بتاريخ 27/11/2017، أصدرت محكمة الجنايات في بيروت حكماً منعت فيه العقاب عن امرأة أُرغمت على ممارسة الدعارة من قبل زوجها. وهو أوّل حكم قضائي ترصده "المفكرة القانونية" يعفي ضحية استغلال جنسي من العقاب. يؤشر هذا الحكم إلى تغيير في مقاربة المحاكم اللبنانية لمفهوم الإرادة الجرمية للنساء اللواتي يتم استغلالهن في الدعارة بعد صدور قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص في العام 2011. يبقى أنه رغم إعفائها من العقاب، فإن المحكمة انتهت إلى ذلك بعد محاكمتها مع زوجها المستفيد من استغلالها، بما يخالف التوجه الحاصل بخصوص شبكة "شي موريس" حيث أعفيت النساء ضحايا الإتجار من المحاكمة حتى. 

 

تفاصيل القضية

وفقاً للرواية الرسمية الواردة في الحكم، بدأت القضية في العام 2014 في شارع الحمرا عندما انهال رجل في العقد الرابع من عمره بالضرب المبرح على صبية في العقد الثاني من عمرها، ثم فرّ هارباً بعد مشاهدته من قبل القوى الأمنية. لجأت الصبية الى المخفر حيث تقدمت بشكوى ضده بضربها وايذائها، وأفادت خلال الاستماع إليها أنه زوجها ويرغمها على العمل في الدعارة.

قدمت الزوجة اللبنانية شهادة مفصلة عن الأساليب التي استخدمها زوجها اللبناني من أجل ارغامها على تقديم خدمات جنسية مقابل المال: بدأ بالامتناع عن إعلان زواجهما وعن تسجيل عقد الزواج (وهي وسيلة عزل رصدنا استخدامها في العديد من قضايا الاستغلال الجنسي). وبعد شهرين من الزواج، طلب منها ممارسة الجنس مع زبائن بسبب سوء أوضاعهما المالية، وهي لم تكن قد قامت بذلك في السابق. وفي حال لم تستجب لطلبه، كان يضربها ضربا مبرحاً ويصعقها بآلة كهربائية ويهددها بمسدس حربي ويحتجزها في المنزل ويحتفظ بأوراقها الثبوتية وجواز سفرها لمنعها من المغادرة، ويجبرها على تعاطي مادة الكوكايين التي ادمنت عليها.

وقالت أن زوجها حقق أرباحاً من استغلالها حيث كان يصطحبها إلى مقاهي في بيروت من أجل اصطياد الزبائن (الباي روك في الروشة وستاربكس في الحمرا) ويتقاضى 100 دولار أميركي مقابل كل ساعة من ممارستها الجنس مع الزبائن. كما أرسلها إلى دبي في الإمارات العربية المتحدة لمدة تجاوزت الشهر حيث قامت صديقته بتشغيلها في الدعارة واستلم منها مبلغ 15 ألف دولار أميركي مقابل ذلك.

بعد توقيفه، أنكر الزوج كل ما أفادت به زوجته ومن ضمنه زواجه منها. وقال أنه ارتكب "السبعة وذمتها" ولكنه لم يرغم زوجته على ممارسة الدعارة. ثم أفاد لاحقاً أن الشكوى مختلقة من قبلها كونها زوجته وشاهدته مع طليقته في شارع الحمرا.  لكن المحكمة اقتنعت بإفادة الزوجة، إضافة إلى صور الأختام على جواز سفرها وقرينة فرار زوجها وعدم مثوله أمام المحكمة. كما استندت إلى وجود أسبقيات بحقه كونه قضى أكثر من 20 عاماً في السجن قبل أن يلتقي بزوجته.

وبعد ثلاث سنوات من بدء القضية، اعتبرت المحكمة أن الزوجة قد أرغمت على ممارسة الدعارة، فقررت تجريم الزوج غيابياً بجناية الاتجار بالأشخاص (المادة 586 من قانون العقوبات) واعتقاله لمدة عشر سنوات، إضافة إلى غرامة مئتي مليون ل.ل. وتجريده من حقوقه المدنية ومنعه من التصرف بأمواله. كما قررت بالمقابل إعفاء الزوجة من عقوبة جرم ممارسة الدعارة (المادة 523 من قانون العقوبات)سنداً للمادة 586 (6) من قانون العقوبات، وهي من المواد التي أضيفت بموجب قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص في العام 2011.

 

الاستغلال الجنسي قبل 2011: هذا الاستغلال الذي لا يريد أحد أن يراه

قبل صدور قانون مكافحة جريمة الاتجار بالأشخاص في العام 2011، كانت المحاكم اللبنانية تكتفي بالمسؤوليات الظاهرة والمباشرة في شأن الدعارة (من مارس الدعارة؟ من استفاد منها؟) مع تغييب شبه كامل للاستغلال ولعلاقات السلطة القائمة بين المرأة المتهمة بالدعارة وبين كل من القواّدين والزبائن.

وفي دراسة قانونية لقضايا 228 امرأة مدعى عليهن بجرم ممارسة الدعارة السرية بين العامين 2005 و2011، وجدنا أن المحاكم اللبنانية عاقبت جميع النساء بهذا الجرم (باستثناء 21 امرأة لم يعاقبن بسبب عدم كفاية الدليل او سقوط الدعوى بمرور الزمن). وأظهرت مراجعة هذه الأحكام القضائية أن أيا منها لم يبحث في مدى توفر الإرادة الجرمية لدى النساء. كما لم يعتد بالإكراه الجسدي أو المعنوي التي أدلت به المرأة، لا سيما الإكراه بواسطة العنف والابتزاز واستغلال السلطة الزوجية، والذي قد يؤدي إلى اعتبارها ضحية للاتجار بالأشخاص مرغمة على ارتكاب الجرم، وتالياً معفية من العقاب بناء للمادة 227 من قانون العقوبات.

 

الاستغلال الجنسي بعد 2011: استمرار محاكمة الضحايا رغم تغيير القانون

مع صدور قانون معاقبة الإتجار بالأشخاص في العام 2011، أُضيفت المادة 586 (6) من قانون العقوبات التي تعفي ضحية الإتجار بالأشخاص من العقاب في حال أثبتت أنها أرغمت على ارتكاب أفعال معاقب عليها في القانون، مما أدّى الى تعزيز الحماية القانونية لها، لا سيما لجهة إلزام السلطات بالنظر في طبيعة العلاقات بينها وبين القوّادين.

لكن بالرغم من هذا التغيير القانوني، بقيت الضحية في موقع هش قانونيا حتى في حال ثبوت صفتها كضحية إتجار بالبشر. وكانت "المفكرة" قد أعربت عن قلقها من غياب الضحية عن هواجس المشّرع في وقت إقرار القانون الذي صدر نتيجة ضغوط خارجية وبخاصة أميركية دون أي تفكير في مظالم الاستغلال الحاصلة فعلياً في لبنان، ودون أي محاولة لضمان انسجامه مع القوانين السابقة له، لا سيما الأحكام المتعلقة بالدعارة. وقد طرح هذا التغيير القانوني سؤالاً أساسياً في ظل استمرار تجريم ممارسة الدعارة: متى تعتبر المرأة مجرمة لممارسة الدعارة ومتى تعتبر ضحية للإتجار بالبشر معفية من العقاب؟ وإجرائياً، متى تعامل كمدعى عليها ومتى تعامل كمدعية أو شاهدة بحق من استفاد من استغلالها؟

فقد اشترط القانون على ضحايا الإتجار بالبشر إثبات إرغامها على ارتكاب الجرائم المرتبطة بالاتجار بها كممارسة الدعارة، بدلاً من اعتبار صفتها كضحية سبباً كافياً لعدم ملاحقتها. وعليه، بقيت الضحية عرضة للملاحقة أي أنه يجوز توقيفها والادعاء بحقها ومحاكمتها.

ففي هذه القضية مثلاً، جاء إعفاء الزوجة من العقاب بعد احتجازها لمدة يوم بموجب مذكرة توقيف غيابية ومن ثم إخلاء سبيلها. كما جاء بعد عامين من التحقيقات أمام قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية وعامٍ من المحاكمة أمام محكمة الجنايات حيث تم استجوابها أكثر من مرة بصفة مدعى عليها.

وبالمقارنة مع قضية شبكة الإتجار بالبشر "شي موريس" التي صدمت الرأي العام، لم يتم توقيف أو ملاحقة أي من هؤلاء الضحايا لدى اكتشاف الشبكة في العام 2016، بل اتُخذت تدابير لحمايتهن بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني (تأمين المأوى والدعم القانوني والنفسي والاجتماعي). كما اتخذت بعضهن صفة الادعاء الشخصي بحق التجار ولا تزال القضية عالقة أمام محكمة الجنايات في جبل لبنان لغاية اليوم. وقد شكلت هذه القضية سابقة لجهة اعتراف السلطات القضائية بضرورة تأمين الحماية القانونية لضحايا الاتجار بالبشر بدلاً من محاكمتهن.

لكن معاملة الضحايا في قضية "شي موريس" تبقى الاستثناء وليست القاعدة، وهو ما يؤكده رصد "المفكرة " لقضايا الاتجار بالبشر أمام محاكم الجنايات في بيروت وبعبدا في 2016-2017: في القضايا المتعلقة باستغلال جنسي، وجدنا أنه تم الادعاء بحق النساء لممارسة الدعارة في 12 من 16 قضية، وذلك في محاكمة مشتركة مع القوّادين الذين اتهموا بالإتجار بالبشر وليس بتهمة التسهيل أو الاستفادة من الدعارة. وتم توقيف معظم هؤلاء النساء لآماد تراوحت بين اليوم والثلاثة أشهر، ومنهن من صدر بحقهن مذكرات توقيف غيابية.

وهذا يعني أمرا من اثنين: إما أن السلطات وجدت مؤشرات للاستغلال الجنسي، فاستندت اليها لاتهام القوّادين بجرم أشد (جناية الإتجار بالأشخاص بدلا من جنحة التسهيل أو الاستفادة من الدعارة) لكنها امتنعت عن حماية الضحايا (اتهامها بجرم ناتج عن استغلالها بدلا من إعفائها من الملاحقة واتخاذ تدابير حمائية)؛ وإما أنها لم تجد مؤشرات على الاستغلال، فاتهمت المرأة وتشددت باتهام القوّادين مع ما ينتج عن ذلك من اختلاف في أصول التحقيق والمحكمة المختصة ومدة التوقيف والعقوبة.

أما القضايا الأربعة حيث لم تلاحق الضحايا، فقد ظهرت فيها الضحايا بصفة مدعية أو شاهدة أو بقيت مجهولة، ومنها قضية "شي موريس". وإذا اطلعنا على قضايا الإتجار بالبشر التي لا تتعلق بالاستغلال الجنسي، كاستغلال الأطفال في التسوّل أو العمل القسري (18 قضية)، فنجد أن أيا من الضحايا لم تخضع للمحاكمة لجرائم مرتبطة باستغلالها.

وعليه، وفي ظل هذا التوجه العام في الممارسات القضائية المتعلقة بمعاملة ضحايا الاتجار بالبشر، يأتي قرار محكمة الجنايات في بيروت بإعفاء الزوجة المرغمة على ممارسة الدعارة ليؤكد على ضرورة الانتقال من المقاربة العقابية إلى المقاربة الحمائية، بما يتصل بضحايا الاستغلال الجنسي. وهو ما يستدعي تحسين آليات التعرّف على الضحايا منذ بدء مسار التحقيقات الجزائية وإعفاءها ليس فقط من العقاب بل من المحاكمة أيضاً، مع تمكينها من الإدعاء بحق من استغلها بدلاً من محاكمتها كشريكة له إلى جانبه.

للاطلاع على المقال بالنسخة النجليزية، انقر/ي هنا

نشر في العدد 53 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2EleXWj

 

 محكمة الجنايات في بيروت برئاسة الرئيس سامي صدقي والمستشارين ربيع معلوف ولمى أيوب، الحكم رقم 641 تاريخ 27/11/2017

 رغم استناد الحكم الى معيار الارغام المنصوص عليه في المادة 586 (6)، أشار الحكم الى المادة 586 (8) التي تعفي من العقاب من يبادر الى ابلاغ السلطات عن جرائم الاتجار بالأشخاص وتزويدها بمعلومات تساهم بالكشف عن الجريمة أو القاء القبض على مرتكبيها. ويرجح ذلك الى خطأ مادي في تدوين رقم المادة القانونية.

 نزار صاغية وغيدة فرنجية، الدعارة جريمة أخلاقية ام جريمة استغلال؟ قراءة قانونية لقضايا 228 مدعى عليهنّ بجرم الدعارة السرية، منظمة كفى عنف واستغلال، 2013