قلما نتحدث عن استقلالية القضاء. وحين نتحدث، فإن ذلك يتم عموما كردة فعل على إجراء قضائي في إطار قضية معينة. فكأننا نتبيّن فجأة أن بإمكان بعض القضاة أن يخيّبوا الانتظارات المشروعة للمواطنين، أن بإمكانهم أن يفسروا القوانين أو حتى الوقائع على نحو يجافي الحسّ السليم، أن بإمكانهم أن يقيسوا الأمور بميزانين مختلفين: ميزان للضعفاء حيث تكفي أدلة ضعيفة لملاحقتهم وأحيانا لإدانتهم، وميزان للأقوياء حيث تصبح الأدلة مهما قويت، غير حاسمة، وبكلمة أخرى، أن بإمكانهم أن لا يكونوا مستقلين أو محايدين كما يفترض بهم أن يكونوا. وغالبا ما يتم التعبير عن ردة الفعل هذه بشيء من الاستهجان، استهجان سرعان ما يتلاشى أمام تدفق الأحداث والقضايا. ما نصفه هنا ليس متخيلا ولا استثنائيا، بل هو ينطبق على قضايا كثيرة ومتكررة. والمشترك بين هذه المواقف، أنها تقتصر على التشكي من تصرف قضائي معيّن، من دون أن يتبعها أيّ جهد لفهم الأسباب التي أفقدت القضاء اللبناني الكثير من ثقة الناس فيه، أو أكثر تحديدا أي جهد لتحويل القضايا الخاصة التي ترهق أشخاصا أو فئات معينة إلى قضية عامة أكبر، قضية استقلال القضاء.

من هنا، هذا العدد الحاص الذي تقدّمه "المفكرة" ليس عاديّا. فهو ليس ردّة فعل على حدث معيّن ولا هو مرتبط بظرف معين، بل هو يضمّ خلاصات مراقبتها وأبحاثها على مدى سنوات في مجال التنظيم القضائي، والتي نشرنا قسما منها وننشر القسم الآخر في أكثر من 20 ورقة بحثية منفصلة، يعالج كل منها إحدى اشكاليات تنظيم القضاء. وهدفها من ذلك تحقيق أهداف عدة، أبرزها الآتية:  

  • أولا، سدّ نقص معرفي في مجال القضاء. فبخلاف الأمر حول أنظمة الانتخابات النيابية حيث بوسع المهتمّ الاطلاع على مراجع عديدة، تبقى الكتابات حول تنظيم القضاء (وهو سلطة دستورية موازية للسطة التشريعية) شحيحة وفي حال وجودها مجتزأة. والفائدة المباشرة لهذا العمل هي تمكين أيّ مهتم بالشأن القضائي من التعرف عن كثب على تفاصيل البيئة المهنية التي يعيش فيها القضاة في لبنان، وما يتعرّضون له من ضغوط وتصورات، والأهم على أبعادها وتأثيراتها على المنظومة الحقوقية والقضائية برمتها. فكيف تكتسب صفة القاضي؟ هل نلحظ أي تمييز جندري أو طائفي أو طبقي في تعيين القضاة الجدد؟ كيف تجري المناقلات القضائية؟ كيف يتم إعمال مبدأ المناصفة داخل القضاء، وما هو معنى اعتماده في هذا المجال ومؤداه؟ وما هي آليات التمييز بين القضاة وأشكاله، وما هي الأسس التي يقوم عليها؟ ما هي السلوكيات التي يتعين على القاضي وفق شرعة الأخلاقيات اللبنانية التقيد بها، وما سرّ اختلافها عن الشرعة الدولية، وبخاصة في مجال حريتي القاضي في التعبير وإنشاء الجمعيات؟ ما هي الطرق المعتمدة لمحاسبة قاضٍ أو تقييم عمله؟ وما هي ضمانات الاستقلالية أو وسائل الحماية التي يمكن للقاضي اللجوء إليها في حال تعرضه لضغط أو تدخل؟ هذه هي نماذج عن بعض الأسئلة التي نطرحها ضمن المقالات المنشورة في هذا العدد. وقد سعينا من خلاله إلى إعادة النظر بعدد من المفاهيم والسياسات التي غالبا ما يتم إبرازها كمسلّمات رغم المخاطر الناتجة عنها، وفي الوقت نفسه إلى استعادة عدد من التجارب الهامة كإنشاء جمعية للقضاة في سنة 1969، والتي هي على العكس من ذلك تماما يتمّ طمسها في الخطاب الإصلاحي القضائي، وكأنّما يراد محوُها من ذاكرة ما حصل، تمهيدا لمحوها من المخيلة كأمر يحتمل (أو ربما يؤمل) حصوله.
  • ثانيا، تحسيس الرأي العام حول مخاطر بعض الممارسات المعتمدة في مجال التنظيم القضائي تمهيدا لاستنهاض القوى والفئات الاجتماعية لجبهها. فبمعزل عن ظروف أي قضية قضائية، ثمة واقع خطير لا بدّ أن نتوقف عنده كما نتوقف أمام "فزاعة"، وهو سواد ثقافة التدخل في القضاء واستتباعه على أنقاض ثقافة استقلال القضاء. ومن النافل القول أن مؤدّى هذه الثقافة هو تكريس هيمنة "القوة" وإرغام الأفراد على البحث عن حمايات بديلة عن حماية القضاء وعمليا نقض مبدأ المساواة والمواطنة. وانطلاقا من ذلك، تأمل "المفكرة" أن تسهم جهودها في هذا الإطار في إقناع القوى الاجتماعية والسياسية على أولوية العمل في هذا المضمار. فما هي المبادرات الممكنة لكبح التطبيع مع التدخل في القضاء تمهيدا لجبهه وعلى الأقل جعله أكثر كلفة لمن يلجأ إليه؟ وما هي المبادرات الممكنة لإخراج القاضي من عزلته، لإشعاره بوجود حاضنة اجتماعية لاستقلاله، أملا بجعله أكثر قدرة على الصمود دفاعا عن استقلاله؟ وبالطبع، تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحا بالنسبة إلى الفئات أو القوى الأكثر تضررا من هذا الواقع أو التي ينتظر منها بفعل وظائفها دور أكبر في مجال القضاء. فأين هي تحركات المحامين الفردية والجماعية للمطالبة بإصلاح القضاء، هم الذين يستشعرون تحديا يوميا في ممارسة مهنتهم، في ظل ثقافة التدخل هذه؟ وأي دور للمنظمات الحقوقية التي تدافع عن هذا الحق أو ذاك، وتختبر يوما بعد يوم محدوديته في ظل غياب الضمانات القضائية؟ وأيّ دور للجامعيين في تطوير أبحاث علمية حول استقلال القضاء وشروط المحاكمة العادلة، هم الذين غالبا ما يدرّسون قرارات المحاكم بقطع النظر عن ظروف اتخاذها؟ ولا ننسى دور الإعلاميين والأحزاب السياسية في تكوين رأي عام حول أبعاد ممارسات التدخل في القضاء ومخاطرها الجسيمة على الحريات العامة ومشروع بناء الدولة.
  • أما الهدف الثالث لرسم البيئة القضائية في هذا العدد الخاص، فهو التمهيد لإعلان "المفكرة" عن مسودتها لمشروع قانون جديد لتنظيم القضاء العدلي، بحيث تكون الاشكاليات المعروضة فيه بمثابة أسباب موجبة له. وتأمل "المفكرة" أن تلقى مقترحاتها اهتمام شرائح واسعة من الرأي العام، فيثرونه بتقييمات نوعية ويضفون عليه من خلال مناقشته أو ربما تأييده المشروعية اللازمة لجعله أولوية على جدول أعمال التشريع. وإذ نقول ذلك، فنحن لا نتوهّم إطلاقا حجم الصعوبات والعوائق التي قد تعترض أيّ مشروع اصلاحيّ (الأصح أي معركة اصلاحية) وبخاصة في المجال القضائي، ولكن نعي في الوقت نفسه أن خطورة المسألة تحتم علينا خوض غمارها.

ختاما، يجدر التنبيه إلى أن مساعي المفكرة للحصول على معلومات من وزراة العدل ومجلس القضاء الأعلى لحاجات أبحاثها، اصطدمت للأسف في معظم الحالات برفض هذين المرجعين بمخالفة صريحة منهما لأحكام قانون حق الوصول إلى المعلومات. وعدا عن أن هذا الأمر أدى إلى تكبيد باحثيها جهودا مضاعفة لبناء قاعدة معلوماتها وتحليلها في الشأن القضائي (وعمليا إلى هدر طاقات اجتماعية كان من الممكن استثمارها في مجال تنموية أخرى)، فإنه قد يزيد من هامش خطأ المعلومات والاستنتاجات التي توصلنا إليها. ومع حفظ حقوق المفكرة لأي جهة في هذا الخصوص، يهمنا منهجيا ومنذ الآن تحميل المرجعين المذكورين المسؤولية كاملة عن الأخطاء التي نكون قد ارتكبناها من جراء مخالفتهما للقانون، في أي من موادّ هذا العمل الذي نضعه في متناول كل مهتمّ.    

للاطلاع على المقال باللغة الفرنسية، انقر/ي هنا 

نشر في العدد الخاص عن القضاء في لبنان، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا  http://bit.ly/2u5t3KM