أقل من شهر واحد يفصلنا عن موعد الانتخابات النيابية 2018 بعد انقطاع تسع سنوات مدد خلالها النواب لأنفسهم ثلاث مرات. ومع اقتراب يوم الإقتراع تستمر أعمال تجهيز المراكز الإنتخابية على الأراضي اللبنانية كافة . غير التجهيز الموسمي، يجمع هذه المراكز إفتقارها يوم الانتخابات لأبسط معايير الهندسة الدامجة التي تستجيب لاحتياجات الأشخاص المعوقين حركياً من تجهيزات تسمح لهم بالاقتراع بكرامة تنسجم مع حقهم البديهي.

نحن نتكلم هنا عن الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يشكلون نحو 10 في المئة من سكان لبنان،  وليس أولئك المواطنين المصابين بعارض صحي أوجسدي ظرفي ومعين فحسب. بالإضافة إلى المسنين، والنساء الحوامل  وكل من يجد مشقة في صعود السلالم وتكبد العناء لممارسة حقه في انتخاب ممثلين عنه.

وربما اعتاد اللبنانيون يوم الانتخابات على مشاهد أشخاص يُحملون على الأكف من قبل مندوبي اللوائح صعوداً إلى غرف الإقتراع في الطوابق العليا، فيصبحون رهينة من يساعدهم لناحية الإقتراع وخياراتهم، كما يعرضون حياتهم وسلامتهم للخطر(خطر الوقوع) فيما يتركون لمصيرهم في حياتهم اليومية، وفي ذلك انتهاك صارخ لحقوقهم.

من هنا، وكما عودتنا "حملة حقي" التي يطلقها اتحاد المقعدين اللبنانيين منذ العام 2005، فإنها تواكب هذا العام أيضاً الانتخابات النيابية للعام الحالي ورصد الانتهاكات بحق الأشخاص ذوي المعوقين، عارضة لتقرير مفصل تلاه منسق الحملة جهاد اسماعيل في مؤتمر صحافي عقد نهاية الإسبوع في 7/4/2018 في نقابة المهندسين في بيروت.

وأكد إسماعيل أن الحملة توثق ومنذ انتخابات 2005 ولغاية اليوم الانتهاكات والمخالفات التي وقعت  بحق الاشخاص المعوقين وكبار السن خلال مشاركتهم في عمليات الاقتراع، وفق معايير ومفاهيم دولية ومحلية محددة وواضحة تعتمدها في توصيفها للانتهاكات ضمن تقارير مهنية متخصصة لتستخدم في دعم الحق المشاركة هذا، وفي تقوية المفاهيم والوعي عند المعنيين وعند الرأي العام والجمهور.

وعدد اسماعيل أوجه الإنتهاكات في مراكز وأقلام الاقتراع ب "غياب التجهيز الهندسي، وعدم وجود الوعي الكافي لحاجاتهم لدى هيئة القلم والقوى الأمنية المتواجدة في المركز وإلى جواره، وعدم وفاء البلديات بالتزاماتها تجاههم بتأمين متطوعين لمساعدتهم في حال عدم توفر التجهيز المطلوب، والزحام الشديد وكثافة المقترعين غير المعوقين ومزاحمتهم الأشخاص المعوقين، وغيرها من الأسباب.

كما عززت الحملة اقتراع الأشخاص المعوقين وأمنت متطوعين على الأرض ضمن إمكاناتها لحثّ الناخب المعوق على التوجه إلى أقلام الاقتراع، ومن ثم مساعدته على إتمام عملية اقتراع مستقلة. وعممت ضمن مراكز الاقتراع هذه الحقوق عبر المنشورات وأجرت استفتاءات للناخبين غير المعوقين.

وأكد إسماعيل أن"الوضع اليوم شبيه بالفترة التي سبقت انتخابات العام 2009، فقد تعاملت المؤسسات الرسمية مع قضايانا بوهن وبيروقراطية، ولم تطبق الوزارات المتعاقبة المرسوم 2214/2009، فنحن أمام بعض البدائل التي لا تمكّن الناخبين المعوقين من الاقتراع باستقلالية وبكرامة، وذلك لعدم توفّر الإرادة الجديّة لدى الإدارات المعنية للعمل على الوصول إلى انتخابات دامجة تحترم التنوع".

ولفت الى"عدم تمكن "الحملة"  من الوصول الى تحقيق اقتراع الأشخاص المكفوفين باستقلالية عبر ورقة اقتراع بطريقة برايل" على الرغم من السعي الحثيث لذلك طوال الأشهر المنصرمة، كما أشار الى "تناسي الحكومة تأمين مراكز اقتراع دامجة على الرغم من تقديم الحملة للدراسات الهندسية المطلوبة لها".

ورأى أنه "لم يعد هناك أي مبرر لدى الحكومة الحالية من عدم المبادرة إلى تطبيق التشريعات المحلية المتمثلة بالقانون 220/2000 ومندرجاته، والسعي للمصادقة على الاتفاقية الدولية بشأن تعزيز حقوق الأشخاص المعوقين وكرامتهم".

وطالب باسم الحملة الحكومة "بأن تجعل الانتخابات المقبلة منطلقاً لها كي تهيّء الحلول المطلوبة وضمان الحدّ الأدنى من المعايير الدامجة، على مستوى المباني وعلى مستوى العملية والآلية من حيث تكييف بطاقة الانتخاب، إلى بناء القدرات وإذكاء الوعي. ومن المهم جداً أن تضمن النموذج المثالي وأن تشكل بكاملها المادة الأساسية لتحويلها إلى خطة وطنية مع الميزانية التقديرية والمواصفات والمعايير لتدخل في موازنة الدولة للعام 2018، وفق جدول زمني محدد. وبهذا نكون قد أسسنا لإمكانية الترشح والانتخاب باستقلالية وكرامة للأشخاص المعوقين في انتخابات العام 2022".

وختم محملاً "الوزارات المعنية مجتمعة جريمة غياب البيئة الهندسية الملائمة للأشخاص المعوقين في مراكز الاقتراع". كما حمّل "الحكومة جريمة استغلال الناخبين المعوقين وانتهاك كراماتهم بحملهم على الأدراج في يوم الانتخاب"، مؤكداً أن "الحملة"  ستراقب العملية الانتخابية وترصد الانتهاكات بحق الناخبين المعوقين على جميع الأراضي اللبنانية، على أن يكون لها موقفًا آخر بعد السادس من أيار 2018".

وليس أمرّ من التجربة

يتحول يوم الاقتراع بالنسبة للأشخاص المعوقين حركياً من فرصة لممارسة حقهم الطبيعي الممنوح من قبل القانون، إلى أمل بالرجوع سليمين معافين من ممارسة هذه الخطوة التي فيها من الخطورة بمكان ما تدفع العديد منهم أن يفضلوا البقاء في المنزل. ويتحدث  فادي الصايغ عن تجربته قائلاً:"المعاناة كبيرة فمراكز الاقتراع في السنوات الأخيرة كانت حالتها مزرية وفيها انتهاك للكرامات وسلامة الأشخاص. عندما نذهب للاقتراع، نصطدم بداية عند المدخل بكون جميع الطرقات مغلقة وعلى مسافات بعيدة تصل الى نحو 20 متراُ، ناهيك أن مدخل المركز لا يكون مجهزاً بالمنحدرات  اللازمة".

يتابع:"أكثر ما يزعج أنهم دائما ما يتناسون الغرف الأرضية التي يجري إغلاقها، ويختارون الطوابق العليا ربما تخفيفاً للضجيج الذي يحصل يوم الإنتخابات، غير آبهين بالأشخاص الذين يتعرضون للظلم. ليس هذا وحسب بل انهم لا يؤمنون البديل المتمثل بالمصعد الذي إما لا يكون موجوداً أو يتم قطع الكهرباء عنه يوم الانتخابات. علما أنه بإمكان توكيل مهمة مراقبة المصعد لـعنصر من الأمن الذي بإمكانه أن يجعل المصعد متاح أمام المعوقين حركياً وكذلك العجزة والنساء الحوامل وحسب.

وبعد أن يخوض المرء كل المخاطر والإهانات يصل أخيراً الى القاعة حيث عليه أن يقترع فيفاجئ بممرات ضيقة، أو أن تكون طاولة رئيس القلم  في مكان مرتفع. حتى المعزل، قد يصدف أحياناً كثيرة وجوده فوق المصطبة وبالتالي يجعل من الصعوبة بمكان الدخول وراءه وتأمين حرية الاقتراع" .

وأشار الصايغ إلى أنه "تم في الانتخابات الأخيرة توثيق وبالصور أكثر من 696 حالة انتهاك دون أن يشمل ذلك جميع المراكز المتواجدة على الأراضي اللبنانية". كما أكد أن"القضية غير محصورة بالأشخاص المعوقين حركياً الذين يقومون بالانتخاب، وإنما تطال كل كبير في السن، وكل إمرأة حامل وكل من يعاني من أمراض القلب والضغط الخ..".   

وسأل حسّان جمعة،"لماذا عوضاً أن يتم الاقتراع داخل المدرسة لا نجعله في الملعب وبالتالي يصبح المجال متاحاً أكثر لمن يستخدم كرسي متحرك للدخول خلف  العازل ومن ثم التوجه بإرتياح ليضع الورقة في الصندوق بنفسه؟".

تابع:"هذه ثالث انتخابات تمر علينا منذ انطلاق حملة حقي وقد قدمنا العديد من النماذج في هذا السياق كي يتم تجهيز مراكز الاقتراع لتكون بمتناول الجميع على نحو غير مكلف ولكن أحداً لم يبالي، في حين نرى كيف يتم حمل الاشخاص لكي يقوموا بالتصويت ثم يجري تركهم لمصيرهم. لماذا عليي اليوم أن أتكل على مرشح أو مندوبين كي أمارس حقي في الإقتراع؟ إذا أرادوا منا أن ننتخب فليعطونا حريتنا في ممارسة هذا الأمر".

وندد جمعة بافتقار برامج المرشحين لأي طروحات تتعلق بالأشخاص المعوقين وقال:"إن أحداً لم يلحظ في برنامجه موضوع ذوي الإحتياجات الخاصة، أحداً لم يهتم بالموضوع أو يعطينا أولوية ولو 1%".

وختم:"عند كل انتخابات سنستمر في رفع الصوت من أجلنا ومن أجل الأجيال المستقبلية. يشكل المعوقون نسبة 10% من سكان  لبنان وهذا رقم لا يستهان به، بالمقابل لايفسحون المجال أمامنا لا في  التوظيف، ولا الدمج في المجتمع ولا المدارس وحتى حالنا مع المستشفيات حدث بلا حرج، لكن كل أربع سنوات نكون نهار واحد في القمة وباقي الأيام في مذلة".