تشكل الخارطة الجغرافية والوظيفية للهيئات القضائية أحد أبرز جوانب التنظيم القضائي. وفيما ينتظر من هذه الخارطة أن تضمن حق المواطن بالوصول إلى عدالة كفؤة والتوزيع العادل للملفات بين القضاة وفي الآن نفسه الإنماء المتوازن للمناطق، غالبا ما تصطدم هذه الأهداف بعدد من المعطيات السلبية، تبدأ بنقص عدد القضاة وتنتهي بالمصالح السياسية وما تفترضه من أولويات ومساومات. فما هي المحاكم التي تشهد شغورا أو نقصا في الطاقات القضائية أو بالأحرى النسبة الأعلى من الشغور أو النقص في الطاقات القضائية؟ وهل يصيب الشغور والنقص في الطاقات القضائية جميع المراكز القضائية بالنسب نفسها، أم أن مراسيم التشكيلات تعمد إلى ملء بعض المراكز كالنيابات العامة وقضاء التحقيق مثلا بالأولوية على سائر المراكز؟ وهذا ما سنحاول درسه في هذه الورقة من خلال عرض الإطار القانوني لهذه الخارطة والممارسات المعتمدة لرسم هذه الخارطة على ضوء مراسيم التشكيلات القضائية الصادرة في 2004 و2010 و2017. كما سنعمد إلى تقييم الوضع القانوني والممارسات المعتمدة على ضوء الاحتياجات الفعلية للمحاكم تمهيدا لاستخراج الاشكاليات التي تستوجب تدخلا تشريعيا أو تنظيميا. من هذا المنظار، تشكل هذه الورقة جزءا أساسيا من مجموع الأوراق البحثية التي تنشرها المفكرة القانون حول إصلاح القضاء العدلي وهي تتكامل بشكل خاص مع الورقة البحثية التي سبق نشرها حول التنظيم الداخلي للمحاكم.