بتاريخ 28 تشرين الأول 2015، أصدر مجلس العمل التحكيمي في بيروت قرارا بإلزام صاحبة عمل تسديد عاملتها الأثيوبية السابقة أجورها المستحقة والتي تبلغ 4500 د.أ، على أساس أن الأولى عجزت عن إثبات قيامها بتسديد هذه الأجور. لكن، بالمقابل، رد القرار المطالب الأخرى لجهة بدلات الإنذار وتعويضات الصرف "لأن صاحبة العمل لم تقم بفسخ عقد العمل بل أن العاملة هي التي تركت العمل". يتضمّن هذا الحكم طبعاً منحى إيجابياً لجهة الاعتراف بالبدلات غير المسددة، لكنه يقبل بالمقابل النقد لجهة رده طلب التعويض بحجة أن العاملة هي التي تركت العمل من دون أن يأخذ بعين الاعتبار بأي شكل من الأشكال، ظروف هذا الترك. فمن يكون مسؤولا عن فسخ العقد؟ صاحب العمل الذي لم يجد حرجا في حرمان العاملة من أجورها طوال سنوات، أم العاملة التي لم تعد قادرة على الصبر على معاناة العمل المرهق من دون أجر، فتركت؟ هذا ما سنحاول الإضاءة عليه في هذا المقال من خلال استعادة ظروف الترك والمحاكمة.

 

ظروف الترك والترحيل وفق تحقيقات الأمن العام

بتاريخ 30 كانون الثاني 2013، تركت المدعية وهي من الجنسية الأثيوبية المنزل الذي كانت تعمل فيه. وطلبا للمساعدة، لجأت إلى كاريتاس التي أبلغت فورا الأمن العام اللبناني بذلك. وبتاريخ 2 شباط 2013، باشر هذا الأخير تحقيقه في الموضوع (طلب مساعدة العاملة) بعد استدعاء كلا من العاملة التي حضرت مع محامٍ مكلّف من كاريتاس وصاحبة عملها السابقة. أثناء التحقيق، أفادت العاملة أنها عملت لدى هذه الأخيرة لمدة أربع سنوات وأن مجمل ما تقاضته خلال هذه الفترة هو مبلغ ألف وخمسمائة د.أ على دفعتين وأنه ما يزال لها في ذمتها مبلغ 4500$. وقد أوضحت العاملة أن صاحبة العمل كانت تتحجج دوما بسوء وضعها المالي وأنها بحاجة إلى إجراء عملية جراحية، كما أفادت أنها تركت المنزل بسبب عدم تسديدها أجورها وتعرضها للضرب وعدم تجديد إقامتها. وطلبت العاملة إلزام صاحبة العمل بتسديدها مستحقاتها، معلنة عن رغبتها بالعودة إلى بلادها. أما صاحبة العمل، فأفادت أنها سددت رسم إقامة العاملة المتوجب بتاريخ التحقيق، علما أن جواز سفرها وإقامتها مفقودان. وبخصوص الأجور، نفت وجود أي حقوق للعاملة في ذمتها لكنها في الوقت نفسه عجزت عن إبراز ما يثبت تسديد العاملة أجورها. وتراجعت صاحبة العمل أثناء التحقيق عن ادعائها ضد العاملة (يرجح أن يكون ادعاء بالفرار) مصرّحة أنه لا مانع لديها من ترحيلها إلى بلادها مع التعهّد بتأمين تذكرة سفر لها عند الطلب. وفي إثر ذلك، تم التواصل مع النيابة العامة التي أشارت بوجوب ترك العاملة بعهدة كاريتاس، تاركة أمر البت بإقامتها لمدير عام الأمن العام.

ويرجّح تاليا أن يكون تمّ ترحيل العاملة بعد فترة قصيرة من التحقيقات، وإن خلا ملف دعوى العمل من أي معلومات بهذا الشأن. كما يرجّح أن يكون تم تتبع العاملة أمام المراجع الجزائية بجرم كسر إقامتها وإن خلا الملف هنا أيضا من أي معلومات في هذا الصدد. ويشار أخيرا في هذا الصدد أن محضر الأمن العام خلا من أي أسئلة لصاحبة العمل حول اعتدائها جسديا على العاملة لديها، ومن دون أن تلفت النيابة العامة نظر الأمن العام إلى ضرورة التوسع في التحقيق في هذا الموضوع. 

 

المحاكمة وصولا إلى الحكم    

بتاريخ 6 تشرين الثاني 2013، تقدمت العاملة الأثيوبية بواسطة وكيلها (محام معين من كاريتاس) بدعوى أمام مجلس العمل التحكيمي في بيروت، وهي المحكمة المختصة بقضايا العمل. وقد أدلت العاملة أن عبء إثبات تسديد الأجور يقع على عاتق صاحبة العمل وبأنها تركت العمل بسبب عدم حصول ذلك، مما يوجب اعتبار هذه الأخيرة مسؤولة عن فسخ العقد. وتبعا لذلك، طلبت العاملة إلزام صاحبة العمل بدفع مستحقاتها وهي بدل أجورها المتبقية عن أربع سنوات، فضلا عن تعويضات ناجمة عن الصرف. وجوابا على ذلك، طلبت صاحبة العمل ردّ دعوى التعويض المرتكزة إلى قانون العمل اللبناني لجهة الإنذار والصرف التعسفي، على أساس أن العاملة هي التي غادرت المنزل وتركت الخدمة في البيت وأنها لم تصرفها من العمل. كما عادت وادّعت أن أجور العاملة مستوفاة بالكامل، خصوصا أن العاملة قد غادرت لبنان عائدة إلى بلدها بعد فترة قصيرة من تركها العمل في منزلها. وقد عقدت المحكمة 7 جلسات في هذه القضية تم تأجيل 5 منها لعدم حضور المدعى عليها أو وكيلها. بعد ذلك، أصدر المجلس حكمه في مخالفة جزئية لمفوض الحكومة (وهو موظف يبدي رأيه في جميع قضايا العمل وينتظر أن يمثل توجهات الدولة ولا سيما توجهات وزارة العمل): ففيما أيّد المجلس المطالعة لجهة إلزام المدعى عليها بدفع أجور العاملة لعدم توفر أي إثبات على حصول ذلك، فإنه خالفها حين ردّ طلب التعويض بحجة أن هذه الأخيرة هي التي تركت العمل. ويشار إلى أن مفوض الحكومة كان أيّد مطلب العاملة بالتعويض عن الفسخ، طالما أن صاحبة العمل كانت متخلفة عن تسديد أجورها.

 

حكم يوسع امتيازات نظام الكفالة ويضيّع فرصة تضييقها

يكشف الإمعان في الحكم وجها آخر من المنظومة غير العادلة للعمل المنزلي في لبنان.

فمن جهة أولى، جرت المحاكمة بغياب المدعية التي بقيت عاجزة عن سرد معاناتها أمام المجلس. فبقيت حيثيات المجلس تقنية تقوم على النظر في كيفية تطبيق مواد قانوني العمل والموجبات والعقود على القضية المعروضة أمامه، بمعزل عن أبعادها الإنسانية. ومن هذه الزاوية، تلتقي هذه القضية مع القضايا الجزائية التي غالبا ما يصدر فيها الحكم غيابيا بحق العملة بعد ترحيلها، من دون أن يتاح لها الوقوف أمام القاضي لتبرير نفسها. ولأن هذا الأمر لم يحصل في المحكمة، قد يكون من المفيد أن نتخيل ما كان بإمكان هذه العاملة أن ترويه أمام المجلس: كيف عساها شعرت هي التي تركت عائلتها، وربما أولادها، للحصول على أجر، فوجدت نفسها حبيسة في منزل، تؤدي عملا مرهقا لساعات طوال ولا تحصل إلا على وعود بأن أجورها المتراكمة سنة بعد أخرى ستسدد مستقبلا؟ أي درجة من اليأس عساها بلغت حين قررت ترك المنزل والعودة إلى بلدها، مجازفة بإمكانية تحصيل أجورها التي عانت الأمرين للحصول عليها طوال ثلاث سنوات؟ بالطبع، مهما بلغ خيال الباحث أو المحامي أو القاضي، يصعب لأي كان أن يروي هذه المعاناة بدلا عن الذي عاشها. وفيما لا يمكن الجزم أنه كان من شأن هذه الرواية أن تقلب قرار المحكمة، فإنها تؤدي حكما إلى تظهير بشاعة المنظومة القائمة، وما يتولّد عنها من لا توازن هائل في العلاقة بين العاملة الأجنبية وصاحب العمل. ولا نبالغ إذا قلنا أن قدرة هذه المنظومة على الاستمرار تضعف فيما لو تم تمكين العاملات من سرد معاناتهن أمام المحاكم. واللافت أن المجلس انتهى إلى قراره من دون أن يقوم بأي مبادرة للإستماع إلى العاملة من خلال وسائل التواصل الحديث كما انتهجت إحدى المحاكم مؤخرا في قضية تجارية، أو حتى الاستعلام عن مصيرها، بعدما قرر ضمنا أن تركها بحد ذاته يؤدي إلى رد طلب التعويض، بمعزل عن أسبابه. وهذا ما نتناوله أدناه.

من جهة ثانية، أرسى المجلس حكمه على واقعة مادية (الترك) ليخلص للقول أن فسخ العقد حصل على مسؤولية العاملة، من دون أن يتحرّى عن أسبابه الحقيقية. وقد بدا المجلس الناظر في قضايا العمل من خلال هذا التوجّه، وكأنه يستعيد نفس المقاربة المعمول بها من قبل عموم المحاكم الناظرة في المسؤوليات الجزائية (مخالفة مواد قانون الأجانب) الناجمة عن ترك العاملة منزل صاحب العمل. وعليه، وكما تلقى العاملة في هذه الحالة عقوبة جزائية أياً كان السبب وراء ذلك، وحتى ولو تعرضت لأقسى الانتهاكات، فإن المجلس اعتبرها في هذه القضية مسؤولة عن فسخ عقد العمل، من دون إعارة أي انتباه للمخالفات الجسيمة المرتكبة من صاحب العمل طوال ثلاث سنوات. ففي كلتا الحالتين، يزداد وضع العاملة هشاشة، وتزداد حصانات صاحب العمل إزاء امكانية المحاسبة الجزائية أو المدنية (قضايا العمل) مهما بلغ حجم أخطائه. ومن هذه الزاوية، يبدو المجلس وكأنه بدل أن يستغل الفرصة لإعادة شيء من التوازن إلى علاقة العمل، فإنه ذهب على العكس من ذلك تماما إلى تعزيز نظام الكفالة وما يتولّد عنه من امتيازات لأصحاب العمل. وما يزيد قابلية الحكم للانتقاد هو أنه تجاهل تماما ما كانت صرحت به العاملة أمام الأمن العام، لجهة أنها تركت ليس فقط بسبب عدم تسديدها أجورها بل أيضا الضرب.    

من جهة ثالثة، ورغم جسامة الأفعال المرتكبة من صاحبة العمل والتي من شأنها ربما أن تؤشر إلى ارتكاب جرم اتجار بالبشر، فإن المجلس أنهى نظره في القضية بحكمه من دون إحالة الملف إلى النيابة العامة. من هذه الوجهة، جاز القول أن المجلس أخلّ بفرض آخر قوامه قيام الموظفين العموميين بإطلاع النيابة على الأفعال التي يعاينونها ومن شأنها أن تشكل أفعالا جرمية.  

للاطلاع على المقال باللغة الانجليزية، انقر/ي هنا

 

نشر في العدد 53 من مجلة المفكرة القانونية، للاطلاع على العدد انقر/ي هنا http://bit.ly/2EleXWj

 

سارة ونسا، "عاملات المنازل، النيابة العامة والأمن العام: هكذا تنظم المحاكمة الغيابية"، المفكرة القانونية، العدد 12، تشرين الثاني 2013

 

علي الموسوي، "للمرّة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني: محكمة عاليه تجري استجواباً عبر “سكايب"، نشر على موقع محكمة، 23 تشرين الأول 2017.