وردت استقالة سيلفانا اللقيس المفاجئة من هيئة الاشراف على الانتخابات كخبر صاعق وسط ضوضاء هذه الحملة الانتخابية التي هامت عليها فوضى المال والاعلام. فكثرت التجاوزات والمخالفات من دون أن يكون للهيئة قدرة على ضبطها، مما أدّى الى تغليب مصالح المرشّحين المشاركين في الحكم أوالنافذين فيه، كما والمتمولين منهم، على حساب المرشحين الذين لا يملكون مالاً ونفوذاً. وتزامنت هذه الاستقالة مع الكلام الذي ورد مؤخراً عن وزيري الخارجية جبران باسيل والعدل سليم جريصاتي عن ضرورة تعيين أعضاء جدد للمجلس الدستوري في هذه الفترة الحساسة من العملية الانتخابية، مما يوحي بمحاولة السيطرة على كلّ من هاتين الهيئتين المستقلتين والمؤتمنتين على نزاهة الانتخابات وصدقيتها، كل في نطاق اختصاصها.

تخلّت السيدة اللقيس عن منصبها غير آبهة بالجاه والمنافع المتأتية عنه[1] لترفع صوتها عالياً بوجه الجهات السياسية التي تحاول النيل من استقلالية هذه الهيئة وفعاليتها بطرق شتّى، وتعبّر عن استهجانها حيال الممارسات الخاطئة وعجز الهيئة عن أداء مهامها. فدوّت صرختها الصافية في البيان التي تلته في مقر المفكرة القانونية بحضور عدد من ممثلي هيئات مختلفة من المجتمع المدني، مركّزةً على الهدف الأساسي التي وجدت من أجله الهيئة، وهو تأمين نزاهة الانتخابات وحريتها وشفافيتها. وأرجعت استقالتها الى ثلاثة أسباب رئيسية تتصل جميعها بالإنتقاص من استقلالية الهيئة وتتلخص كالآتي: عدم تأمين الموارد البشرية والمادية الكافية للهيئة، المس المباشر باستقلالية الهيئة والحلول محلّها في ممارسة بعض صلاحياتها من قبل وزارة الداخلية، وأخيراً تقليص صلاحيات الهيئة عملاً بقراءة ضيقة وملتوية للنص القانوني. مما يؤدي الى مفعول عكسي للهدف من وراء إنشائها، ويجعلها أداة "لتعميق التمييز بين المرشحين بدلاً من أن تكون أداة لإلغائه او التخفيف منه". وقد سردت في بيانها المفصّل كل هذه الأسباب التي حملتها على الاستقالة.

تطرح هذه العناوين الثلاثة عدداً من الاسئلة يهمّنا تسليط الضوء على بعضها، لا سيما لناحية مدى صلاحيات الهيئة في ممارسة المهام المناطة بها، وأهمية دورها في تأمين المساواة وتكافؤ الفرص بين المرشحين خلال الحملة الانتخابية، لا سيما لجهة التذرّع بحصانة الوزراء المرشحين على النيابة لدحض أي تدخل من قبل الهيئة في أعمالهم (2)، وأخيراً، تأمين شفافية الانتخابات (3).

 

أولاً- مدى صلاحيات هيئة الاشراف على الانتخابات في ممارسة مهامها

تندّد السيدة اللقيس بالاتجاه الذي سار عليه أداء هيئة الإشراف والآيل الى تقليص صلاحياتها باعتبار أنه تمّ تعدادها على سبيل الحصر في المادة 19 من قانون الانتخابات. بالتالي يتمّ تفسير هذه الصلاحيات بشكل ضيق يحرم الهيئة من تحقيق غاياتها وفق القسم الذي أدّاه أعضاؤها، بتعزيز نزاهة الانتخابات وحريتها وشفافيتها، حسبما جاء في بيانها.

هنا، وقبل التطرق الى النتيجة التي آل اليها هذا التفسير الضيق والحصري لصلاحيات الهيئة، يهمّنا أن نركّز على أهمية الدور الذي تلعبه الهيئة في المرحلة التمهيدية التي تسبق الانتخابات النيابية. فهي الهيئة الرقابية والتنظيمية الأساسية في فترة الحملة الانتخابية والمرصد الإنتخابي للمخالفات والتجاوزات التي ترد خلالها. وهي تقوم بتنظيم الحملة الانتخابية ومراقبتها وضبطها وتتولى مراقبة تقيّد اللوائح والمرشحين ووسائل الإعلام على اختلافها بالقوانين والأنظمة التي ترعى المنافسة الانتخابية. وقد وردت في القانون الانتخابي الجديد تعديلات طالت تشكيل الهيئة كما وسّعت دائرة صلاحياتها وعزّزتها، وأضفت طابع الديمومة عليها. وتحوّلت تسميتها من "هيئة الاشراف على الحملة الانتخابية" الى "هيئة الاشراف على الانتخابات"، للدلالة على مدى انبساط سلطتها فيما يعني مهامها الرقابية. وقد تمّ توسيع دائرة رقابتها لتشمل هيئات المجتمع المدني – المحلّية والدولية – التي تقوم بدور مواكبة الانتخابات ومراقبتها، وتنظيم عملها[2]. هذا إضافة الى مهمة نشر الثقافة الانتخابية وإرشاد الناخبين وتعزيز الممارسة الديموقراطية بالوسائل المتاحة كافة. علماً أن كل هذه التعديلات غير كافية، وكان من الأفضل إيلاء الهيئة مهمة تنظيم كامل العملية الانتخابية بالاستقلال التام عن وزارة الداخلية.

 وتجدر الاشارة إلى أن هيئة الاشراف تتمتع بطابع خاص sui generis، كونها "وحدة ذات طابع إداري". فتمارس مهامها "بصورة مستقلة وبالتنسيق مع وزير الداخلية والبلديات"، كما ورد حرفياً في المادة 9 من القانون 44/2017. فهي ترتبط إدارياً بوزير الداخلية والبلديات الذي يشرف على أعمالها، مع الإشارة إلى أنّ هذا الإشراف يتعلق بشكل رئيسي بتدابير إدارية لا علاقة لها بالمهام المناطة بها بموجب قانون الانتخابات. لذا تتمتع الهيئة بقدر واسع من الاستقلالية بالنسبة إلى هذا الاخير لجهة أداء أعمالها، إذ أن القانون أولاها صلاحية تحديد صلاحياتها (elle a la compétence de sa compétence) . فهي من تعدّ نظامها الداخلي، كما ان قراراتها نافذة وملزمة بمجرد صدورها، دون الحاجة إلى موافقة أو تصديق أي مرجع إداري أو مشاركة أحد فيها (ما عدا النظام الداخلي الذي يحتاج إلى تصديق الوزير). فضلاً عن أنها لا تخضع لسلطة وصاية تسلسلية أو لأي تنظيم وظائفي. وقد خولها القانون صلاحية اتخاذ قرارات وتعاميم تنظيمية لهذه الغاية. كما أنها تتخذ بعض القرارت والتدابير ذات غاية رادعة أو عقابية لضبط المخالفات والتجاوزات التي قد ترافق الحملة الانتخابية (كتوجيه تنبيه إلى وسائل الاعلام أو إلزامها ببث اعتذار أو بإتاحة حق الرد للمرشح المتضرر، وتنزيل الغرامات بالمرشحين المتخلفين عن تقديم البيانات الحسابية). وقد عزز القانون رقم 44/2017 صلاحياتها بحيث أولاها صلاحية اتخاذ قرارات ذات صفة قضائية حين تنظر في صحة البيان الحسابي الشامل المقدم من المرشحين بعد إجراء الانتخابات. فتتلقى الشكاوى في القضايا المتعلقة بمهامها وتفصل بها، ويعود لها أن تتحرك عفواً عند تثبتها من أيّة مخالفة وتجري المقتضى بشأنها، بحسب ما جاء في الفقرة 11 من المادة 19 من القانون الانتخابي رقم 44/2017. وهنا، نشير إلى ما جاء على لسان جمعية (LTA) لناحية تحديد المراجع التي يحق لها التظلم أمام الهيئة وحصرها بالمرشح أو بـ "اللوائح أو الأحزاب أو الجهات السياسية التي ينتمي اليها المرشح"، كما ورد في البيانين رقم 2 و6 الصادرين عن هيئة الاشراف. مما يعني أن المواطن والمراقبين لا يتمتعون بهذه الصفة. وهذا إجتهاد ضيّق لا يستند الى أي نص قانوني بحيث أنّ الفقرة (11) من المادة 19 المنوه عنها أعلاه لا تحصر تقديم الشكوى إليها بجهات معينة. ويلحظ أن الهيئة تعطي الصفة "للأحزاب والجهات السياسية" بالإضافة إلى اللوائح، أيضا دون الاستناد الى أي نص قانوني. ولا نرى أي مبرّر لإعطاء هذه الصفة للأحزاب والجهات السياسية التي لا يضفي عليها هذا القانون أي صفة محددة ولاسيما في غياب قانون لتنظيم عمل الأحزاب في لبنان كما ورد في بيان هذه الجمعية. كما ترى الجمعية أن هذا القرار يعطي المجال للتدخل السياسي "الرسمي" في عمل الهيئة ويقفل الباب أمام المواطن والمراقبين المحليين المعتمدين، وذلك خلافاً لنص القانون وروحيته.

علماً أن الطابع العام والشامل لصلاحيات الهيئة يستدلّ أيضاً من القسم الذي يؤديه أعضاؤها لدى توليهم مهامهم، بحيث يقسمون على القيام بعملهم بصدق وأمانة " تأميناً لحريتها (أي حرية الانتخابات) ونزاهتها وشفافيتها". ويذكر بأن هيئة الاشراف أنشئت حديثاً[3] بضغط من هيئات المجتمع المدني وتلبيةً لضرورات التماشي مع المعايير الانتخابية الدولية. فوجود هيئة إدارية رقابية وتنظيمية مستقلة في المرحلة التمهيدية للانتخابات يساهم في إضفاء طابع الشفافية والصدقية على الانتخابات، ويولّد الثقة لدى المواطنين بأن الانتخابات تجري بشكل حرّ ونزيه. وقد ورد في هذا الصدد عن المعهد الوطني الديمقراطي (NDI) أن الهدف من وراء إدارة الانتخابات والهيئات المشرفة عليها هو "ضمان عدم الانحياز، الفعالية والشفافية في إدارة الانتخابات"[4]. لذا، فقد أصابت السيدة اللقيس بانتفاضتها إزاء أي محاولة لتقييد صلاحيات الهيئة وحصرها، مما ينتقص من فعالية الهيئة واستقلاليتها، ويذهب في إتجاه معاكس للغاية الأساسية التي أنشئت من أجلها، لا سيما تأمين نزاهة الانتخابات وحريتها وشفافيتها في هذه المرحلة الحساسة التي تسبق الانتخابات. 

 

ثانياً- لجهة تأمين تكافؤ الفرص بين المرشحين

على الهيئة أن تسهر مبدئيا على مراعاة مبدأ المساواة بين المرشحين من خلال عدم التمييز وتأمين تكافؤ الفرص بينهم. وهنا لا بد لنا من التذكير بأهمية حق الترشح وهو حق مدني دستوري أساسي موازٍ لحقّ الانتخاب، بحسب المواثيق الدولية وإجتهاد المجلس الدستوري[5]. وقد أضفى المجلس الدستوري القيمة الدستورية أيضاً على مبدأ التنافس في الانتخابات في عدد من قراراته، معتبراً مبدأ المنافسة الانتخابية "الأساس والقاعدة في الأنظمة الديمقراطية"[6]. كما نصت مدوّنة السلوك الصادرة عن لجنة البندقية بخصوص الانتخابات على أنه "يجب ضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب والمرشحين. وهو يعني حياد السلطات العامة، ولا سيما في ما يتعلق بالحملة الانتخابية، وفي التغطية من قبل وسائل الإعلام، بما في ذلك وسائل الإعلام العامة، ولجهة  التمويل العام للأحزاب والحملات". وقد جعل القانون الانتخابي الجديد هيئة الاشراف مؤتمنةً على المبادئ التي ترعى المنافسة الانتخابية في فترة الحملة الانتخابية. فأكّد على وجوب تأمين العدالة والتوازن والحياد في المعاملة بين المرشحين وبين اللوائح بموجب عدد وافر من مواده. وعلى سبيل المثال، خوّلها مهمة السهر على احترام حرية التعبير عن مختلف الآراء والتيارات الفكرية في برامج وسائل الاعلام أثناء فترة الحملة الانتخابية، وذلك عن طريق إصدار توصيات ملزمة إلى هذه الوسائل، بما يضمن تأمين العدالة والتوازن والحياد في المعاملة بين المرشحين وبين اللوائح[7]. كما أوجب على الهيئة أن تؤمن التوازن في الظهور الإعلامي بين المتنافسين من لوائح ومرشحين بحيث تلزم وسيلة الاعلام، لدى استضافتها لممثل لائحة أو لمرشح أن تؤمن بالمقابل استضافة منافسيه بشروط مماثلة لجهة التوقيت والمدة ونوع البرنامج[8]. ويقتضي على الهيئة أن تضع برنامجاً خاصاً تحدد فيه مواعيد وشروط توزيع أوقات البث بين مختلف اللوائح والمرشحين، مؤكداً على التقيد بضرورة توفّر مواعيد بث متوازنة بما يضمن تحقيق المساواة والتكافؤ في الفرص بين مختلف المرشحين وبين مختلف اللوائح[9].

كما أوجب القانون على السلطات المحلية والشركات المستثمرة للأماكن المخصصة للإعلانات التعاون مع هيئة الاشراف على الانتخابات من أجل تنظيم عملية تعليق ولصق الاعلانات والصور الانتخابية طيلة الفترة الانتخابية[10]. وألزم وسائل الإعلام الرسمية بموجب الحياد تجاه المرشحين. كما منع على وسائل الإعلام الخاصة الإعلان عن انحيازها لأي مرشح كان.

لذا، تعتبر مهمة السهر على تأمين المساواة بين المرشحين من أهم المهام المناطة بالهيئة. وقد ورد في هذا السياق عن معهد IDEA الدولي، أنه يفترض بأعضاء الإدارة الانتخابية والهيئات المراقبة للانتخابات إظهار التزام دائم بالاحترام المطلق للمبادئ والقيم الديمقراطية ولحقوق الانسان المكرسة بالمواثيق الدولية، بدون التمييز بين الأحزاب السياسية أو المرشحين أو الناخبين أو ممثلي الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى.[11]

قد هدفت استقالة السيدة اللقيس إلى التنديد بالممارسات الخارقة لمبدأ المساواة بين المرشحين وعجز الهيئة عن ضبط التجاوزات والمخالفات، لا سيما تلك الصادرة عن الوزراء المرشحين في الوقت الذي يمارسون فيه مهامهم الوزارية ويستغلون مواقع نفوذهم ويستخدمون موارد الدولة في إطار حملاتهم الانتخابية. علماً أن الحكومة الحالية تتضمن 16 وزيرا مرشحاً للانتخابات من أصل 30. وهنا يهمّنا الإشارة إلى أن ما ورد عن حصانة الوزراء، وعدم إمكانية الهيئة القيام بأي إجراء تجاه المخالفات الصادرة عنهم، فإن هذا الأمر لا يستقيم في فترة الحملة الانتخابية، وبالأخص تجاه هيئة الاشراف، التي تتمتع بصلاحيات واسعة والمفترض بها أن تؤدي عملها باستقلالية تامة عن السلطة التنفيذية وسائر الجهات المعنية بالانتخابات. ونشير في هذا السياق إلى القواعد الاجرائية المتبعة لدى المجلس الدستوري، حيث لا يتمتع النائب المنتخب بأي حصانة أمام المجلس الدستوري حين يتمّ التقدم بالطعن بوجهه، ويكتفى بابلاغ رئيس المجلس النيابي بالطعن المذكور. ويعود ذلك إلى أن الطعن بصحة الانتخاب ليس بمثابة دعوى موجّهة ضد النائب بصفته هذه، إنما هي مراجعة بشأن الإنتخاب بالذات[12]. كما أن المجلس الدستوري طبق نفس القاعدة على المحامين الفائزين بالانتخابات النيابية، بحيث يجوز الطعن بصحة نيابتهم أمام المجلس الدستوري بدون أية حاجة للاستحصال على إذن مسبق من نقابة المحامين[13]. ومرّد ذلك إلى أن الطعن في نيابة محام منتخب كالطعن في نيابة نائب لا يتعلق بشخصه، بل بممارسة حق سياسي دستوري، ولا يمت إلى مهنته أو منصبه بصلة. وينطبق هذا الامر قياساً على هيئة الإشراف على الانتخابات، حيث لا يجوز أن تقوم حصانة الوزير أو النائب المرشح للانتخابات النيابية حائلاً دون إمكانية ملاحقته في حال قيامه بأعمال تشكل خرقاً لقانون الانتخاب ومساً بقواعد المنافسة الانتخابية ومبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين. ففي المعترك الانتخابي، يعامل الوزير أو النائب، خاصة في حال ترشحهم للانتخابات النيابية، مثلهم مثل غيرهم من المواطنين، وذلك عملاً بالمبادئ الدستورية السامية، وفي طليعتها مبدأ المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات. علماً أن القانون يسمح للوزراء بالترشح الى النيابة، بينما يشترط على موظفي القطاع العام الذين يشغلون مناصب أقل سلطة ونفوذاً الاستقالة من مناصبهم قبل الترشح.

 

ثالثاً- لجهة شفافية الانتخابات

تذكّر السيدة اللقيس بما ورد في قسمها لجهة واجب أعضاء الهيئة تأمين حرية الانتخابات ونزاهتها وشفافيتها. فننتهز هذه الفرصة للتركيز على أهمية تأمين الشفافية بهدف تحقيق عملية انتخابية ديمقراطية ونزيهة. إذ لا ديمقراطية من دون شفافية، وهي مبدأ أساسي ملازم لها. وقد حدّدت المعايير الدولية هدف الرقابة الانتخابية بأنها تكمن في "توفير الشفافية للمتنافسين الانتخابيين وعامة الشعب من أجل التأكيد على الدرجة المضمونة من ثقة العامة في العملية الانتخابية"[14]. كما أن مدوّنة السلوك الصادرة عن لجنة البندقية فيما يختص بالانتخابات تنصّ على أنه "يقتضي أن يكون تمويل الأحزاب والمرشحين والحملات الانتخابية شفافًا". مع العلم أن شفافية العملية الانتخابية تتخذ وجهين:

الأول يكمن في توفير المعلومات حول الانتخابات وأهميتها والاجراءات التي ترافقها بشكل عام للناخبين وجميع الجهات المعنية بالانتخابات ، كالمرشحين والمراقبين الانتخابيين المعتمدين وغيرهم. وهذا ما يتحقق من خلال عملية نشر الثقافة الانتخابية التي أدخلت في دائرة إختصاص الهيئة بموجب القانون الجديد، من دون أن تتمكن أن تمارسها بفعل أن وزارة الداخلية قد حلّت محلها كما ورد في بيان السيدة اللقيس.

أمّا الوجه الثاني للشفافية، فيستوجب على الهيئة إتاحة المجال أمام المرشحين والمراقبين الانتخابيين والمواطنين بالاطلاع على جميع التقارير والشكاوى  الواردة إلى الهيئة في سياق عملها الرقابي. وهذا من شأنه أن يعزز نزاهة الانتخابات، ويتيح للمرشحين وللعامة الاطلاع على أعمالها وعلى المعلومات التي قد تكون مفيدة لتأمين تكافؤ الفرص وإجراء المراقبة بهدف تصويب أي خلل قد يفسد العملية الانتخابية. كما أن نشر جميع هذه المعلومات والتقارير يسهّل مهمة المراقبين المحليين في مراقبة الإنفاق الانتخابي على الإعلانات والدعاية الانتخابية، كما جاء في بيانات الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات (LADE) وجمعية لا للفساد (LTA) المتتابعة[15]. علماً أن لهؤلاء المراقبين دوراً فاعلاً ومكمّلاً لهيئة الاشراف في مراقبة العملية الانتخابية ورصد المخالفات التي قد تتخللها. كما أن هؤلاء المراقبين يتذمرون من عدم تعاون الهيئة في تزويدهم بمعلومات متعلقة بالانفاق والتمويل الانتخابي تسهل مهامهم الرقابية. فعلى سبيل المثال، تقدمّت جمعية لا فساد بكتاب خطيّ بتاريخ 27 آذار إلى الهيئة مستفسرةً بموجبه عن عدد المرشحين الذين رفعوا إليها البيانات الحسابية الشهرية حتى تاريخ تقديم الطلب، كما طالبت الجمعية بتزويدها بأسماء المرشحين الذين رفعوا تلك البيانات في الدوائر الثلاث التي تراقبها الجمعية بالإضافة الى نسخة عن تلك البيانات. غير أنه لم يكن ورد أي جواب عن الهيئة بهذا الخصوص لتاريخ 12 نيسان الفائت[16]. وقد  لحظ القانون الانتخابي الجديد وجوب نشر تقرير الهيئة النهائي في الجريدة الرسمية، مما يعزّز الشفافية من خلال إتاحة الاطلاع على أعمالها للعامة. إلا أنّ هذا لا يكفي، إذ يأتي هذا النشر في وقت متأخر بعد إعلان النتائج النهائية وانصرام مهلة الطعن بالانتخابات. فالقانون لم يحدد مهلة معينة لنشر هذا التقرير في الجريدة الرسمية وكان من المستحسن ألا تبقى هذه المهلة مفتوحة بهذا الخصوص. وقد يكون مفيداً أن تنشر الهيئة، أقلّه على موقعها الالكتروني، التقارير والتصاريح التي تردها من وسائل الإعلام والإعلان ومؤسسات استطلاعات الرأي. كما يكون مفيداً أن تحدد الهيئة لائحة الأسعار، مع وضع حد أقصى لها، بما يختص بالاعلام والاعلان الانتخابيين والمساحات المخصصة للدعاية أو الاعلان الانتخابي. كما يقتضي نشر البيانات الحسابية الدورية الواردة اليها من المرشحين واللوائح، وأسماء هؤلاء المتخلفين عن تقديم هكذا بيانات، والشكاوى الواردة اليها بخصوص جميع أنواع المخالفات والقرارات المتخذة حيالها. مما يؤمن تكافؤ الفرص بين المرشحين ويعزز ثقة المواطنين بالهيئة وبأن العملية الانتخابية تسري بنزاهة وشفافية.

ختاماً، نتمنّى بأن تؤدي استقالة السيدة اللقيس من هيئة الاشراف على الانتخابات إلى الهدف المرجو، أي تصويب عمل الهيئة وتفعيله بما يؤمن حرية الانتخابات ونزاهتها وشفافيتها. كما نأمل أن تتجاوب السلطات العامة مع هذه الاستقالة، فتتعاون مع الهيئة من أجل تحقيق هذه الأهداف السامية الآيلة إلى ترسيخ الممارسة الديمقراطية في البلد، وتسعى إلى تعزيز استقلاليتها وعدم الانتقاص من صلاحياتها. ولا داعٍ للتذكير بأهمية تعزيز دولة القانون في هذا الوقت العصيب الذي تتعرّض فيه القوانين والدستور إلى شتى أنواع الانتهاكات، بدءاً من السلطات العامة المؤتمنة على تطبيقها. 

 

نشر هذا المقال في العدد الخاص بالانتخابات، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا https://bit.ly/2pInvRS

 


[1] لقد حدد المرسوم رقم 2566 تاريخ 22 آذار 2018 البدل المقطوع لكل عضو في هيئة الاشراف على الانتخابات بمبلغ 90 مليون ليرة لبنانية، والتعويض الشهري لرئيس الهيئة بـ 8 ملايين شهرياً.

[2]  الفقرة (9) من المادة 19 والمادة 20 من القانون الانتخابي رقم 44/2017.

[3] أنشئت هيئة الاشراف على الحملة الانتخابية لأول مرة بموجب القانون الانتخابي رقم 25/2008.

[4]  باتريك ميرلو، تعزيز الأطر القانونية لإنتخابات ديمقراطية، المعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية (NDI)، 2008.

[5]  قرار المجلس الدستوري رقم 4/96 تاريخ 7 آب 1996.

[6]  قرارا المجلس الدستوري رقم 1/2013 ورقم 7/2014.

[7]  المادة 72- الفقرة (2) من القانون الانتخابي رقم 44/2017.

[8]  المادة 72- فقرة (4) من القانون الانتخابي رقم 44/2017.

[9]  المادة 73 الفقرة (3) من القانون الانتخابي رقم 44/2017.

[10] المادة 76 من القانون الانتخابي رقم 44/2017.

[11] Electoral Justice: The International IDEA Handbook, IDEA, p. 29.

[12]  بول مرقص وميراي نجم شكرالله، المجلس الدستوري في القانون والاجتهاد، مشروع دعم الانتخابات اللبنانية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي بالتعاون مع المجلس الدستوري، كانون الأول 2014.

[13] المجلس الدستوري، قرار رقم 1/2009 تاريخ 8/7/2009.

[14]  باتريك ميرلو، تعزيز الأطر القانونية لانتخابات ديمقراطية، المرجع المشار اليه أعلاه.

[15]  بيان صحافي صادر عن الجمعيّة اللبنانيّة لتعزيز الشفافيّة – لا فساد حول "الإعلان عن بدء المراقبة الميدانية والملاحظات الأولية حول العملية الانتخابية"، 1 آذار 2018.

[16] البيان الصحافي حول نتائج مراقبة الانتخابات النيابية - الجمعيّة اللبنانيّة لتعزيز الشفافيّة – لا فساد، 12 نيسان 2018.