على هامش الدورة التدريبية التي نظّمتها المفكرة القانونية بالتعاون مع منظمة "ديجوستيسيا" حول"الإعلام والقضاء"، بين 13 و17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، والتي ضمّت عدداً من الصحافيين والباحثين والقضاة من مختلف الدول العربية، أجرت المفكرة القانونية هذه المقابلة مع أحد أبرز المتحدثين في الدورة، القاضي والأكاديمي الفرنسي دنيس سلاس Denis Salas. شكّل سلاس نموذجاً متميزاً لعمل القاضي: فبالإضافة إلى مناصبه كقاضي تحقيق وقاضٍ للأحداث، شغل سلاس مناصب بحثية في عدة منظمات ذات صلة بعالم العدالة ولا سيما في معهد الدروس القضائية في فرنسا ومعهد الدراسات العليا بشأن القضاء. في هذا الإطار، عمل سلاس بشكل حثيث على أبحاثٍ في مجال القضاء، ولا سيما تاريخ القضاء في فرنسا وجدلية تفاعل القضاء والمجتمع.

خلال الدورة، قدّم سلاس ورقة بحثية عن تطور علاقة الإعلام والقضاء في فرنسا ودور القضاة أنفسهم بتعزيز وتطوير هذه العلاقة. وقد تحدث سلاس في ورقته بشكل مسهب عن التغير الحاصل في هوية العدالة وإنتقالها من عدالة "غير مرئية" (invisible)  إلى عدالة مرئية (visible). وقد فسّر هذا التحول الثقافي من خلال تطور علاقة القضاء والإعلام. فمن جهة، ساهم "التحرر القضائي" من السلطة التنفيذية بتطوير المنحى المرئي للعدالة وولّد شراكة بين الإعلام والقضاء. وعليه، رأينا الإعلام يواكب القضاة في قضايا كشف الفساد وملاحقة المتورطين فيه. وتبعا لذلك، بات القضاة تحت المجهر الإعلامي أكثر فأكثر، في موازاة اكتساب استقلاليتهم. من جهة أخرى، فقد مكّنت هذه الإستقلالية المكتسبة حديثاً القضاة من تطوير دورهم في الحيّز العام من خلال تكريس أنفسهم كمتحدثين للرأي العام والإعلام. وهكذا، انتقلت العدالة من عدالة منطوية على نفسها وتحت وصاية السلطات السياسية، إلى عدالة مرئية اكتسبت إستقلاليتها عبر "غزو" قضاتها للفضاء العام.

أجرت المفكرة القانونية هذا الحديث مع سلاس حول تجربته الرائدة في القضاء والأكاديميا، ولا سيما في ما يتعلق بتفاعل القضاء مع الإعلام.

 

حاوره: نزار صاغية وسامر غمرون ولمى كرامة

وكتبت نص الحوار لمى كرامة

 

المفكرة: تقدّم اليوم نموذجاً متميزاً لعمل القاضي. حدّثنا أكثر عن مسارك المهني وكيفية دمج البحث بالمهنة القضائية:

بالطبع كان المسار الذي اتبعته غير نمطي لأنني باحث جامعي، وفي الوقت نفسه قاضٍ. عندما أسس ميشال روكار (Michel Rocard) معهد الدراسات العليا بشأن القضاء  (l'Institut des hautes études sur la justice) ضمن وزارة العدل في عام 1990، رغبت أن أتطوع فيه، فساندته وأسسنا المعهد بالقليل من الموارد. كان لدينا ميزة لأننا تواجدنا في قاعة معهد الدروس القضائية. لذلك التقينا بجميع القضاة الذين كانوا يترددون إلى هناك بانتظام. ثم كان هناك اجتماعات مع باحثين في الفلسفة، مما سمح لنا بتحرير عملنا من المقاربة القانونية البحتة وربطه بآفاق أخرى. كانت لحظة "تفكيك" العدالة بالمعنى الأكاديمي.
لدينا اتصال مع بلدان أوروبية أخرى في هذا المجال، وألاحظ أن القضاة الذين لديهم وظائف نقابية هم الذين يشغلون هذا المنصب. بحسب معرفتي لا يوجد معهد مواز في أوروبا. في فرنسا، هناك قاضيان منتدبان إلى وظائف البحث بدوام كامل، ولكن يتعاقد المعهد بشكل منتظم مع مختبرات للبحوث، تلعب دوراً هاماً في البحث والإنتاج المعرفي داخل الوزارة. كما وأن هذه البعثة تجمع وتنشر في العديد من المجالات عمل هذه المؤسسات المختلفة. إلى جانب أولئك هناك أيضا أساتذة جامعيون، لجان علمية وبحثية، باحثون في الفلسفة والعلوم الاجتماعية.

المشكلة التي نواجهها هي أن الغالبية في المعهد هم من القضاة. لذا نتهم في بعض الأحيان أننا نقف إلى جانب المؤسسة القضائية. ولكننا بنينا ما يكفي من الحياد والموضوعية المهنية لتجنب هذا الاتهام والعمل في ولاء للمؤسسة والأكاديميين والمهنيين الذين يساعدوننا. الباحثون يحبون العمل على القضايا المرتبطة بالشرطة والسجن أكثر من الأمور المتعلقة بالقضاة والعدالة.

 

المفكرة: كيف ينظر القضاة الفرنسيون والأوروبيون إلى هذا النموذج؟

بالنسبة إلى نظرة زملائي القضاة لهذا النهج، ففي بادئ الأمر يُنظر إليك كشخصية غير مألوفة بعض الشيء. ولكن بعد نشر المقالات والبحوث والآراء تصبح معروفاً، فيتم ذكر أعمالك كمرجع للقضاة المتدرجين في امتحاناتهم. وبالتالي تزداد قيمتك الفكرية وتقلّ الانتقادات ويزداد الانتماء إلى تيارك الفكري. هذا لا يمنع وجود الصراعات دائماً، ولكن في الإجمال، مع مرور الوقت يتشكل نوع من القبول لهذا الموقف وحتى الاعتراف والإقرار به. قول ذلك قد يعكس غروراً بعض الشيء ولكن لدي شكل من أشكال الاعتراف والمكانة السياسية الجيدة بين البرلمانيين الذين كثيراً ما يستشيرونني في موضوع معين.

إن الهدف اليوم هو ضمان مشاركة الأجيال القادمة في هذا الإرث وبذل الجهد لازدهاره. لدينا أكاديميون مبدعون جداً وبعض القضاة ذوو الخبرة النقابية. هكذا يمكننا إنجاز الأمور، من خلال التفكير الذي نطلقه والقدرة على الإقناع التي نمتلكها، ونشر أعمال بحثية علمية لإقناع الرأي العام حول طروحات معينة. المثقف يحشر بحريته في التفكير أولئك غير القادرين على الإجابة، أولئك الذين لا يعرفون سوى التعاطي بالقوة والعنف.

كانت الظروف غير مؤاتية لهؤلاء المثقفين في عهد ساركوزي. لحسن الحظ كان بامكاننا اللجوء إلى وسائل الإعلام. ولكن على الرغم من ذلك، أقيل بعض القضاة من مناصبهم دون التمكن من العودة اليها. كان عهد ساركوزي عنيفا للغاية بالنسبة للقضاء.وكان أكثرهم استهدافاً قضاة النقابات والمثقفون. أولئك الذين حظوا بدعم وسائل الإعلام تمكنوا من المحافظة على عملهم. أما الآخرون فتمت إقالتهم. استعدنا حريتنا في ما بعد، ولكن الأمور لم تكن سهلة دائما.

 

المفكرة: تحدثت عن تغيير في هوية القاضي بعدما أصبحت شؤون العدالة "مرئية" visibles. ما أثر ذلك على المناهج في معاهد الدروس القضائية؟

القضاة الذين يشغلون مناصبهم غالباً ما يكونون مؤهلين جداً في الدراسات القانونية ولكن تنقصهم الخبرة الإنسانية. مهنة القاضي هي مهنة قاسية على حد سواء تجاه نفسه، وتجاه الآخرين، لذلك نحاول تنشئة القضاة المبتدئين، الذين يتم اختيارهم في المعهد من بين خريجي الجامعات. خلال فترة التكوين هذه، يستوعب القاضي التحول الثقافي، على نحو يجعله أكثر قدرة على ممارسة وظيفة القاضي وما تصطدم به من عنف اجتماعي. هذه الأمور لا تدرس في الجامعات. نحن نكتسب هذه المهارات من خلال مواجهة الصعوبات. وعلينا أن نتعلم ما هو الحياد، وكيفية العدول عن العنف.

كنت قاضياً للأحداث لمدة ثماني سنوات، وكان منصب يصعب توليه لأنه كان هناك عدد كبير من الملفات، وعنف اجتماعي دائم. لذلك، لا يزال عمل القاضي صعباً جداً ويجب تهيئة القضاة المتدرجين لهذه المواجهة، والصراع الاجتماعي والعنف المتأصل فيه.

 

المفكرة: كيف تقيّم تواصل القضاة مع الإعلام في فرنسا؟

هناك روابط ثقة. على سبيل المثال لدي علاقة ثقة مع بعض الصحافيين الذين أعرفهم وأثق بهم ويمكنني التحدث إليهم. هناك مشكلة: قد نتحدث إلی أحد المراسلین لمدة ساعة، لكنه لا يحفظ سوى فكرة أو فكرتين قد تکون مختلفتين تماماً عن محتوى المقابلة. كذلك، في الصحافة المكتوبة، قد يقوم رئيس التحرير بتغيير عنوان المقال، ويكون مغايراً تماماً للمحتوى. لذا، من المهم أن نثق بالصحافي الذي سينقل بموضوعية الفكرة الأساسية من المقابلة.

هذا لا يدرّس في المعاهد بل يكتسب في العمل الذي نقوم به مع الصحافة على أساس يومي ومع الوقت والخبرة. هناك أيضا جمعيات للصحافيين تعقد حلقات نقاش. وقد جرت مؤخراً مناقشات كثيرة حول تغطية قضايا الإرهاب مثلاً. كل هذا العمل الفردي والجماعي يوثق، مع مرور الوقت، الروابط مع مجموعة من الصحافيين. هنالك أيضاً صحافيون قضائيون يغطون تحديداً قضايا المحاكم، ويتواصل كثير منهم لهذه الغاية مع القضاة. لذلك عندما يكون هناك قضية هامة، فإن المتحدث باسم مكتب النيابة العامة في باريس يعطي معلومات لهذه المجموعة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أننا في فرنسا يتم اعتماد الصحافيين لمتابعة الشؤون القضائية من مكتب النيابة العامة في باريس. ولم يحصل أن رفضت النيابة العامة طلب اعتماد. لا توجد رغبة في حرمان الصحافة من الدخول إلى قاعات المحاكمة، لكن قد نجد مشكلة في نقص عدد المقاعد في هذه القاعات. وعندما نتوقع حضور عدد كبير من الصحافيين، نضع شاشة حتى يتمكنوا من متابعة وقائع الجلسة، فيجلس الصحافيون في هذه الحالة في غرفة مختلفة لمتابعتها.

زرت كمبوديا مؤخراً، ورأيت أن قاعة المحكمة تضم ثلاثمائة مقعدا وشاشة عملاقة في كل مكان للصحافيين. ثمة بنية قضائية مكرّسة تماماً للتواصل مع المجتمع من خلال هذه الوسائل.

 

المفكرة: تتحدث عن علاقة مميزة مع بعض الصحافيين. ما هي الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة؟ وألا يشكل وجود "علاقة مميزة" بين قاض وصحافي عاملا سلبيا؟

خلال الفترة الزمنية التي ذكرتها سابقاً،  كنت أخاطر بأن يتم استدعائي من قبل رئيسي الهرمي إذا عبرت عن رأيي في وثيقة خطية. من حيث المبدأ، نحن أحرار في التعبير عن آرائنا. ولكن عندما تصبح علنية، قد يتم تقبل حرية التعبير، كما قد يكون هناك ردة فعل عكسية ويتم استدعاؤنا لمنعنا من تكرار هذا التصريح مرة أخرى. في تلك الفترة، كان يمكن أن يتعرض القاضي في حال نشر أوراق أو وثائق، حتى البحثية منها، إلى مضايقات عدة وحتى إلى التهديد. لكن اليوم لم تعد تمارس ردات الفعل السلبية هذه. إذا عدت أكثر في الزمن إلى الوراء، يمكنني أن أستذكر أن الوصول إلى حرية التعبير كان أمرا مثيرا للاهتمام ولم يتم بسهولة، وكان نتاج عمل جماعي بيننا. تكمن أهمية الأمر في عدم اللجوء إلى وسائل الإعلام لمساعدة أحد على حساب الآخر أو لمهاجمة شخص ما. عليك أن تكون علمياً وتوثيق ما تقوله بالأدلة، الأرقام، التحاليل والمراجع الموثوقة. هكذا يمكنك تجنب التناقضات التي قد تنشأ في وقت لاحق.

 

المفكرة: ما هو تقييمكم العام للتواصل التي تقوم به النيابة العامة؟ وما هي نصائحك؟

أعتقد أنه لا يمكن تجزئة دور المتحدث باسم القضاء. المتحدث هو نتيجة فوز القضاة لاستقلاليتم وليس أمراً يخرج من العدم. هو موجود لأن السلطة القضائية والنيابات العامة قد كسبت إستقلاليتها وإمكانية العمل في الحيز العام، لذا يتكلمون فعلاً في إطار الاستقلال الذي كسبوه. أعتقد أن هذه شرعية ديمقراطية قوية جداً لأن ولادة هوية القضاء الجديدة تتم من خلال اتخاذ المواقف في الفضاء العام، مثل المواقف التي اتخذها فرنسوا مولين (François Molins) بشأن الإرهاب. فهو لم يعطِ  تحاليل عن الإرهاب، إنما معلومات حول حالة واقعية، صيغت بدقة مع وجود نص كامل يقرأه، فليس بإمكانه ارتكاب الأخطاء. هنالك مسؤول تواصل يساعده. فمثلاً، لا يمكنه أن يخطئ باسم الضحية أبداً، لذلك يعمل كثيراً على هذه القائمة مع المستشفيات لأنه متى أعلنها، تصبح فعلا يتمتع بقوة كبيرة يتلقاها الرأي العام كما هي.

الأمر الثاني هو النيابة العامة المالية. هناك نيابتان في فرنسا هما مكتب النيابة العامة والنيابة المالية. مكتب النيابة المالية لا يتم التواصل معه إلا بالرسائل المكتوبة، لذا يزن كل كلمة تكتب، ويأخذ مواقف جريئة للغاية خاصة خلال الحملات الانتخابية. كان اتهام فرانسوا فيون هائلاً، لذلك تم الإعلان عنه عبر بلاغ مكتوب يوضح سبب التحقيق معه. ولكن وراء هذا البلاغ هنالك بنية كاملة، "غزو الاستقلال" هو الذي يشكل أساس هذا الإعلان. هذه الأفعال أكثر أهمية من الدستور: هذا عمل شجاع لا يمكن الرجوع عنه. هذه الأعمال تؤسس لاستقلالية القضاء.

 

المفكرة: لقد أشرتم إلى الشرعية الديمقراطية، هذه الثقافة الجديدة للقاضي الذي يعبر عن نفسه في الفضاء العام. هل تعتبر أن هذه الشرعية لطالما افتقدتها السلطة القضائية؟

كان هنالك شرعية انتخابية بالتصويت وكانت حاسمة في تصميم الديمقراطية في التاريخ. ولكن هذه الشرعية ليست الوحيدة اليوم. هناك شرعيات أخرى أضيفت إليها وهي ثلاثة: الحياد، المرونة والقرب. وهذا مهم جداً لإعادة ترتيب مكانة القضاء في الأنظمة الديمقراطية. أرى شرعية تظهر بشكل خاص من خلال حياد النيابة العامة. هذه الشرعيات الجديدة تأتي مع العدالة لبناء الديمقراطية. قد يكون هناك تناقض بين الشرعية الانتخابية والشرعية القضائية. هذه حالة فرانسوا فيليون، فهو قد تلقى الشرعية الانتخابية لتمثيل حزبه السياسي. ولكن المدعي العام المالي اتهمه بتوظيف زوجته في وظائف وهمية، وبالتالي كان عليه تبرئة نفسه أمام القضاء. لذلك في قضيته كانت الشرعيتان متناقضتين. وهذا مثال جيد جداً على الشرعية القضائية المتنامية التي تواجه الشرعية الانتخابية.

 

المفكرة: هنالك بعض الأشخاص المشككون بدور المتحدث باسم المحكمة، ويقولون أنه من خلال إنشاء نظام التواصل هذا لن يتلقوا المعلومات أبداً وإن البيانات ستكون دفاعية إلى حد ما، لأن هناك شكوكا حول نزاهة القضاء وشفافيته. ما رأيك؟

إذا كان لدى الصحافي شك في صحة أحد البيانات، فذلك لأن القضاء لم ينجز هذا التغيير الثقافي لتحقيق الاستقلال. وما يفاقم هذه الشكوك هو الخطابات السياسية. لذلك لا ينظر إلى البيان على أنه نزيه، بل ينظر إليه على أنه تلاعب محتمل من الطبقة السياسية. سابقاً، لم تكن البيانات القضائية تهم أحداً بسبب وجود سيطرة سياسية طاغية، ولم تكن النيابة العامة مستقلة. ولكن الفرق يكمن الآن في أن من يصدر هذه البيانات هو القضاة ولا شبهة لتدخل السياسيين أو وزير العدل فيها. لذلك أنا أفهم جيداً هذا التردد في تقبل النمط الجديد في التواصل خوفاً من استغلال وسائل الإعلام كما كان في الماضي. ولكن بما أن المؤسسة اكتسبت استقلاليتها في فرنسا فإن الأمر اختلف.

 

 المفكرة: برأيك، متى يمكن القول بأن المؤسسة القضائية اكتسبت استقلاليتها؟

أنها عملية طويلة، وليست السلطة التشريعية من تبادر إليها. هي عملية بنيت من قبل المهنيين، والنقابات، والأكاديميين، ووسائل الإعلام. كما أن انهيار مصداقية السياسة قد أعاد الصلاحية الرقابية للقضاء، مع ما استتبعه ذلك من مناقشات تؤيد القضاة أو تنتقدهم. ولكن في نهاية المطاف، يتمتع الجميع بالاستقلال الذي حصده القضاة وخاصة النيابة العامة. وقد أدى هذا الواقع إلى توطيد العلاقة بين المحامين والمدعين العامين والصحافيين. النيابة العامة هي الرابط الذي تم بناء علاقة الثقة هذه بفعله.

كذلك، علينا ألا نتجاهل قرارات المحاكم التي هي نفسها مكتوبة. إن تعليل القرارات القضائية مهم ويجب أن يولى اهتماما لذلك، لأن قراراً مبرر جيداً هو قرار تثقيفي يسير في اتجاه علاقة أفضل مع الجمهور. امكانية الجمهور الحصول على هذه القرارات أيضا مهم جداً.

 

المفكرة: كباحث في العلوم الإجتماعية، كيف ترى مفهوم استقلالية القضاء؟

غالبا ما يأتي القانون بعد التغيرات الاجتماعية. وعندما تكلمت عن التحقيق مع السياسيين، من الضروري فهم أن ليس القانون الذي أذن للقضاة بذلك.

لذلك، فإن إتباع النهج التحليلي للعلوم الاجتماعية يسمح لنا بفهم هذا الإتجاه لدى القضاة. فبحسب المفهوم الإجتماعي، يقتضي أن ينال عمل القضاة دعم الرأي العام، مما يعطيه المصداقية، ويؤدي إلى إعتماد الإجراءات الإصلاحية في ما بعد. لا يقوم النهج الاجتماعي على التشريع أولاً ومن ثم التغيير، بل التغيير ومن ثم تكريسه بالتشريع.

 

 

المفكرة: شغلت منصب قاضي الأحداث، وهو منصب لا يسعى إليه كثير من القضاة في لبنان. ماذا عن فرنسا؟  

هي مهمة صعبة جداً، وقُلِلت أهميتها من قبل الهرمية القضائية، ولكن هي مقدّرة من قبل المجتمع في فرنسا. هذه المهمة تقوم على تعاون حثيث بين قضاة الأحداث، المعلمين، المربين والأطباء النفسيين الملتزمين بالتغيير. هي مهنة منظمة جماعياً، متمسّكة بقيم معينة وتحظى بدعم جماعي. بالطبع، قد يتم تقليل أهميتها من قبل الهرمية القضائية، ولكن هي ذات أهمية لدى الرأي العام. هذا أمر مهم جدا لأن هناك كراهية ورغبة في معاقبة المراهقين الجانحين اليوم. وقد قاومنا ذلك بوجه سياسات ساركوزي وجميع السياسات الأمنية اليمينية وحتى اليسارية. التجمعات المهنية مهمة جداً للحفاظ على الحقوق ضد محاولات تفكيك تشريعاتها من قبل السياسيين.

 

المفكرة: تقدم حالياً برنامجا إذاعيا عن القانون والأدب. ما أهمية هذه المقاربة؟

أعتقد أنه يجب تحرير عالم القانون من الملل الذي يطغو عليه وذلك من خلال القصة والخيال. استطعت خلق الكثير من الندوات في هذا المجال في معهد الدروس القضائية. أعطي قراءات للقضاة المتدرجين لنتناقش فيها بعد أيام، وهي أغلبها أعمال كلاسيكية ينطوي نصها على مهنتهم، وعلاقاتهم. ولدت هذه المقاربة في الولايات المتحدة وتطورت أكثر فأكثر وفقا لفكرة أن معلومات رجل القانون لا ينبغي أن تكون قانونية بحتة بل يجب أن تنفتح للأدب. فعلى القاضي أن يعزز قدراته لفهم ما يختلج الخصوم الذين يمثلون أمامه من مشاعر، وبالتالي لا ينبغي أن يقارب الأمور من نهج قانوني بحت. أعتقد أن للأدب مساهمة هامة في القانون. في فرنسا، علينا أن نكافح الفلسفة الوضعية للقانون، وهي نظرة "جافة" له. أنا شخصيا أقوم بإعداد العديد من البرامج الإذاعية، وهي طريقة جيدة للتواصل مع الناس غير المختصين في القانون.

 سينشر الفيديو الكامل لمداخلة سالاس قريباً على الموقع الإلكتروني للمفكرة القانونية.

 

نشر في العدد 53 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2EleXWj