بمناسبة شهر المرأة، وقبل عدة أيام من عيد/يوم الأم والطفل جرى، في ساحة رياض الصلح،  اعتصامان منفصلان في اليوم والتاريخ، متحدين في الغايات والأهداف، ألا وهي أن "تنال المرأة اللبنانية حقوقها الكاملة وعلى رأسها حقها بمنح الجنسية لأولادها". وفيما اختلف منظمو الاعتصامين، فإن الجامع لهما كان وجع الأمهات اللبنانيات اللواتي عبرن عنه خلالهما. وما يميز التحركات في هذا العام، هو أنها تأتي ونحن على قاب قوسين من الإنتخابات النيابية المقبلة. وعليه فإن هذه المناسبة كانت فرصة للأمهات اللبنانيات ليهددن ويرفعن الصوت عالياً بأنهن لن يمنحن أصواتهن إلاّ للمرشح أو المرشحة اللذين يتعهدان بجعل "مطلب الجنسية" ضمن برنامجهما الإنتخابي.

 

جنسيتي حق لي ولأسرتي

إذاً بتاريخ 16/3/2018 نظمت حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي" اعتصاماً لها في ساحة رياض الصلح، مطلقةً  صرخة "صوتي = حقي" من أجل المساواة التامة والكاملة في قانون الجنسية بين النساء والرجال تحت شعار "صوتي يساوي حقّي في الانتخابات النيابية". وقد شارك في الاعتصام العديد من الأشخاص من مختلف المناطق اللبنانية. وقد تميز النشاط بمشاركة حاشدة للعديد من الأطفال الذين رفعوا الشعارات المنددة بحرمان المرأة اللبنانية بحقها في الجنسية ومنها:"ما تحكونا بالأرقام الحق حق لو كان لواحد أو مليون"، "بيكفي تمييز وعنصرية بدي لأولادي الجنسية"، "وقفوا خطابات رنانة وفرجونا تعديلات حرزانة"،"التغيير بالقوانين..الإصلاح بالتعديل"، "المواطنة اللبنانية ليست نازحة أو لاجئة في وطنها"، و"من يراعي المخاوف الطائفية.. طائفي بإمتياز".

كما تمّ رفع صور المرشحين من هم ضد أو مع حق النساء بمنح الجنسية لأسرتها تحت عنوانين "مع حقّي" و"ضد حقي" وذلك لفرز المرشحين والمرشحات تمهيداً لمحاسبتهم في صناديق الاقتراع. أما النواب والوزراء الذين كانوا مع حق المرأة اللبنانية في إعطاء الجنسية لأولادها حسب الحملة فهم مع حفظ الألقاب: نبيه بري، سعد الحريري، سامي الجميل، عماد الحوت، وائل أبو فاعور،طارق متري، بيار بو عاصي، بهية الحريري، عناية عزالدين، سمير الجسر ونجيب ميقاتي.

أما النواب والوزراء الذين هم ضد حق المرأة اللبنانية في إعطاء الجنسية لأولادها حسب الحملة فهم: محمد فنيش، وجبران باسيل، آلان عون، جيلبيرت زوين، عباس هاشم، حكمت ديب، نعمة الله أبي نصر، نقولا الصحناوي.  

وقد لفتت منسقة "الحملة" المحامية كريمة شبو إلى أن  الأسماء التي رفعت لا تمثل جميع من في السلطة وإنما جاءت نتيجة التواصل مع البعض أو سماع مواقفهم في مناسبات مختلفة.

وقد ألقت كلمة أكدت فيها على "حق كل أم لبنانية، كما تعطي الحياة لأبناءها أن تعطيهم جنسيتها أيضاً"، ولفتت الى أن "كل أم لبنانية صوتها يساوي صوت الرجل في الانتخابات التي تصنع السلطة التشريعية والتنفيذية، وهي تستطيع أن تحاسب في صناديق الاقتراع".

تابعت" شبعنا من الكلام الفارغ والخطابات ماعدنا نريد القول أننا مع الحق "بس" فهذه الكلمة تقف عند حجج طائفية ومخاوف ديمغرافية وحجج عنصرية، ما عدنا نريد كلمة "بس فنحن مع الحق وبس".

ولم تنسَ أن تغمز من زاوية وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل بقولها "في كل زمان ومكان: النساء في لبنان هن الأولوية قبل ان نذهب ونبحث عن مغتربين وسواهم وهم لهم الحق طبعاً، ولكن ليس قبل المراة اللبنانية". وأكدت أن"المحاسبة ستتم في صناديق الاقتراع، ونحن هنا نعلن دعمنا لكل مرشح ومرشحة أثبتوا على مر الوقت أنهم يعملون على الأرض ويدعمون الحقوق كافة لمكافحة العنف ضد النساء إن كان عنفا جسديا أو معنويا أو سواه".

وختمت متوجهة برسالة الى رئيس الجمهورية أن "حق الأم اللبنانية هو أولوية  يجب أن يرعاه ويعمل على تنفيذه".

 

مرعي: الطوائف أكلت حقوق النساء

وقد كانت هناك مداخلة لرئيسة المجلس النسائي اللبناني إقبال دوغان توجهت خلالها بسؤال الى رئيس الجمهورية واصفة إياه بـ"بيّ الكل" وقالت:"هو لديه ثلاث فتيات لو أن واحدة منهن تزوجت بغير لبناني فهل يا ترى سيكون أحفاده غير لبنانيين؟ كل واحد من السياسيين يقيسها على نفسه".

وأكدت أنه "لو بعد مئة عام سنستمر في السعي حتى نحصل على حقنا، فالنساء في لبنان ما عدن سيسكتن فقد خرجن من "القمقم" ولن نقبل بأقل من حقنا". ودعت سيدات لبنان إلى "شطب" كل شخص لا يكون مع حق المرأة في الجنسية (ويبدو أنه سها عن بالها أن القانون الانتخابي الحالي لم يعد يسمح بالشطب، إنما هو يقوم على اللوائح والتفضيل).  

وتوجهت مديرة المعهد العربي لحقوق الإنسان في بيروت جومانة مرعي بالتحية "الى كل أم لبنانية لا تزال متمسكة بحقوقها على الرغم من التعاطي السلبي من قبل السلطة السياسية معها" وقالت:"إن الطوائف أكلت حقوق النساء بالمشاركة السياسية وبالحق في الجنسية والحماية. المرأة اللبنانية لا تطلب سوى المواطنة الكاملة. لن نقبل بعد الآن أن نبقى مواطنات من الدرجة الثانية، وأن يكون هناك حقوق منقوصة للنساء بينما يتمتع بها الرجل. المرأة اللبنانية التي أعطت الحياة لأولادها، حان الوقت كي تعطيهم الحق في الجنسية".

 

الحوت: معركة الوصول إلى حق المرأة في إعطاء الجنسية لأولادها مستمرة

وقد شارك في الاعتصام عدد من الناشطين والناشطات فضلاً عن بعض المرشحات للانتخابات النيابية المقبلة ومن زوار ساحة الاعتصام كان النائب الممدد لنفسه، والمرشح للانتخابات النيابية المقبلة عماد الحوت الذي سبق أن تقدم في أوائل العام 2016 باقتراح مشروع قانون معجل مكرر منح المرأة الحق بإعطاء الجنسية لأولادها. وقد ألقى كلمة أكد فيها أن: "معركة الوصول الى حق المرأة في إعطاء الجنسية لأولادها معركة مستمرة وستصل إنشاء الله إلى تحقيق النجاح في هذا الموضوع".

وفي حديث معه حول مدى تحقق هذا الأمر في المستقبل، قال: "الآن هناك عنصران، الأول أن هناك اقتراح قانون كنت قد تقدمت به والثاني ضغط الرأي العام الممثل بالمتظاهرين في الساحة. وإذا استمرينا على هذا النهج من غير الممكن لإنسان منصف وعادل إلا وأن يتفاعل مع هذه القضية وأن يرضخ في النهاية إلى هذا الضغط ويصوت لصالح اقتراح هذا القانون. قناعتي أننا سنصل إلى هذا الحق المهم أن نبقى صامدين ومثابرين بالمطالبة به". ورأى أن"اليوم الذي سيتم فيه وضع اقتراح هذا القانون على جدول أعمال الهيئة العامة بات قريباً" وقال:"على كل حال الآن نحن لدينا انتخابات نيابية ومن المفروض أن يختار الناس بحسب برامج منها هذا الموضوع وبعد الانتخابات ستبدأ المعركة من جديد وسنصل الى هذا الحق".

 

جنسيتي كرامتي

وبتاريخ 18/3/2018 نفذت جمعية المبادرة الفردية لحقوق الانسان "مصير" ضمن حملة "جنسيتي كرامتي" اعتصامها عند الساعة الثانية عشر من بعد الظهر في ساحة رياض الصلح أيضاً. ورأى المنظمون لهذا التحرك أن الإنتخابات النيابية المقبلة هي فرصة "لكل ناخبة لبنانية وخاصة الأم المتزوجة من غير لبناني، لتحقيق التغيير وذلك من خلال إختيار كل مرشح يدعم قضيتها بمنح جنسيتها لأولادها، وبالتالي عليها أن تختار من يصحح أوضاع أولادها ويأمن لهم أبسط الحقوق من خلال تعديل قانون الجنسية".

اعتصام نهار الأحد كان حاشداً جداً، شارك فيه عدد كبير من الناس من مختلف المناطق اللبنانية، وقد تدافع بعضهم لإطلاق الصرخات عبر وسائل الإعلام المختلفة عسى أن يجدوا لأصواتهم آذاناً مصغية. أما أبرز الشعارات التي رفعت فهي:"صرلي سنين قيد الدرس..أيمتى التخرج"، بين الإصلاح والتغيير حقوق المرأة شي تعتير".

 

أشكال لمعاناة الناس

تروي زينب مطر والدموع تغرق عينيها كيف خاطر ابنها وسافر في أحد زوارق الموت عبر البحر الى الخارج  في ظل عجزها عن منحه الجنسية. وتقول:"كان عمر ابني البكر إثني عشر عاماً عندما رمى حقيبته المدرسية جانباً ونزل إلى سوق العمل. يومها، قال لي: ما نفع أن أتعلم إن كنت لن أتمكن من العمل بشهادتي في هذا البلد. فيما بعد، هاجر في البحر إلى الخارج عبر الزوارق والآن بت محرومة منه. أنا امرأة لبنانية موظفة ومضمونة لماذا لا يحق لأولادي بالجنسية ونحن نعيش في هذا البلد؟ لماذا يضعون علامة x على المرأة اللبنانية أ لأنها اختارت "غريباً" كشريك لحياتها؟ هذا عيب".

معاناة المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي عموماً، مع أولادها يمكن اختصارها في صعوبات في مختلف النواحي الحياتية من التكاليف الباهظة في التعليم في المدارس والجامعات الى الإستشفاء وصعوبة الدخول الى المشافي لتلقي العلاج الى العجز عن الحصول على عمل لائق حتى إذا ما حصل أولادها على شهادات تعليمية عالية. إلاّ أن الصعوبات الكبرى حالياً تواجهها المرأة المتزوجة من سوري الجنسية في ظل الحرب الدائرة في سوريا وقضية اللجوء وما يرافقها من شروط صارمة يفرضها الأمن العام، ومتطلبات تكاد تكون تعجيزية لتجديد إقامة السوريين في لبنان حتى وإن كانت أمهم لبنانية.

وهنا تحدثت نزهة سليم عن معاناتها وقالت: "أنا لدي ثلاثة أولاد وابنتي هذا العام لديها امتحانات في شهادة الثانوية العامة، وقد طلب منها إخراج قيد وصورة عن جواز السفر passport وصورة طبق الأصل عن الإقامة، وورقة تعريف من السفارة السورية كي تحصل على طلب التقدم إلى الامتحانات الرسمية وعليه أجبِر زوجي على طلب إجازة من عمله وجازف بحياته وذهب إلى سوريا ليحضر لابنته الأوراق المطلوبة. وبنتيجة هذه الإجازة، تم خصم بدل أيام تغيبه من راتبه لأنه غير لبناني، فهل يعقل هذا الأمر؟"

تابعت: "أنا لبنانية وأولادي ولدوا هنا وتربوا هنا، ونحن ندفع ضريبة للدولة مثلنا مثل غيرنا، ومع ذلك  في كل عام دراسي ننتظر لآخر الناس حتى يقوموا بتسجيل أولادنا وأحياناً يقولون لنا أنه لا يوجد لديهم أمكان شاغرة وأحياناً يتذرعون بحجج أخرى. زوجي تأخر ثلاثة أيام عن موعد تجديد إقامته تم تغريمه ثلاثمائة ألف ليرة. وفي إحدى المرات، واجه إبني عارضا صحيا وأجبرت على إدخاله إلى المستشفى. لكن الهيئة المتخصصة بمساعدة اللاجئين رفضت تسجيله لأننا لسنا لاجئين، فيما رفضت المستشفى  استقباله فرحت أترجى فلانا وعلاّنا" حتى قبلت إحدى المستشفيات إدخاله. أريد الجنسية لأولادي حتى ينتهي كل هذا العذاب".

أما مشكلة محمود جمال، وعمره 18 سنة، فتكمن بأنه لا يحصل على إقامة المجاملة إلا لمدة سنة وليس ثلاث سنوات كما جرت العادة في حالة أولاد الأم اللبنانية. يعرف محمود عن نفسه بالقول: "أنا من البقاع، في السابق كنت عندما أتوجه إلى الأمن العام لتجديد إقامتي، كانوا يعطوني إياها لمدة ثلاث سنوات. لكن الآن باتوا يعطونني إياها على سنة واحدة والحجة هي أنني من دون عمل. ولكن إن كنت أجنبيا، كيف لي أن أحصل على عمل؟ كذلك  في السابق، كانت الإقامة تجدد بناء على إخراج القيد. أما الآن، فبات إحضار الهوية إلزاميا أو الباسبور وأنا لا أملك هوية ناهيك عن أنني في كل مرة أذهب أدفع المال الذي أعجز عن جمعه في الأيام العادية".

أما حنان أبو حمدان فترى أن "إقامة المجاملة هي مجرد وسيلة لإسكات الأم حتى لا تطالب بحقها". وقالت:" أنا إبني أنهى الجامعة. ولكن لأنه سوري الجنسية، فإن أحداً لا يقبل به حتى أن الإقامة التي يحصل عليها تشير الى أنه يسمح له المكوث في لبنان من دون عمل. علماً أنني متزوجة منذ أكثر من ثلاثين عاماً وأولادي لا يعرفون سوريا".

في العام 1988، تزوج محمود محمد عمر سليمان (مصري الجنسية) من عدلة حمية منذ العام 1988. وخلال حرب تموز، أُصيب إثنان من أولاده، أحدهما عمره 16 عاماً وآخر 18 عاماً، إصابة بالغة نتج عنها  شلل تام لكليهما  وفقدان بالبصر والنطق عدا عن أنهما يأكلان الطعام بواسطة الانابيب. يعجز محمود عن تأمين كلفة علاجهما إذ يحتاجان إلى عملية تصل كلفتها إلى نحو 120 ألف دولار عدا عن حاجته إلى الحفاضات والأدوية وعن ذلك قال: "لا أريد سواء تامين الدواء والحفاضات لهما لكن أحدا لا ينظر الينا". أطل محمود عن إحدى شاشات التلفزة وتحدث عن مشكلته وتم جمع مبلغ 140 ألف دولار له بحسب ما أخبره الإعلامي مقدم البرنامج إلاّ انه لم يحصل من المبلغ سوى على  1750 دولار وعندما راجع المقدم صار يبكي وقال له أن القصة ليست عنده وإنما عند شخص آخر. وقال:"كل ما أريده هو تأمين الإستشفاء لولدّي، كلما توجهت إلى وزير، يأتيني الجواب أنني أجنبي في حين أن أولادي ولدوا وعاشوا في هذا البلد".

إضافة الى الأهالي، سجّل أيضاً حضور عدد كبير من الناشطات في المجتمع المدني. وفي هذا السياق، تحدثت الناشطة نعمت بدر الدين من حملة "بدنا نحاسب"، مطالبةً "كل من يريد أن يثبت صدقه مع المرأة اللبنانية فيما خص الحق بالجنسية عندما يصل إلى البرلمان، أن يتوجه إلى كاتب العدل ويوقع تعهداً بذلك".

يبدو أن التصويت في الانتخابات النيابية المقبلة سيكون سلاح الأم اللبنانية للضغط من أجل الحصول على حقها في منح الجنسية لأبنائها. وقد تحدث رئيس حملة "جنسيتي كرامتي" مصطفى الشعار معتبراً أن "أي مرشح لا يتعهد علناً بالعمل لإقرار قانون يعطي المرأة حقها بمنح جنسيتها لأولادها، فليكن بعلمه أن كل محيط اللبنانيات المتزوجات من غير لبناني وأولادهم لن يقوموا بانتخابه".

وطالب الشعار وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق ومدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم بعفو عام عن كل أبناء الأم اللبنانية كاسري الإقامة، ليصار إلى تصحيح أوضاعهم من دون أي غرامات أسوة باللاجئين أقله.

وانتهى الشعار إلى شكر وزير التربية والتعليم العالي مروان حمادة لـتجاوبه مع مطلب الحملة وإصدار التعاميم لمعاملة إبن الأم اللبنانية المتزوجة من غير اللبناني، بالإضافة لتسهيل أمور المدارس وامتحانات الشهادة الرسمية.