فرضت قوانين ما قبل الثورة أن يتعهد القضاء العسكري بقضايا شهداء وجرحى الثورة. واتجهت تشريعات الثورة إلى توسيع اختصاص المحاكم العسكرية بهدف مساعدتها في عملها على تلك القضايا الهامة. وكان مسار تلك القضايا موضوع جدل حقوقي ومجتمعي ترى المفكرة القانونية وجوب توثيقه لأهميته. وفي إطار هذا الجهد، اختارت المفكرة لقاء المحامية لمياء الفرحاني التي ارتبط اسمها كشخصية عامة إلى حدّ بعيد بهذه القضايا: فهي بداية أخت الشهيد "أنيس الفرحاني"، ومحامية تجندت إلى جانب العديد من المحامين للدفاع عن أسر الشهداء وجرحى الثورة منذ بدايات التتبع القضائي في قضاياهم. كما أنها الرئيسة المؤسسة لجمعية "عائلات الشهداء وجرحى الثورة أوفياء" التي لعبت دورا كبيرا في الصراع الحقوقي حول تلك القضايا، فضلا عن كونها عضوة سابقة في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" (المحرر).

 

المفكرة: كيف تعهد القضاء العسكري بقضايا شهداء وجرحى الثورة بتونس؟

الفرحاني: مع بداية الشهر الثالث من سنة 2011، كثر الحديث عن قرب تعهد القضاء العسكري يقضايا شهداء وجرحى الثورة. وأذكر هنا أن عائلات الشهداء وجرحى الثورة، وأنا منهم، حاولنا سؤال قضاة التحقيق العدليين الذين كانوا حينها متعهدين بالقضايا عن ذلك. فقيل لنا: "هذا غير صحيح وهي مجرد إشاعات".  ولكن سرعان ما تبين أن التسريبات كانت محاولة جسّ نبض أعقبها تخلي قضاة التحقيق العدليين فعليا عن قضايا شهداء وجرحى الثورة لفائدة المحكمة العسكرية وذلك بعد خمسة أشهر فقط من الثورة.

 

المفكرة: ولكن تعهد القضاء العسكري كان إجراء قانوني، وفق الفصل 22 من القانون الذي يضبط القانون الأساسي لقوات النظام الداخلي؟  

الفرحاني: أنا اعتقد جازمة أن الهدف من تخلي القضاة العدليين عن قضايا شهداء وجرحى الثورة لم يكن تطبيق القانون. وأعتبر أن القضاة العدليين بقرارات التخلي التي أصدروها خذلوا الثورة التي كنت أرى في عيونهم فرحتهم بها، باعتبار أنها وفرت لهم شروط العمل القضائي المستقل. فكان جزاؤها منهم أن تركوا نظر قضايا شهدائها وجرحاها لقضاء استثنائي لا يحقق شروط المحاكمة العادلة التي يجدر ضمانها لكل فرد.

 

المفكرة: أنت إذن تعتبرين تخلي القضاء العدلي عن قضايا شهداء وجرحى الثورة لفائدة القضاء العسكري خطوة خاطئة لتعارضها مع مبادئ المحاكمة العادلة وإن كانت في ظاهرها موافقة لنصوص قانونية؟

وأظن أن الدافع الحقيقي لتخلي القضاء العدلي عن قضايا شهداء وجرحى الثورة هو الخوف من ثقل تلك القضايا. إذ وبفعل ما لحق القضاء العدلي من انتقادات بعد الثورة وبالنظر لما تميزت به النقابات الأمنية من قوة بعد الثورة، تخلص قضاة التحقيق العدليين من قضايا شهداء وجرحى الثورة هربا من الضغط الذي كانت تفرضه عليهم. وأودّ أن أذكر في هذا الإطار واقعة شهدت عليها عند النظر في قضية أخي الشهيد أنيس الفرحاني. في تلك القضية، قرر قاضي التحقيق العدلي التوجه لمقر وحدات التدخل للإطلاع على دفاترها وتحديد هوية من كانوا في السريّة التي قنّص أحد أفرادها الشهيد. وقبل يوم من موعد التوجه، بلغ العلم لقاضي التحقيق أن أعوان الفرقة الأمنية عقدوا العزم على التصدي له. فما كان منه إلا أن تراجع في قراره في صمت.

 

المفكرة: أكد السيد عبد الكريم الزبيدي الذي كان وزيرا للدفاع في تاريخ الوقائع الذي تتحدثين عنها،  أمام لجنة شهداء وجرحى الثورة بتاريخ 15-03-2012، أن القضاء العسكري لم يطلب التعهد بقضايا شهداء وجرحى الثورة وقد فوجئ بالتخلي عنها لفائدته. وهذا التصريح يتعارض مع أقوالك.

الفرحاني: هذا التصريح غير صحيح بالمرة، وتكذبه الملفات القضائية التي تضم عديد المراسلات الصادرة عن  القضاء العسكري والتي طُلب فيها  من قضاة التحقيق العدليين التخلي عن القضايا لفائدة المحاكم العسكرية. وأضيف هنا أن في قضية الشهيد أنيس بالذات، كان القاضي العسكري باشر بسماع الشهود وإجراء الأبحاث قبل أن يتخلى لفائدته قاضي التحقيق العدلي عن القضية. 

 

المفكرة: بالتجربة، أين استشعرت أن المحاكم العسكرية أخلّت في هذه القضايا بشروط المحاكمة العادلة؟

الفرحاني: على المستوى الأول، أي من جهة المقاربة القانونية، يجب أن نعلم أن المحاكم العسكرية في تاريخ تعهدها بقضايا شهداء وجرحى الثورة كانت تركيبتها تضمّ أعوانا من ذات سلك المتهمين الأمنيين وهؤلاء "الأمنيون" يعينهم وزير الداخلية. كما كانت تلك المحاكم لا تطبق مبدأ التقاضي على درجتين في محاكمتها، علاوة على أن قوانينها تحرم المتضررين من القيام بالحق الشخصي. هذه العوائق القانونية كان يجب على القضاة العدليين الاستناد إليها ليرفضوا إحالة قضايا الشهداء لتلك المحاكم الاستثنائية. وعلى المستوى الثاني، أي المستوى الواقعي، يلاحظ أن الأبحاث توجّهت أساساً ضد الأمنيين أعوانا ميدانيين وقيادات. وكان يُنتظر من المحاكمة أن تبحث في تورط المؤسسة العسكرية في أحداث الثورة من عدمها خصوصا على مستوى قيادتها. ولم تكن بالتالي المحاكم العسكرية قادرة على إقناع الضحايا والمتهمين الأمنيين بقدرتها على تحقيق طلب كشف الحقيقة وتحقيق المحاكمة العادلة لكونها محاكم عسكرية بكل بساطة، أي محاكم يخشى ألا تبحث عن الحقيقة بقدر بحثها عن تبرئة القيادات العسكرية.

 

المفكرة: ما هو تفسيرك لترحيب بعض عائلات شهداء وجرحى الثورة بإحالة قضاياها للقضاء العسكري؟

الفرحاني: يجب أن اعترف أن عددا من جرحى الثورة ومن عائلات شهدائها، شأنهم بذلك شأن أغلب منظمات المجتمع المدني والشخصيات الحقوقية الفاعلة، تأثروا بالدعاية التي تمت آنذاك. من جهتي، كنت في صف من تخوفوا من إحالة القضايا للقضاء العسكري. ولكن، أمام عجزي عن مقاومة الدعاية التي رافقت عملية تعهد القضاء العسكري بقضاء الثورة، توليت صحبة عدد من الجرحى وعائلات الشهداء تأسيس "جمعية عائلات الشهداء وجرحى الثورة أوفياء" والتي كان هدفها التصدي لهذا المسار والتنبيه لعدم جدواه.

 

المفكرة: أصدر المشرع التونسي لاحقا المرسومين 69 و70 لسنة 2011 متجاوبا بذلك مع بعض اعتراضاتكم بشأن تركيبة المحاكم العسكرية أو انتفاء مبدأ التقاضي على درجتين. كما أنه أجاز للمتضررين القيام بالحق الشخصي. كيف تلقيتم هذا الإصلاح؟

الفرحاني: يعد هذا الإصلاح  التشريعي من ثمار الضغط الذي مارسته جمعيتنا. ورغم أهميته، إلا أن  أثره محدود عمليا في قضايانا؛ خصوصا وأن قضاة التحقيق بالمحكمة العسكرية في القضايا الكبرى أي قضايا شهداء تونس وقضايا القصرين وتالة وسيدي بوزيد تعمدوا ختم أبحاثهم يومين فقط قبل دخول النصوص القانونية التي تصلح الإجراءات حيز النفاذ. وقد حرم هذا الأمر المتضررين من الحضور في أهم مرحلة استقرائية في القضية. ويؤكد هذا المؤشر الهام مجددا أن المحاكمات العسكرية كانت تجري وفق تخطيط مسبق هدفه ضبط مسار الأبحاث بعيدا عن أعين المتضررين والرأي العام. كما يبين أنه لو كان هناك ضغط من منظمات المجتمع المدني والناشطين السياسيين، لكان تم التراجع عن قرارات التخلي بإسناد اختصاص نظر القضايا للقضاء العسكري.

 

المفكرة: بنهاية المرحلة الانتقالية الأولى، تم تركيز المجلس الوطني التأسيسي. كيف تقيمين مقاربة هذا المجلس لقضايا شهداء وجرحى الثورة؟

الفرحاني: لم يتغير أي شيء. فقد واصلت الطبقة السياسية مباركة تعهد القضاء العسكري بتلك القضايا. ومن الشواهد على ذلك هو أن رئيسة لجنة شهداء وجرحى الثورة وتفعيل العفو التشريعي العام بالمجلس الوطني التأسيسي يمينة الزغلامي زارت إدارة القضاء العسكري؛ وفي ختام زيارتها، أكدت ثقتها في قدرة القضاء العسكري على توفير شروط المحاكمة العادلة. وذات الموقف تجند للدفاع عنه عدد هام من الشخصيات العامة والحقوقية.

 

المفكرة: ما هو تفسيرك لما أسميته "مباركة تعهد المحاكم العسكرية"؟

الفرحاني: أظن السؤال مهماً لأنه يوثق لحدث لم تعهده الساحة القضائية التونسية قبل هذا التاريخ. ويتمثل هذا الحدث في إدارة القضاء العسكري بنجاح لحملة علاقات عامة استهدفت شخصيات بارزة في المجالين السياسي والحقوقي. وكان من أثرها تحويلهم لمساندين لعدالة المحاكم العسكرية. لقد كسب القضاء العسكري المعركة الدعائية وبات في تلك الفترة في نظر الفاعلين في الساحة وجانب من عائلات الشهداء الأقدر على إدارة محاكمات قتلة الشهداء، بدعوى أنه أكثر جرأة من القضاء العدلي وأنه يحتكم لشرطة عسكرية قادرة على جلب المتهمين خلافا للقضاء العدلي الذي كان مجردا من كل عوامل القوة.

 

المفكرة: كيف تلقيتم توالي الأحكام بعد ذلك؟

الفرحاني: بصدور الأحكام الابتدائية، يتبين أنها لم تكن تتحرى العدل بقدر ما كانت تبحث عن ترضية الرأي العام. ويكفي لتبيان غياب الذوق القضائي فيها ذكر أن أحكام المشاركين كانت أكثر شدة من أحكام الفاعلين الأصليين دون تعليل مقنع للحكم ودون بحث حقيقي عن الإثباتات للتهم. وتبين لاحقا بصدور الأحكام الاستئنافية أن المحاكم العسكرية تسعى لإغلاق الملف، فقد هدفت فعليا للإفراج عن كل المتهمين من القيادات الأمنية الذين قضوا فعليا المدد التي حكموا بها أو كادوا. على أن الأحكام التعقيبية هي التي كانت بالنسبة إليّ الصفحة الأكثر إيلاما في مسار قضايا الشهداء. فبسبب تقصير من بعض المحامين، انتهى طعن القائمين بالحق الشخصي للرفض فيما تم نقض الأحكام استجابة لطعن النيابة العامة. وهذه القرارات كان من أثرها إقصاء عائلات الشهداء وجرحى الثورة من المسار القضائي. أظن أن كل الأحكام التي صدرت تكفي بذاتها لكشف خطورة المسار الذي كانت نهايته مخططا لها منذ البداية.

 

هل تأملون شيئا من القانون الأساسي عدد 17 لسنة 2014 والذي يمكن  الدوائر المتخصصة في العدالة الانتقالية من معاودة نظر قضايا شهداء وجرحى الثورة، فلا تنتهي في خزانة المحاكم العسكرية؟  

صدور هذا القانون كان من ثمار الاعتصام الذي خاضته جمعية أوفياء وأسر الشهداء وجرحى الثورة في مقر المجلس الوطني التأسيسي احتجاجا على الأحكام الاستئنافية التي صدرت عن المحاكم العسكرية والتي اعتبرنا حينها أنها تستخف بالثورة. وبالتالي، فنحن ننظر إلى هذا القانون بايجابية باعتباره ثمرة مسيرة نضالية. ولكن فعليا نلاحظ أن هيئة الحقيقة والكرامة طلبت ملفات القضايا من إدارة القضاء العسكري، من دون أن تتلقى أي ردّ على طلبها في هذا الصدد. ويبدو أنها لم تبرز جدية في الطلب. وسنواصل النضال من أجل فرض إعادة فتح ملفات الشهداء والثورة بحثا عن الحقيقة وفرضا لعدم إفلات من أجرموا في حق الوطن من العقاب.

 

ينص الفصل 22 من القانون عدد 70 لسنة 1982 مؤرخ في 6 أوت 1982 يتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي على أنه  " تحال على المحاكم العسكرية ذات النظر القضايا التي يكون أعوان قوات الأمن الداخلي طرفا فيها من اجل واقعة جدت في نطاق مباشرة العمل ولها مساس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو بحفظ النظام في الطريق العام وبالمحلات العمومية والمؤسسات العمومية والخاصة وذلك أثناء أو اثر الاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والمظاهرات والتجمهر ..." 

ينص الفصل 22 فقرة ثانية  .."تضم المحكمة العسكرية وجوبا عونين تابعين لنفس الهيئة التي ينتمي إليها العون الذي يهمه الأمر يقع تعيينهما بقرار من وزير الداخلية الذي يراعي في ذلك التعيين رتبة ووظيفة العون المظنون فيه أو المتهم

مرسوم عـدد 69 لسنة 2011 مؤرّخ في 29 جويلية 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام مجلة المرافعات والعقوبات العسكريّة

مرسوم عـدد 70 لسنة 2011 مؤرّخ في 29 جويلية 2011 يتعلق بتنظيم القضاء العسكري وضبط النظام الأساسي الخاصّ بالقضاة العسكريين

ينص الفصل السادس من المرسوم عدد 69  على انه يدخل حيز النفاذ في في 16-09-2011                                 

تسبيب

القانون الأساسي  عدد 17 لسنــة 2014 مؤرخ في 12 جوان 2014 يتعلق بأحكام متصلة بالعدالة الانتقالية وبقضايا مرتبطة بالفترة الممتدة بين 17 ديسمبر 2010 و28 فيفري  2011 – عد هذا القانون قضايا الشهداء وجرحى الثورة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي لهيئة الحقيقة والكرامة صلاحية إحالتها للدوائر القضائية المتخصصة للعدالة الانتقالية دون أن تعارض بقرينة اتصال القضاء