في أواخر كانون الأول 2017، أحالت الحكومة إلى المجلس النيابي مشروع قانون يتصل بتعيين أعضاء جدد للمجلس الدستوري. ويرمي المشروع إلى إعادة فتح الباب لمزيد من الترشيحات للمجلس الدستوري خلال فترة شهر من نشره في الجريدة الرسمية، وذلك تمهيدا لتمكين الحكومة والبرلمان من تعيين أعضائه الجدد. ويلحظ أن أعضاء المجلس الدستوري قد أنهوا ولايتهم منذ 2015 وأنهم يستمرون بالعمل منذ ذلك الحين بموجب مادة تسمح لهم بمتابعة أعمالهم إلى حين تعيين أعضاء جدد. كما يلحظ أن المجلس الدستوري هو الذي يتولى النظر في الطعون في الانتخابات النيابية.

وإذ تذكّر الأسباب الموجبة لمشروع القانون أن ثمة 26 شخصا قدموا ترشيحاتهم لعضوية المجلس في 2015، فإنها ترى أنه لا يمكن الاكتفاء بهم، إنما يقتضي إعادة فتح باب الترشيح لأسباب تتّصل بالأعراف الطائفية المعتمدة في تعيين أعضاء المجلس. وبالتفاصيل، بينت الأسباب الموجبة أنه ليس هنالك أي مرشح كاثوليكي فيما أن بعض الطوائف التي تتمثل عرفا بعضوين في المجلس لم يتقدم منها إلا مرشحان، مما يحرم السلطات العامة من إمكانية المفاضلة والاختيار.

وقد أشارت بعض التقارير الصحفية تعليقا على تصريح وزير الخارجية جبران باسيل (بتاريخ 17/4/2018)  إلى وجود محاولات في الكواليس لتمرير مشروع القانون قبل أقلّ من أسبوعين من موعد هذه الانتخابات.

والإمعان في مشروع القانون وأسبابه الموجبة يستدعي ملاحظات ثلاث:

أولا، فيما من الواجب قانونا تعيين أعضاء جدد بالنظر إلى انتهاء ولاية الأعضاء الحاليين، فإن الأضرار التي قد تنشأ من جراء التعيينات خلال الفترة الانتخابية تفوق بكثير المصلحة الناجمة عنها. فمن حسنات الإبقاء على الأعضاء الحاليين أن عددا منهم تم تعيينهم من قوى سياسية لم تعد في الحكم وأنهم على الغالب يشعرون أنهم أتموا ولايتهم منذ زمن ولم يعد لديهم ما يخسرونه أو يربحونه. ومن شأن هذه المعطيات أن تجعلهم نظريا أكثر استقلالية وعلى مسافة من القوى السياسية الحالية.

ولعل القرار الصادر مؤخرا بإبطال قانون تمويل سلسلة الرتب والرواتب رقم 45/2017 يؤشر بدرجة معينة إلى هذه المسافة. بالمقابل، يُخشى أن يرتبط تعيين أعضاء جدد بإرادة القوى السياسية بتعيين أعضاء أكثر قرباً منها أو على الأقل يدينون بعضويتهم لها، بهدف التخفيف من مخاوفها إزاء الطعون التي قد توجه ضد مرشحيها الفائزين في الانتخابات النيابية. وما يؤكد ذلك هو مسعى تمرير المشروع في آخر لحظة، وكأنما ثمة ضرورة ملحة للقيام بذلك (فيما أن انتهاء الولاية حصل منذ حوالي ثلاث سنوات). وأيضا، أن القوى الحاكمة لا تكتفي بتعيين الأعضاء الجدد من بين الذين تقدموا بترشحين، إنما تعيد فتح باب الترشيح لأشخاص تجدهم أكثر قربا إليها أو قد تبادر إلى دعوتهم إلى ذلك.   

ثانيا، من اللافت أن الأسباب الموجبة للقانون عكست اتجاها جديدا نحو تكريس أعراف طائفية. يخلو قانون إنشاء المجلس الدستوري من أي إشارة إلى تخصيص مقاعد لطوائف معينة، ترى الأسباب الموجبة تسهب في الحديث عن المقاعد المخصصة للطوائف، لتصل إلى اعتبار الترشيحات الحاصلة غير كافية ليس بالنظر إلى عددها الاجمالي (التي بلغت 26) ولكن بالنظر إلى عدد المرشحين من طوائف معينة. وفيما تشكل الأسباب الموجبة من هذه الزاوية الإقرار الرسميّ الأول باعتماد المعادلة الطائفية في تعيين أعضاء المجلس الدستوري، فمن شأن ورودها على هذا الوجه أن يقوي من إلزامية الأعراف المعتمدة في اتجاه تحويلها إلى نصوص ملزمة، خصوصا أن الأسباب الموجبة باتت تنشر مع متن القوانين في الجريدة الرسمية بموجب قانون حق الوصول إلى المعلومات. ويبدو أسلوب وزير العدل سليم جريصاتي بارزا في هذا الشأن، بدليل توجهه الدائم إلى تعزيز الأعراف الطائفية والإقرار بها من دون مواربة ولو خلافا للدستور. ومن الأمثلة على ذلك، تصريحه السابقة بمناسبة افتتاح السنة القضائية الحاصل في 27 تشرين الأول 2017 حيث أعلن أن التشكيلات القضائية استندت إلى مجموعة من المبادئ، أهمها المناصفة.

وما يزيد الأمر قابلية للانتقاد هو تعارض هذا العرف مع النصوص الدستورية، وبخاصة المادتين 12 و95 من الدستور اللبناني، حيث أن الأولى أكدت أن "لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون"، فيما أن الثانية ألغت صراحة "قاعدة التمثيل الطائفي" وأكدت على اعتماد معايير "الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى".

ومن النافل القول أن المناصفة كأي معادلة طائفية أصبحت مرادفا لتقاسم التعيينات بين القوى السياسية الحاكمة، مما يعزز المخاوف التي أبديناها بشأن اتجاه القوى السياسية إلى استتباع أعضاء المجلس الدستوري الجدد.

ثالثا، انطلاقا مما تقدم، أي تمرير لهذا المشروع قبل إنهاء النظر في الطعون الانتخابية سيشكل عامل قلق إضافيا حول نزاهة الانتخابات وحياديتها. فبعدما بيّن خطاب استقالة عضوة هيئة الإشراف على الانتخابات سيلفانا اللقيس سقوط هذه الهيئة (وهي خط الدفاع الأول) بفعل نقص امكاناتها والتعرض لاستقلاليتها وتقليص صلاحياتها، يخشى أن يؤدي تعيين أعضاء جدد للنظر في الطعون الانتخابية إلى سقوط خط الدفاع الثاني عن نزاهة الانتخابات، الذي هو المجلس الدستوري.

قد تتمثل الأولوية الآن في منع مرور مشروع قانون مماثل.       

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS

للاطلاع على مشروع القانون، انقر/ي على الرابط ادناه

 Jeanine Jalkh, L’Orient-Le-Jour, La composition du Conseil constitutionnel remise en cause par le CPL, 19/04/2018.