التقت المفكرة القانونية بالأستاذ الجامعي د. جميل معوض (المعهد الجامعي الأوروبي، في فلورنسا - إيطاليا) وذلك لتقديم قراءة تحليلية للنظام الانتخابي، وأثره على المؤسسات والقوى السياسية. فكان هذا الحوار.

 

المفكرة: أي معنى للانتخابات النيابية في لبنان اليوم؟

معوض: الانتخابات هي آلية للتنافس بين القوى السياسية، منها ما تكون ديمقراطية تتنافس فيها البرامج والأحزاب والأشخاص، ومنها ما يأتي فقط لإعطاء شرعية للحزب الحاكم أو المرشح كالانتخابات الرئاسية في روسيا أو في مصر. في لبنان الانتخابات لها أبعاد أخرى. بمعنى أنها لا تشكل لحظة تنافس حقيقي، ولا تأتي لتأكيد سيطرة طرف واحد على الحكم، إنما تأتي بالدرجة الأولى لتعطي شرعية للتوافق السياسي بين الأحزاب والقوى الحاكمة.

فالتوافق السياسي بين الأحزاب الحاكمة عادة ما يتمّ من خارج المؤسسات الرسمية، وهو يأتي كشرط مسبق لتأمين سير المؤسسات. بمعنى أن مؤسسات الدولة ما بعد الحرب ليست المكان التي من خلاله تؤطر عملية التنافس الديمقراطي. لكنها تحولت فقط مؤسسات لإقرار الاتفاقات المنسوجة خارجها. حين لا يتوفر التوافق، تتعطل المؤسسات (الموازنة، الانتخابات النيابية...). الآن التوافق متوفر، بحده الأدنى طبعاً. وشرط التوافق أن لا يلغي طرف طرفا آخر أو يلغي وظيفته في السلطة (المقاومة، الاقتصاد...).  اذاً نحن ننتخب لإضفاء الشرعية للسلطة الحاكمة من خارج المؤسسات (سلطة السلاح أو المال) وليس لنختار من سيحكم.

 

المفكرة: لكن من المفترض أن القانون النسبي يزيد التنافس ويفتح باب التمثل؟

معوض: النسبية بشكلها الحالي (دوائر صغرى مع الصوت التفضيلي) جاءت على نقيض الخطاب الاصلاحي منذ السبعينيات والذي حملته الحركة الوطنية والحزب الشيوعي والذي طالبوا فيه لتأمين تمثيل أكبر لهم داخل المجلس النيابي (نسبية على صعيد لبنان أو المحافظة).

للقانون الحالي، مقارنة بالقوانين السابقة، إيجابيات. من يحصل على الحاصل، يتمثل في المجلس النيابي. المشكلة الأساسية ليست القانون بقدر ما هي مشكلة سياسية وتمثيلية، أي القدرة على نسج تحالفات وعلى أي أساس من دون المساومة بالضرورة على المبادئ.

عملياً، ظهر أن القوى التقليدية جاهزة لخوض الانتخابات على أساس هذا القانون. فهي لا تكترث للمبادئ السياسية، فتعدّد تحالفات الحزب الواحد من دائرة إلى أخرى وصلت إلى حدّ التناقض أحياناً.

طبيعة القانون من جهة، وغياب قانون أحزاب من جهة أخرى، أدّت إلى تحالفات على قاعدة المقام المشترك الأصغر: أي نتفق على العموميات التي لا تفرق، ولا نناقش التفاصيل. لحظة الخوض في التفاصيل، تتشتت التحالفات. وهذه القاعدة أطرت جميع التحالفات، أكان من قبل الأحزاب التقليدية أو التغييرية.

 

المفكرة: ما هو تأثير هذه الظاهرة إذاً على تركيبة القوى السياسية في لبنان؟

معوض: من البديهي القول أولاً بأن أي تحليل للانتخابات يبقى ناقصاً من دون معرفة نتائجها. وهنا لا أتحدث عن الفائزين بالمقاعد فقط، إنما عن النسب التي ستحصل عليها اللوائح، والأصوات التفضيلية التي ستحصل عليها المرشحات[1] على هذه اللوائح. سنرى مرشحاً بـ 6000 صوت تفضيلي وآخر على نفس اللائحة بـ 200 صوت أو أقل. وهذا بحد ذاته مثير للاهتمام ومادة للتحليل.

لكن، من المؤكد بأن الأحزاب الحاكمة في لبنان هي المستفيدة.  القانون فرض تشكل وتمحور الحياة السياسية حول الأحزاب التقليدية الكبيرة والتي احتكرت الفضاء السياسي إلى حد كبير، لا بل ارتفع حظوظ تمثيلها في مناطق لم تتمثل فيها من قبل (القوات في بعلبك مثلاً). طبعاً، تحالفت الأحزاب مع المتمولين وزعماء العائلات السياسية وهم يشكلون رافعة انتخابية أساسية لها. ولكن الأحزاب هذه هي التي رعت اللوائح سياسياً وعملياً. في الواقع، لقد سرّع القانون من المسار التراجعي للعائلات السياسية وبعض الوجهاء التقليديين والذين التحقوا بالأحزاب لضمان بقائهم.

أخيراً، هنالك القوى التي تصنف بـالمدنية" أو "الاعتراضية".  إيجابيات خوضها الانتخابات كبيرة جداً، أكان من ناحية تمثيل المرأة أو من ناحية المبادرة للترشح. لكن لم يتّضح بعد ما إذا كانت هذه القوى، على اختلافها، ستشكل قوى سياسية أم لا، والأهم من ذلك مدى تجانسها، الذي لا مؤشرات إيجابية عليه حتى الآن.

 

المفكرة: لكن الخطاب السياسي لقوى التغيير واضح: قوى بديلة عن السلطة الحاكمة.

معوض: إحدى النتائج المباشرة لهذا النظام الانتخابي والتحالفات التي فرضها، القضاء على تبلور خطاب سياسي انتخابي، على عكس الانتخابات السابقة في العامين 2005 و2009 (بعض النظر عن صوابية هذا الخطاب أم لا). طبيعة القانون أعطت الأولوية للتحالفات الانتخابية على حساب التحالفات السياسية. نلاحظ استحالة لرفع سقف الخطاب.

ظهر خطاب عام يتطرق إلى عناوين عدة يتشاركها جميع المنافسين على الانتخابات (ضمان الشيخوخة، الضمان الاجتماعية، اللامركزية الإدارية الخ.). وكلها عناوين عامة لا تتطرق إلى عمق المشاكل التي يعاني منها البلد.  

لا خطاب سياسي. فقط عدّ أصوات.

 

المفكرة: إذاً، لا وجود للمعارضة حالياً في لبنان؟

معوض: في الواقع، لتحديد المعارضة علينا تحديد السلطة. والسلطة ليست أشخاصا، إنما عبارة عن مزيج من مقومات السيطرة على المجتمع من خلال العنف (السلاح)، الخطاب الطائفي (الخطاب الوجودي) والموارد المالية (الشبكات الزبائنية، المصارف...). المعارضة الحقيقية هي معارضة لمقومات السلطة، ومحاسبتها على ما آلت إليه الأمور.

لا وجود لمعارضة حالياً في البلد. لا نص أو وثيقة سياسية جامعة لمختلف الأطراف.

 

المفكرة: لكن تجربة الانتخابات البلدية كانت إيجابية وساهمت في تطوير ما يسمى بـ"قوى الاعتراض".

معوض: تجربة البلديات (2015) نجحت في إطارها وزمانها. تبقى الصورة ناقصة لو بنينا حصراً على هذه النتائج لخوض الانتخابات النيابية. السبب بسيط: رمزية المجلس البلدي في المخيلة الجمعية اللبنانية مختلفة تماماً عن رمزية المقعد النيابي. المقعد النيابي يتبعه، في الممارسة التقليدية للسياسة في لبنان، وزارة وخدمات و"بيت مفتوح". البديل بالنسبة لمعظم المرشحين "المدنيين" هو تقديم أشخاص لم يحكموا بعد. أما البديل لدى الناس هو في مكان آخر. لا بديل لهم عن المؤسسات الخدماتية والوظائف والحماية التي يؤمنها "الزعيم". كما لا بديل عن الخطاب "التطميني" الطائفي في مواجهة الترهيب الطائفي أو العنصري الذي يساهم البعض في نشره.

البديل الفعلي ليس فقط، أو حصراً، خطابا اصلاحيا جميلا حول التعليم أو الصحة (وهم لديهم أجوبة على كل هذه القطاعات...). البديل هو قوى متماسكة تتمثل أولاً بالبنى المؤسساتية التعليمية أو النقابية... وهذا ما لا يتوفر عند أغلب القوى المدنية. الدراسات لا تؤسّس لمعارضة. لا يمكننا أن نؤسس لفعل سياسي معارض بخطاب جميل هو نفسه بالمناسبة الذي يمكنه أن يتبنّاه، ويتبنّاه حالياً، أي مرشح على لوائح السلطة.

 

المفكرة: بغياب الخطاب السياسي والمعارضة، ماذا ستكون وظيفة المجلس النيابي إذاً؟

معوض: سيكون المجلس النيابي مساحة لإعادة إنتاج آليات التحكم بالمجتمع. لن يكون المجلس مكاناً لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية ولن يكون مؤسسة للتشريع أو لمحاسبة الحكومة. دور المجلس يكمن في وظيفتين أساسيتين: من جهة، إضفاء الشرعية للأحزاب الحاكمة وتمكينهم من تحسين شروط التفاوض فيما بينهم (الصفقات، المراكز...). من جهة أخرى، مكان لإعادة إنتاج الخطاب الطائفي وتراكم الموارد.

سينقسم النواب إلى فئات مختلفة: فئة أصحاب الأعمال والمتمولين؛ نواب ذوي مهمة محددة وهي الدفاع عن الأحزاب وهؤلاء سيلعبون دوراً اعلامياً ومحورياً في التجييش السياسي والطائفي. يفتح لهم الإعلام عند الحاجة، ويغيبون عن المشهد حين لا تتوفر الحاجة لهم. بالمقابل، هنالك نقص واضح بـ"المشرعين". على أمل أن ينجح بعض المرشحين المشرعين أكانوا على لوائح الأحزاب الحاكمة أو القوى "المدنية". فهؤلاء سيفّعلون أقله عمل اللجان النيابية، أو يمكنهم فضح آليات الحكم من الداخل وكشفها أمام الرأي العام.

 

المفكرة: ما هي أبرز الدروس من هذه الانتخابات، حتى الآن؟

معوض: الانتخابات الحالية عكست أوضاع المجتمع اللبناني. فضحت كم نحن متجذرون بالعنصرية، كم نحن طبقيون وعلى هذا الأساس تخاض بعض الحملات الانتخابية. كما كشفت أيضاً مدى التواطؤ الاعلامي وشركات الاحصاءات مع السلطة وأركانها.

أما الدرس الإيجابي والجميل فيكمن بأن الانتخابات ليست المكان الأوحد للتغيير؛ لا بل ليست المكان الأهم نظراً لموازين القوى.

للتذكير، أن إحدى أبرز الحملات خلال الفترة الانتخابية لم تأتِ من المرشحين لا بل من حملة مدنية اجتماعية استطاعت أن تفرض أجندتها على المجلس النيابي وعلى جميع المرشحين (حملة مفقودي الحرب). كذلك الحال بالنسبة لاستقالة سيلفانا اللقيس والتي فضحت السلطة وتجاوزاتها أكثر من أي مرشح آخر.

وهذا يعود ليس الى قوة هؤلاء إنما إلى تراكم سنين من المثابرة على العمل، واخلاصهم لقضايا محددة نسجوا على أساسها تحالفات متينة مع قوى مدنية مختلفة. وهذه أكبر عبرة ليس لانتخابات 6 أيار، لا بل لانتخابات 2022.  

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS

 


[1] ضمانا للأسلوب المحايد جندريا من دون تعقيد الصياغة، تشير كلمة المرشحات إلى المرشحين والمرشحات على حدّ سواء. وهو يتماشى مع سياسة تسعى المفكرة إلى إرسائها في تحرير جميع موادها.