أكثر ما يلفت عند مراقبة الحراك في دول عربية عدة في 2011 هو بروز شعار كبير: "لا لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية"، والذي تردد في أكثر من دولة. وبالطبع، المقصود بالمحاكم العسكرية، هي مجموعة من المحاكم الاستثنائية تنتقص إلى شروط المحاكمة العادلة ويشترك في هيئات الحكم فيها عسكريون أو أمنيون. ومنها محكمة أمن الدولة في الأردن ومحكمة أمن الدولة طوارئ في مصر وما إلى هنالك من تسميات. وقد عبّر بروز هذا الشعار في هذه المرحلة عن ذاكرة شعبية سلبية إزاء هذه المحاكم التي تم تحميلها عن حق أو عن باطل قسما كبيرا من مظالم الأنظمة التي خرجت الاحتجاجات الشعبية ضدها. وكان من اللافت أيضا أن بعض المفاهيم الحقوقية التي لا يتقنها مبدئيا إلا المتخصصون كمفهوم "القاضي الطبيعي" باتت مفاهيم شعبية يردّدها متظاهرون ويضعونها ضمن قائمة شعاراتهم، كما حصل في مصر. وقد بدا إذ ذاك أن أنظمة ما بعد الثورة ستبادر إلى إلغاء هذه المحاكم أو على الأقل إلى حصر صلاحياتها في الجرائم ذات الطابع العسكري وحدها. كما بدا أن المحاكم العسكرية والاستثنائية ستكون منذ ذلك الحين موضوع تذكُّر في سياق مسارات العدالة الانتقالية أكثر مما ستكون أدوات فاعلة في المستقبل. وما عزز من هذه التوقعات هو مبادرة السلطات في دول سقطت أو لم تسقط أنظمتها، إلى إلغاء بعض هذه المحاكم كمحكمة أمن الدولة طوارئ في مصر (2012) أو محكمة أمن الدولة في سوريا، أو إلى حصر صلاحيتها كما حصل بموجب تعديل دستوريْ المغرب (2011) والأردن (2012). ويشار هنا إلى أن تونس ما بعد جانفي 2011 عرفت بدايةً تطوراً مغايراً. فبخلاف دول عربية أخرى، ذهب نظام بن علي إلى حصر اختصاص المحكمة العسكرية منذ 2003 في القضايا العسكرية، ليستخدم بالمقابل المحاكم العدلية في قمع المعارضة السياسية. وعليه، وبخلاف التوجه العام في الدول العربية، تمّ توسيع اختصاص المحكمة العسكرية في 2011 لتمكينها من النظر في قضايا ضحايا الثورة وسط ترحيب شعبيّ، لتعود تونس وتحصر في دستورها الجديد اختصاص هذه المحكمة في القضايا العسكرية عملا بمبادئ المحاكمة العادلة. وبدوره، شهد هذا البلد رفع  شعار "لا لمحاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية" وذلك كردة فعل على قرارات جاءت مخيبة للآمال، كما حصل في قضايا ضحايا الثورة.

إلا أن الأمور اللاحقة لم تسِرْ دوما في اتجاه استذكار مظالم هذه المحكمة أو تضييق اختصاصها مستقبلا. ففيما تم تغييب ضحايا هذه المحاكم في العديد من الدول وبقيت سماعاتهم خافتة في سياق أعمال العدالة الانتقالية في تونس، سرعان ما برزت هنا وهنالك اتجاهات تشريعية أو ربما دستورية مناقضة. وقد وصلت هذه الاتجاهات في بعض الدول إلى حدّ ضمان استمرارية هذه المحاكم والتطبيع معها وعمليا إخراجها من حال الاستثناء الذي غالبا ما صنّفت فيه، إلى مجال المحاكم العادية التي لا نقاش جدّي حول وجودها أو اختصاصها. وما أسهم في دعم هذه الاتجاهات هو ربط هذه المحاكم بالدور الاستثنائيّ الذي تؤدّيه القوى العسكرية في مواجهة الإرهاب وحماية المجتمع، بحيث يصبح تمتيع هذه القوى بمحكمة تتفهم صعوبة مهامها وما قد يرافقها من انتهاكات أمرا ضروريا. وهكذا، بدل التحسّس العامّ لمظالم هذه المحاكم بحقّ الأفراد ولأهمية المحاكمة العادلة، حلّ توجّه عامّ لا يقلّ أهمية، قوامه التمسك بهذه المحكمة تضامنا مع القوى العسكرية بالنظر إلى دورها الحمائي والإنقاذي. وأمام تفاقم حدّة الإرهاب والخطاب حوله، تحوّل الرفض العامّ لهذه المحاكم في بعض الدول إلى توجّس أقله رسميّ لأي مسّ بها، وصولا إلى تصنيفها وتصنيف اختصاصها بأنه خطّ أحمر كما حصل مؤخرا أثناء مناقشة قانون مكافحة التعذيب في المجلس النيابي اللبناني. وبالإمكان القول أن التحسس العام لأهمية تمتيع الأفراد بالمحاكمة العادلة سقط تماما أمام فزاعة المخاطر الاجتماعية والتي تفرض قبل كل شيء حماية المصالح الاجتماعية... وتاليا مصالح النظام الذي يتولى قيادة هذا المجتمع، بمعزل وربما على حساب مصالح الأفراد. 

وتبعا لنشوء مشاعر عامة مشابهة بعد سقوط أنظمة الحكم هنا وهنالك، فإنها سرعان ما تركت آثارها في الأعمال التأسيسية وفي بعض الحالات في الدساتير في شكل أحكام تحرر هذه المحاكم من سبغة الاستثناء الظرفي لتجعلها محاكم عامة ودائمة. وقد بلغ تشريع المحاكم على هذا الوجه درجته الأعلى في النقاشات الدستورية لوضع دستور ما بعد 30 يونيو 2013 في مصر. والشاهد الأكبر على هذا التوجه هو إضفاء صفة الهيئة القضائية على المحاكم العسكرية وإحاطتها بعدد من المبادئ المتعلقة بالمحاكمة العادلة بهدف درء شبهة مخالفة هذه المبادئ بموجب تعديل قانون القضاء العسكري المصري في 2014. كما أن هذا الأمر انعكس على تحديد اختصاص هذه المحاكم في عدد من الدول، حيث استخدم مفهوم الإرهاب لإعادة إنشاء محاكم شبيهة كما حصل في سوريا. وفيما حصر الدستور الأردني الجديد اختصاص محكمة أمن الدولة في محاكمة المدنيين في عدد محدود من الجرائم كجريمة الإرهاب، فإن تعريف مفهوم جريمة "الإرهاب" بشكل واسع ومطاط أدى عمليا إلى إعادة توسيع صلاحية هذه المحكمة لتشمل حالات عدة جاز حقيقة التساؤل في مدى شرعيتها على ضوء مبادئ حرية التعبير والعمل السياسي. التوسع لم يحصل في مصر بالاستناد إلى تعريف الخطر بل بالاستناد إلى الهالة التي تحيط بمن يتولى صدّ هذا الخطر أي المؤسسة العسكرية. فبعدما نص دستور 2013 على منع محاكمة المدنيين، عاد وأدخل استثناءات مطاطة قابلة للتوسع على ضوء توسع نشاطات المؤسسة العسكرية، حتى شملت  أي جريمة تقع على أموالها العامة. وعليه، تم إدخال استثناءات دستورية دائمة على مبدأ القاضي الطبيعي، في اتجاه منح المؤسسة العسكرية امتيازات شاملة بعرض جميع التعديات الحاصلة منها أو على أي من مصالحها على محكمة متعاطفة معها. ومن شأن هذا الامتياز أن يؤدّي ليس فقط إلى التطبيع مع الاستثناء وتوسيع الإفلات من العقاب، بل إلى جعل المؤسسة العسكرية ما يشبه الدولة داخل الدولة.   

وهذا التوجه نفسه تجلى في العمل التشريعي في لبنان، وبخاصة في النقاشات النيابية حول قانون التعذيب، وخصوصا فيما يتصل بنقل النظر في جميع هذه الجرائم إلى المحاكم العدلية. فقد رفض عدد كبير من النواب المس بصلاحية المحكمة العسكرية، معتبرين إياها خطّاً أحمر لا يجوز تجاوزه. وقد جاءت بعض التصريحات بمثابة إقرار لوظيفة القضاء العسكري في حجب المسؤولية الجزائية في هذا الإطار أو أيضا في قياس ملاءمة الملاحقة على ضوء الحاجات الأمنية. وهذا ما نستشفه مثلا من تصريح أحد النواب الذي بعدما ذكّر أن كلفة إعداد ضابط تراوح مئتي ألف دولارأ اميركيا، تساءل فيما إذا كانت الدولة "تتخلى عنه لأنه ضرب هذا المجرم أو المتهم". وقد أنهى هذا النائب تصريحه بأن العسكريين والضباط يحاكمون أمام المحاكم العسكرية وأن أي حديث عن محاكمتهم أمام القضاء العدلي هو خطأ كبير وتجاوز لقانون الدفاع. ف "أمام مقتضيات الأمن الوطني، كل المحرّمات تزول".

أما في تونس، وفيما حسم الدستور اختصاص المحكمة العسكرية على أنه ينحصر في الجرائم العسكرية، فإن التأخير في بدء إرساء هذه المحكمة إنما يشكل إلى حد ما تراجعا أقله مؤقتا عن هذه القاعدة.       

على خلفية هذه التطورات المتسارعة والمتناقضة، تجد المفكرة القانونية فائدة في إطلاق هذا العدد الخاص في طبعتيه في تونس ولبنان. وهي تأمل أن يشكل عددها هذا بداية ورشة استذكار وتوثيق وتفكير تأملها دائمة حول هذه المحاكم ومظالمها. فلا تسقط العدالة في شرك الإرهاب، ولا يُضحى بحقوق الأفراد على مذابح الأنظمة والمحاور.  

 

نشر في العدد الخاص حول المحاكم العسكرية في دول المنطقة العربية.

النسخة اللبنانية

النسخة التونسية