائفية ويخدم "الأقوى"

كانت مفاجأة من دون ريب حين قرر المشرع في 2017 التخلي عن النظام الأكثري لصالح نظام انتخابي يقوم أساسا على النسبية. إلا أنه سرعان ما تبدّى أن القواعد التفصيلية لهذا النظام تبقي نكهة الأكثرية ماثلة بقوة في العملية الانتخابية، على نحو يجرد النسبية من بعض فوائدها المتمثلة في ضمان عدالة التمثيل وتجديد الحياة السياسية وعقلنتها.

وقد تم ذلك بفعل ثلاثة عوامل سلبية:

العامل الأول، اشتراط التمثيل بالحصول على نسبة أصوات مرتفعة، قد تصل إلى 20% من أصوات المقترعين. وهذا الأمر يؤدي إلى تشويه تمثيلية المجلس النيابي، بحيث يتم إقصاء جميع التيارات السياسية (التجديدية في غالبها) التي ليس لها امكانية الحصول على هذه النسبة، مقابل ارتفاع نسبة تمثيل الأحزاب الكبرى تبعا لحسم أصوات اللوائح المستبعدة عند تحديدها. الأخطر من ذلك هو النتيجة غير المباشرة المتأتية عن هذا الأمر، والتي تتمثل في دفع المرشحين إلى تركيب لوائح وائتلافات غير متجانسة لزيادة حظوظها في التمثيل، وهي ائتلافات شبيهة بما كان يجري في ظل النظام الأكثري. وما عزز الطابع الائتلافي للوائح هو رغبة الأحزاب الكبرى بالالتفاف على النظام النسبي للحصول على مقاعد تتجاوز نسبتها نسبة ناخبيها، وذلك من خلال دمج وجهاء مناطق ضمن مشروعها، بحيث يكون له المقعد ولها صوته في قياس حجم كتلتها والقضايا المصيرية والهامة.

العامل الثاني، وهو منح الناخب امكانية تحديد الفائزين من كل لائحة، من خلال منحه امكانية تفضيل أحد مرشحي اللائحة التي يختارها. ومؤدى هذه القاعدة في ظل تنظيم لوائح غير متماسكة، هو تحويل أعضاء اللائحة الواحدة إلى خصوم محتملين، ما لم يرتضوا أداء دور ال compares لإكمال العدد المطلوب لتكوين لائحة. وعليه، يتم تعميم ساحات التنافس، بحيث تشمل ليس فقط التنافس بين اللوائح، بل التنافس بين أعضاء اللوائح أنفسهم، وتتحول الانتخابات إلى مناسبة لمزيد من التجزئة والتقسيم، بدل أن تكون مناسبة لبناء تحالفات سياسية متينة. وما يزيد من التجزئة الاجتماعية هو توجه الناخب في ظل الانقسام الطائفي، إلى إعطاء صوته التفضيلي لمرشح من طائفته كلما كان ذلك ممكنا أو لمرشح يحدده زعيم طائفته، مما يؤدي إلى ترسيخ العصبية وجعل تجاوزها أكثر صعوبة.

أما العامل الثالث، فهو يتمثل في ميوعة قواعد اللعبة التي حددها القانون. فسقف الإنفاق المسموح به هو مرتفع جدا، والمساواة بين المرشحين في الظهور الإعلامي ترادف تطبيق التعرفة نفسها عليهم من دون تمييز، بحيث يحظى المرشح الذي يدفع أكثر على مساحة أكبر. كل ذلك في ظل هيئة اشراف أُبقي دورها الرقابي في حده الأدنى.

فكأنما قانون الانتخاب ينشئ حلبة صراع مفتوح، مؤداها ليس انتقاء الأكثر إقناعا (الأفضل)، بل انتقاء الأقوى. وفي ذلك، تقويض لأسس الديمقراطية.

 

ثانيا، استغلال النفوذ المفتوح

لم تكتف انتخابات 2018 بقانونها، إنما استلّ لاعبوها الرئيسيون مجموعة من أدوات صرف النفوذ، أدوات تنوعت وتعددت أشكالها بقدر تنوع وتعدد مصادر نفوذها.

استغلال النفوذ الأول تمثل في مرسوم التشكيلات القضائية 2017 والذي انبنى على لوائح حزبية ثلاث، بحيث أمكن كلا من الأحزاب الحاكمة أن يعين قضاة مقربين منه في مراكز النيابات العامة وقضاء التحقيق العاملين في مناطق نفوذه. تبعا لذلك، بات لكل من هذه الأحزاب هامش أوسع للتدخل في العمل القضائي، وخصوصا فيما يتصل بالميادين التي تحتمل احتجاز الأشخاص أو إخلاء سبيلهم. وبذلك، باتت هذه المراكز القضائية بمثابة مراكز نفوذ أو مفاتيح انتخابية، أكثر مما هي مراكز لضمان العدالة.

استغلال النفوذ الثاني جاء عن طريق السلطة التشريعية. من أكثر الأمور دلالة على هذا الأمر، قانون الموازنة العامة لسنة 2018 التي تضمنت في متنها فصلا كاملا لإعفاءات ضريبية أو لتخفيض غرامات التأخير، علما أن هذه الاعفاءات بلغت في بعض الحالات 100% بما يشكل حالة استثنائية في التشريع، تؤدي إلى منح حقوق أكبر للذي يتأخر في دفع الضريبة عن الذي يسددها في موعدها. ولا ننسى عند التطرق إلى استغلال النفوذ التشريعي المساومات التي اشتركت فيها القوى السياسية الرئيسية لتمرير مسودة قانون العفو، كنوع من الرشوة الانتخابية، وخاصة في ظل تسييس وتطييف الفئات المطالبة بالعفو ("عملاء اسرائيل" وعائلاتهم للتيار الوطني الحر والإسلاميين للمستقبل والمتورطين بانتاج المخدرات أو الاتجار بها لحزب الله وأمل).

استغلال النفوذ الثالث جاء عن طريق السلطة التنفيذية وخاصة بعدما انخرط 17 وزيرا فيها في المنافسة الانتخابية، ولكن أيضا عن طريق السلطات المحلية التي حلّلت مساحاتها العامة للصور والاعلانات الانتخابية العملاقة. وهذا ما وثقته تقارير جمعيات مدنية عدة، وإن لزمت هيئة الاشراف على الانتخابات الصمت بشأنه.     

 

ثالثا، ممارسات ومساعٍ للتفلت من الضوابط الضامنة لديمقراطية المنافسة الانتخابية:

الشاهد الأكبر على هذه الممارسات هو خطاب استقالة سيلفانا اللقيس، من عضوية هيئة الإشراف على الانتخابات. وكانت اللقيس عيّنت في الهيئة بصفتها ممثلة هيئات المجتمع المدني.

وقد بيّنت هذه الاستقالة أن هيئة الاشراف على الانتخابات عجزت أو تخلفت عن القيام بالقسم الأكبر من المهام المناطة بها قانونا، لأسباب عدة تتصل كلها وفق اللقيس بالانتقاص من استقلالية الهيئة وصلاحياتها. وتخلف الهيئة عن القيام بمهامها ليس معزوا لتدخل السلطة التنفيذية في أعمالها أو تأخرها عن تأمين الموارد التي تحتاج إليها وحسب، إنما أيضا وبالدرجة الأولى، عن اعتماد غالبية أعضاء الهيئة سياسة الانكفاء الذاتي self restraint، بحيث يغلبون دوما تفسيرا محافظا يحدّ من صلاحياتهم، وبخاصة في علاقتهم مع وزارة الداخلية أو السلطات السياسية على اختلافها. وقد تأكد هذا الأمر في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الهيئة نديم عبد الملك في مؤتمره الصحافي المنعقد في 23/4/2018، حيث صرح مرة ومرارا بما يفيد تمسكه بحصر صلاحيات الهيئة بما حددته حرفية القانون من دون أي توسع. وانطلاقا من هذه القراءة المحافظة، رأى عبد الملك أن صلاحيات الهيئة تنحصر فيما يتصل بالمرشحين في رصد مخالفاتهم من دون أن يكون لها الحق باتخاذ أي تدبير بحقهم. وقد عاد ليكرر الأمر بكثير من الحدّة والحزم: فليس للهيئة أي صلاحية بما يتصل ب "المرشحين السياسيين" أو الوزراء الذين يمارسون صلاحياتهم الدستورية. "نقطة عالسطر" (العبارة منه). الأمر نفسه بشأن تخلف السلطة التنفيذية عن اتخاذ الاجراءات لتمكين المعوقين من ممارسة حق الاقتراع باستقلالية، حيث لا يوجد نص صريح يعطي الهيئة امكانية التدخل في هذا الشأن. وأمام خيبة الاعلاميين إزاء انكفاء الهيئة عن أداء دور فاعل، أنهى عبد الملك المؤتمر الصحافي بالتذكير بعبارة لفقيه فرنسي: "قد يكون القانون قاسيا، لكنه القانون". وبالطبع، المقصود بالقانون هنا هو تفسير غالبية أعضاء الهيئة له.

وعليه، بدا الثنائي اللقيس/ عبد الملك وكأنهما يستحضران نقاشا حول المبادئ التي يفترض أن ترعى تفسير القانون: ففيما تفسر اللقيس صلاحيات الهيئة لتشمل ما من شأنه الإسهام في تعزيز شفافية الانتخابات ونزاهتها على هدي الغاية المفترضة من إنشاء الهيئة وبالأخص مبادئ النظام الديمقراطي، يذهب عبد الملك في الاتجاه المعاكس تماما أي في اتجاه الالتزام بالنص من دون أي اجتهاد، حتى ولو أدى ذلك إلى تحويل الهيئة إلى شاهد زور على انتخابات غير نزيهة وغير شفافة. بل حتى ولو أدى ذلك إلى إخراجها عن الغاية التي انوجدت من أجلها وتحويلها إلى أداة لتعميق التمييز بين المرشحين بدلا من أن تكون أداة لإلغائه أو التخفيف منه. بالطبع، التفسير وفق هذا التوجه لا يمكن فهمه إلا في منظومة غير ديمقراطية.  

ولم تكتفِ السلطة الحاكمة بتعطيل هيئة الاشراف على الانتخابات إنما برزت في موازاة ذلك مساعٍ مشبوهة لتعيين أعضاء جدد في المجلس الدستوري، وهو الهيئة التي تتولى النظر في النزاعات الانتخابية، قبل أسابيع من الانتخابات، وفق ما يكشفه مشروع القانون الذي أعدته الحكومة في أواخر كانون الأول 2017. فكأنها سعت إلى التحرر من رقابة هذا المجلس بعدما تحررت من رقابة الهيئة. إلا أنه هنا أيضا فشلت المساومات بين الأطراف السياسية في تمرير هذه التعينات الجديدة.  

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS