انعقدت في تاريخ 16 كانون الثاني 2018 جلسة أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت باسم تقي الدين للنظر في قضية ضحية الخطأ الطبي إيلا طنوس التي فقدت أطرافها الأربعة بسبب تشخيص خاطئ لحالتها. وكانت الجلسة مخصصة لاستجواب كل من طبيب مستشفى المعونات ع. م. وطبيبة مستشفى الجامعة الأميركية المدعى عليهما بجنحة الإيذاء غير المقصود، بالإضافة إلى طبيب مستشفى أوتيل ديو ك. أ. المتهم بالامتناع عن الإغاثة والذي لم يحضر الجلسة للمرة الثانية رغم قرار القاضي بمحاكمته غيابياً. لذا طلب القاضي تقي الدين إعادة تبليغ ك. أ. لاستجوابه وأرجأ الجلسة إلى تاريخ 13 أذار 2018. وقد حضر الجلسة وكيل عائلة إيلا المحامي نادر عبد العزيز الشافي، ووكيل الطبيب ع. م. المحامي صخر الهاشم، ووكلاء المستشفيات الثلاث المعونات وأوتيل ديو والجامعة الأميركية. ويلحظ أن وكيل الجامعة الأميركية هو نفسه وكيل الطبيبة ر. ش.

تعود قصة إيلا طنوس إلى تاريخ 1 آذار 2015 وكان نهار أحد عندما دخلت مستشفى المعونات بسبب ارتفاع قوي في درجة الحرارة، وهي في عمر التسعة أشهر. حينها شخصت حالتها أنها تعاني من الزكام الحاد في مستشفى المعونات، تأزم وضعها ما اضطر العائلة نقلها إلى مستشفى آخر. حينها مرّ الوالد على مستشفى أوتيل ديو حيث امتنعوا عن استقبالها ثم توجه إلى الجامعة الأميركية حيث تم إجراء الفحوصات ليتبين أنها تعرضت للصدمة الإنتانية الناتجة عن إصابتها ببكتيريا أدت إلى بتر أطرافها في مستشفى الجامعة الأميركية.

 وكانت العائلة تقدمت بدعوى جزائية ضد مستشفى المعونات والطبيب ع. م.، خلصت إلى إصدار قاضي التحقيق في بيروت جورج رزق قرار بتاريخ 12 نيسان 2017 بالظن بالأطباء الثلاثة، بالإضافة إلى الظن بكل من المدعى عليهما مستشفى المعونات في جبيل، ومستشفى الجامعة الأميركية أنهما تتحملان المسؤولية الجزائية لناحية الإيذاء غير المقصود المرتكب من قبل أعضاء طاقمها في بيروت (المادة 565 معطوفة على 210 عقوبات). أما لناحية مستشفى اوتيل ديو، فقد حملها المسؤولية الجزائية عن جرم الامتناع عن الإغاثة (المادة 567 معطوفة على المادة 210 من قانون العقوبات).

 

رواية طبيب المعونات

خلال الاستجواب، أفسح القاضي المجال أمام وكيل العائلة لتوجيه أسئلة للطبيبين مستنداً على تقرير اللجنة الطبية. من جهته يسرد الطبيب ع. م. وقائع معاينته إيلا في مستشفى المعونات. وهنا نعرض أبرز ما جاء في إفادته بناء على أسئلة القاضي تقي الدين والشافي.

يقول الطبيب أنه الأحد مساء لم يتوجه إلى المستشفى بل تابع وضعها عبر الهاتف مع الممرضات والطبيبة المقيمة. يذكر أنه أوصى بإعطاء إيلا المضادات الحيوية. وفي اليوم التالي اكتشف أن وضع إيلا قد تطور بشكل سلبي ولم يتم إعلامه بالأمر مساء الأحد من قبل المستشفى. يقول الطبيب أنه عاين إيلا صباح الإثنين عند الساعة السابعة والتاسعة ووجد أن وضعها تغير. عندها، طلب إجراء فحوصات مخبرية ثم توجه إلى عيادته القريبة من المستشفى واستمر بمتابعة وضع الطفلة عبر الهاتف. عند صدور نتيجة الفحوصات، توجه وفق قوله مسرعاً إلى المستشفى وتوقع أن تكون مصابة بالقصور الكلوي وهذا ما كتبه في تقريره. كما أدلى أنه شكّ باحتمال تعرضها للصدمة الإنتانية من دون أن يضيفها إلى التقرير، بل اكتفى بشرح الوضع لطبيبة أطفال في مستشفى الجامعة الأميركية عبر الهاتف تهيئة لنقلها إليها. استدعت الظروف حينها أن يتم نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت بسبب عدم وجود غرفة عناية فائقة خاصة بالأطفال في مستشفى المعونات وفقاً لتعبيره. كما أن عدم وجود سيارة إسعاف متاحة في المستشفى دفع الوالد لنقلها بسيارته بموافقة الطبيب، على أن ترافقهم طبيبة ويتم تزويد السيارة بأجهزة مراقبة. يشير الطبيب إلى أن "وضع إيلا حينها كان يسمح بنقلها في سيارة الوالد"، لافتاً إلى أنه أخبره أنه كان مسعفاً في الصليب الأحمر. يضيف، "حاول الوالد حينها أن يدخلها إلى مستشفى أوتيل ديو لكني نصحته بالإحجام عن ذلك". نستفهم من الاستجواب أنه عندما وصل الوالد إلى طوارئ أوتيل ديو، كشف طبيب أوتيل ديو ك. أ. على حالة إيلا وقرر أن يمتنع عن إغاثتها.  لذلك عاد وتوجه إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث دخلت الطوارئ وتم إجراء الفحوصات اللازمة لها ليتبين أنها أصيبت بالصدمة الإنتانية.

 

رواية طبيبة الجامعة الأميركية

بعد الاكتفاء من استجواب الطبيب ع. م. توجه القاضي إلى طبيبة الأطفال في مستشفى الجامعة الأميركية ر. ش. التي سردت رواياتها.  من جهتها، تؤكد ر. ش. أنه في اليوم الذي دخلت فيه إيلا إلى مستشفى الجامعة، تلقت اتصالا من طبيبة الطوارئ في المستشفى لتعلمها بوضع إيلا طالبة منها إدخالها في العناية الفائقة. وبحسب تقرير الطوارئ، فإن "إيلا وصلت بحالة حرجة وتعاني من ارتفاع في نسبة الأسيد في الدم فتم وضعها على جهاز التنفس"، وفقاً لإدلاءات ر. ش.

في السياق نفسه، تلفت الطبيبة إلى أنه لدى "دخول إيلا إلى العناية الفائقة كان لونها قد بدأ بالتغير وأن ذلك يحصل نتيجة الصدمة الإنتانية". تضيف الطبيبة بأنها منحت إيلا العلاج المطلوب لإنقاذ حياتها أثناء رعايتها لها. عندها بدأ المحامي الشافي يوجه أسئلته مستنداً إلى تقرير اللجنة الطبية، إذ برز تناقض ما بين رؤية الطبيبة للقضية وما توصل إليه التقرير. فلدى سؤال الشافي عن سبب التأخر حتى تاريخ 8 آذار لتقديم العلاج للطفلة وفقاً لما جاء في التقرير، أجابت معترضةً أنه "لم يحصل أي تأخير بل التأخر جرى لتسمية نوع البكتيريا التي أصابت إيلا بسبب المضادات الحيوية التي أخذتها الطفلة في المعونات". وهنا يطرح الشافي عدة نقاط رئيسية ظهرت في تقرير اللجنة الطبية القضائية. إذ يسأل عن سبب إرسال العينات إلى مختبرات المانيا بدلاً من المختبرات المحلية، وعن سبب عدم استشارة فريق جراحي الأوعية الدموية والامتناع عن تشخيص تخثر الدم فضلاً عن عدم إعطاء إيلا علاجا لتوسيع الأوعية والامتناع عن مراقبة الضغط الوريدي. تجيب الطبيبة على أسئلة المحامي بأنها طعنت بتقرير اللجنة الطبية ذاك. إذ أكدت أنه "كان هناك مراقبة فعلية للضغط الوريدي عبر مصل يعطي الضغط بشكل مستمر". كما بررت إرسال العينات إلى ألمانيا بأنه "في ذلك الوقت لم يكن تشخيص البكتيريا متاحا في المختبرات اللبنانية فاضطررنا على إرسال العينات إلى ألمانيا". وعن الادعاء بأنه لم يتم استشارة فريق الأوعية الدموية تجيب بالنفي. إذ توضح بأنها قامت باستشارة "فريق جراحة الأوعية لكن لم يتم اتخاذ القرار بإعطائها الأدوية المسيلة للدم إلا بتاريخ 3 آذار 2015 بسبب أن صفيحات الدم كانت منخفضة ودمها بحالة سيلان". أما بالنسبة لعلاج توسيع الأوعية الدموية تشير بأن ضغط إيلا المنخفض حينها لم يسمح بإعطاء علاج موحد لتوسيع الأوعية. فتم إعطاؤها دواء مهمته رفع الضغط وتوسيع الأوعية في الوقت نفسه. إضافة إلى ذلك، تشدد الطبيبة على أن "التخثر هو نتيجة الصدمة الإنتانية ولا يتم تشخيصه وحده". في الختام تلفت الطبيبة إلى أن "بتر الأطراف هو نتيجة الصدمة الإنتانية" معتبرةً أنه "لا يوجد أي علاج آخر يمكن إتباعه في هذه الحالة". وفي سؤال وجهه القاضي إليها عن احتمال تلافي حصول البتر لو تم اكتشاف البكتيريا مبكراً، تجيب بأنه حتى لو "تم اكتشافها باكراً، فإنه من الممكن أن يؤدي إلى البتر". عندها باغتها الشافي بالسؤال: وممكن ألا يحدث البتر صح؟ فأجابت بنعم ومع ذلك تعتبر أنه "لا يوجد أي علاج آخر يمكن إتباعه غير الذي اتبعناه في الجامعة الأميركية".

في ختام الجلسة، اقترح القاضي تقي الدين أمام أطراف الادعاء محاولة التوصل لحل حبي، إلا أنه لم يُسجل أي جواب جدي من أي طرف.

 

المعونات وإساءة استعمال الحق

في سياق متصل، يُذكر أن محكمة الاستئناف الجزائية كانت قد أصدرت قراراً برد الاستئناف الذي كانت قد تقدمت به المعونات اعتراضا على قرار القاضي تقي الدين بضم الدفوع الشكلية إلى الأساس وهو قرار غير قابل للاستئناف. وتم تغريم المستشفى مبلغ 600 ألف ليرة لبنانية لإساءتها استعمال حق التقاضي. ثم عادت المستشفى وميزت الحكم، فصدر قرار بتاريخ 4 كانون الثاني 2018 برد طلب التمييز لعدم قانونيته مع تغريمها مبلغ 500 ألف ليرة لإساءة استعمال حق التقاضي ومليون ليرة لبنانية كبدل عطل وضرر لسوء النية في الطعن[1]. و كان والد إيلا السيد حسان طنوس أشار في وقت سابق إلى أن المستشفى تتعمد القيام بهذه الخطوات بهدف المماطلة.

 

[1]  رد التمييز المقدم من مستشفى المعونات بقضية إيلا طنوس، LBCI، 4 كانون الثاني 2018، https://goo.gl/P4UQGu.