تأتي الانتخابات الرئاسية بمصر في مشهد سياسي مضطرب حيث تخلو الساحة من المرشحين الحقيقيين في مواجهة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. فتراجع في وقت سابق المحامي خالد علي عن تقديم أوراق ترشحه للانتخابات، كما تمت إحالة كل من العقيد بالجيش أحمد قنصوة والفريق المتقاعد سامي عنان إلى المحاكمة العسكرية بعد إعلانهما نيتهما الترشح للانتخابات؛ بالإضافة إلى التحفظ على أحمد شفيق والضغط عليه وتهديده للتراجع عن نية الترشح للانتخابات. وتأتي الانتخابات بالتزامن مع إعلان النظام تمديد حالة الطوارئ بداية من 13 يناير ولمدة 3 أشهر تنتهي في 13 إبريل؛ ليزيد من المخاوف والتساؤلات من إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل قانون الطوارئ وتمتع المواطنين بحق التجمع السلمي والتعبير عن آرائهم السياسية وإمكانية الوصول للمعلومات لمندوبي المنظمات المحلية والدولية.

كما تجدر الإشارة إلى أن المعارضة دعت إلى مقاطعة الانتخابات لفضح النظام. كما أن عددا من المنظمات انتقدت الانتخابات الرئاسية، معتبرة أنها “ليست حرة ولا نزيهة ”ونددت بالمناخ السياسي“ الذي يحرم الناس من حقوقهم في المشاركة السياسية وفي حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي ”وبالاطاحة بمنافسين رئيسيين للسيسي أعلنوا نيتهم الترشح للانتخابات، ورددت بأن أي انتخابات معروفة نتيجتها مسبقاً ليست انتخابات، لكنها فوز بالتزكية أو هي استفتاء، كما أن المنافسة القوية وعدم التأكد من الفوز هي أهم سمات أي انتخابات حقيقية.

تأتي أهمية مراقبة هذه الانتخابات لأسباب تتعلق بتكريس آلية المراقبة وتعزيز مبدأ الشفافية، و تُسهم في ترسيخ المبادئ الديمقراطية والتي تتجسد بتأسيس نظام حكم ديمقراطي واحترام حقوق الإنسان وتعزيز مبدأ حكم القانون وكذلك احترام الإرادة السياسية. بالإضافة إلى أن مراقبة الانتخابات آلية مهمة لتأريخ هذه الفترة وفضح الانتهاكات التي ستتم بها. ولكن نجد أن الهيئة الوطنية للانتخابات تخبطت في قراراتها المتعلقة بالمراقبة على نحو مخيب للآمال.

 

التراجع عن ضوابط قبول المنظمات المراقبة للانتخابات

 أصدرت اللجنة القرار رقم 8 لسنة 2018 بشأن ضوابط تنظيم قبول منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية للمراقبة على الانتخابات الرئاسية تناولت صراحة عدداً من الشروط يقتضي توفرها لدى المنظمة الراغبة في مراقبة الانتخابات. وهذه الشروط هي الآتية: أن تكون المؤسسة ذات سمعة دولية ومشهود لها بالحيدة والنزاهة. ويكون من ضمن مجالات عمل المنظمة الأصلية متابعة الانتخابات وحقوق الإنسان، فضلاً عن خبرة سابقة في مجال متابعة الانتخابات خلال الثلاث سنوات السابقة. ولكن هذه الشروط ظلت حبراً على ورق وخاصةً شرط الخبرة السابقة، حيث قبلت الهيئة بقرارها رقم 28 لسنة 2018 أربع منظمات دولية لا تتمتع بشرط الخبرة في مراقبة الانتخابات مثل "منظمة متطوعون بلاحدود ، والمنظمة المسكونية لحقوق الإنسان والتنمية، ومنظمة المرصد الأشوري لحقوق الانسان، ومركز بروكسل الدولي للبحوث وحقوق الإنسان"، حيث خلت المواقع الالكترونية الخاصة بالمنظمات السابقة من أي معلومات عن خبرتها السابقة في متابعة الانتخابات أو تقارير عن هذه المتابعة في مصر أو أي دولة أخرى. كما أصدرت الهيئة قرار آخر بقبول عدد من المنظمات الدولية الأخرى منها "رابطة المعونة لحقوق الإنسان والهجرة"، لم تشارك بالمراقبة إلا مرة واحدة وهي الانتخابات الرئاسية المصرية السابقة 2014.

وربما يفسر مثل هذه الخطوة من جانب السلطات بمصر من دعوة وقبول منظمات لا تتمتع بالخبرة؛ كمحاولة لإعطاء العملية الانتخابية نوعا من الشرعية، وتصدير صورة الانتخابات الحرة والنزيهة وأنها قائمة على أساس احترام مبادئ حقوق الانسان والحريات الأساسية.

بالإضافة إلى ذلك، قامت الهيئة بمد فترة تقديم المنظمات الراغبة في المراقبة عشرة أيام أخرى لتنتهي المدة بتاريخ 26 يناير بدلاً من 15 يناير، وهو ما يرجع إلى عدم إعلان منظمات دولية لها باع بمراقبة الانتخابات رغبتها بمتابعة الانتخابات الرئاسية القادمة. وقد يكون موقف المنظمات الدولية من الانتخابات المصرية تطبيقاً لنص المادة 12 من إعلان مبادئ المراقبة الدولية للانتخابات والتي حذرت المنظمات من إرسال بعثات دولية لمراقبة الانتخابات بدول في ظل ظروف يحتمل أن توحي من الغرض من وجودها إضفاء صفة الشرعية على عملية انتخابية يبدو جلياً انها لا تتصف بالديمقراطية.

وبذات السياق تقدم عدد من نواب البرلمان المصري بطلب إحاطة لرئيس الهيئة الوطنية للانتخابات لمنع عدد المنظمات الحقوقية المصرية من مراقبة الانتخابات الرئاسية متهمين المؤسسات الحقوقية بتشويه صورة مصر وبلورة صورة غير حقيقية عن الأوضاع داخل البلاد.

 

تحصين قرارات هيئة الانتخابات  

استقرت الاتفاقيات والمواثيق الدولية أن وجود سلطة قضائية مستقلة محايدة يعتبر عاملاً مهماً وأساسياً من أجل ضمان حرية ونزاهة الانتخابات ويشكل الضمانة لجميع المواطنين للاعتراض على أية خروقات قد تواكب الانتخابات، وينبغي أن تكون السلطة القضائية بمعزل عن أي تأثيرات من أي جهة رسمية أو غير رسمية تشارك في الانتخابات.

وقد أثار الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 21 فبراير الجاري لغطاً واسعاً حيث قضت المحكمة بعدم قبول الطعن المقام من المحامي طارق العوضي، لاستبعاد المرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى المنافس للسيسي، من سباق الانتخابات. وقد بررت المحكمة حكمها بتفسير ضيق لعبارة "ذوي الشأن" أي الذي يحق لهم الطعن على قرارت الهيئة الوطنية للانتخابات، بحيث حصرت الطعن على قرارات هيئة الانتخابات بالمرشحين فقط، دون غيرهم من المواطنين، مبررة ذلك بتفادي دعاوى الحسبة، وأن قانون الانتخابات الرئاسية يقيد عبارة "ذوي الشأن" الواردة في قانون الهيئة الوطنية للانتخابات على المرشحين الرئاسيين فقط وأن المواطنين ليس لهم صفة أو مصلحة في الطعن. وهو ما يُنشئ قاعدة قانونية تمس حق المواطنين في اللجوء للقضاء للطعن على إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية، بالمخالفة للاتفاقيات والإعلانات والمواثيق الدولية التي قررت بوجوب إحاطة المواطنين ومنظمات المجتمع المدني بالأُطر القانونية للعملية الانتخابية والمشاركة في صياغتها ومراقبة عملية تطبيقها والطعن عليها. 

 

خاتمة

اعتبرت السلطات المصرية المراقبة الدولية على الانتخابات هدفًا بحد ذاتها، من أجل منح نوع من الشرعية للانتخابات وإضفاء المصداقية عليها. وذلك عن طريق استغلال منظمات ليس لديها خبرة تؤهلها لزيادة ثقة المواطن بالعملية الانتخابية وكذلك تؤكد للمعارضة المشككة بنزاهة العملية الانتخابية بأن تلك الأخيرة قد تمت وفقاً للمعايير المهنية كمبدأ الحيادية والشفافية. يأتى هذا بالتزامن مع محاولة النظام المصري التشكيك بوطنية جمعيات ومنظمات المجتمع المدني المصري لمحاولتها نقل أجواء التنكيل بالناخبين والمرشحين نتيجة اختياراتهم. وعدم توفير المناخ الديمقراطي والحريات الأساسية، ولا سيما حرية الترشح وحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وتشكيل الأحزاب والجمعيات وسيادة القانون.

 

- خبر بموقع BBc  عربى بعنوان (مصر: السجن لعقيد الجيش أحمد قنصوة بتهمة "إبداء آراء سياسية على فيسبوك مرتديا الزي العسكري" ) بتاريخ 19-12-2017.

-  كتبت علا خطاب بجريدة المصريون " نيويورك تايمز تكشف:أسباب انسحاب "شفيق" من انتخابات الرئاسة " بتاريخ 8-1-2018 .

- أعلن النظام المصرى مد حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر بالقرار الجمهورى رقم 647 لسنة 2017 ، والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 31/12/2017.

خبر بموقع عربي 21 بعنوان "تصاعد دعوات مقاطعة الانتخابات الرئاسية بمصر"، تاريخ 30-1-2018.

- بيان لمركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان "14  منظمة دولية وإقليمية: الانتخابات الرئاسية المصرية القادمة ليست حرة ولا نزيهة، وعلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتخاذ موقف" نشر بتاريخ 13/2/2018 .

انشئت بموجب القانون رقم 198 لسنة 2017 بشأن الهيئة الوطنية الانتخابات ، ونشر بالجريدة الرسمية العدد 30 مكرر (ب) بتاريخ 1 / 8 / 2017.

- القرار رقم 8 لسنة 2018 الصادر عن الهيئة الوطنية للانتخابات بتاريخ 8 يناير 2018 بشأن مواعيد و ضوابط متابعى منظمات المجتمع المدنى المحلية والاجنبية والدولية للانتخابات الرئاسية لعام 2018.

 

- القرار رقم 28 لسنة 2018 بشأن قبول طلبات منظمات المجتمع المدني الأجنبية والدولية لمتابعة الانتخابات الرئاسية لعام 2018 والصادر بتاريخ 24/1/2018.

- حساب منظمة متطوعون بلا حدود على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، الموقع الرسمي للمنظمة بشبكة المعلومات الدولية (الانترنت) انتهى اشتراكه بتاريخ يوم ١٢ يناير ٢٠١٨ ولم يتم تجديده . https://www.facebook.com/VolunteersWithoutBorders

- الموقع الخاص بالمنظمة المسكونية لحقوق الإنسان والتنمية http://www.eahrd.org/

- الموقع الخاص بمؤسسة المرصد الأشوري لحقوق الإنسان http://www.assyrianmonitor.com/

- الموقع الرسمي لمركز بروكسل الدولي للبحوث وحقوق الإنسان http://www.bic-rhr.com/ar/bic-rhr-welcomes-new-colleagues-this-week/ 

- القرار رقم 31 لسنة 2018 والصادر بتاريخ 29 يناير 2018.

- الموقع الرسمي لمؤسسة رابطة المعونة لحقوق الانسان والهجرة  http://www.maonah.org/maonah/

- القرار رقم 20 لسنة 2018 الصادر من الهيئة الوطنية للانتخابات بشأن مد فترة تقدم منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية لمراقبة الانتخابات.

- كتب محمد عيسى بجريدة الوطن "حيثيات عدم قبول استبعاد موسى من "الرئاسية": "الطعن حق للمرشحين فقط" بتاريخ 21/2/2018 .

- تنص المادة 12 من قانون 198 لسنة 2017 بشأن الهيئة الوطنية لالنتخابات " لكل ذي شأن، الطعن على قرارات الهيئة، خلال ثمان وأربعين ساعة من تاريخ إعلانها .وتختص المحكمة الإدارية العليا بالفصل في الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية ونتائجها .وتختص محكمة القضاء الإدري بالفصل في الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالانتخابات المحلية ونتائجها . وتقدم الطعون إلى المحكمة المختصة وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في قانون مجلس الدولة."

- دعوى الحسبة :هى دعوى قضائية بالنظام القضائي المصري تنشأ عن طريق تقدم أحد المواطنين ببلاغ للنيابة العامة بأتهام أحد الاشخاص بأتهامات تتعلق بالإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو المبادئ الدينية، وتقوم النيابة بالتحقيق فى الشكوى وتحيلها للمحكمة أو تحفظها. وذلك أستناداً للقانون رقم 3 لسنة 1996 قانون تنظيم إجراءات مباشرة دعوى الحسبة في مسائل الأحوال الشخصية.