في كل مرة يتصاعد فيها الخلاف بين الفرقاء السياسيين في ليبيا، تُثار بمناسبة هذا التصعيد مسألة انتهاء ولاية الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور من عدمها. ومردّ الخلاف أن المادة ٣٠ من الإعلان الدستوري نصت على أن تنتهي الهيئة التأسيسية من صياغة مشروع الدستور خلال مائة وعشرين يوما من تاريخ أول اجتماع لها والذي كان بتاريخ ٢١/٠٤/٢٠١٤.  فبينما يرى البعض انتهاء ولاية هذه الهيئة لانتهاء الأجل الذي ضرب لها في الإعلان الدستوري للانتهاء من إعداد مشروع الدستور، يرى فريق آخر أن هذه الولاية لا تزال مستمرة وأن انقضاء الأجل المضروب لها في الإعلان الدستوري لا يؤدي إلى إنتهاء ولايتها ولا يمسّ بالتالي أعمالها بالبطلان لكون هذا الأجل من المدد التنظيمية التي استقر الفقه والقضاء على أنه لا بطلان يترتب على مخالفتها. ولم يقف هذا الخلاف عند حدّ التجاذبات السياسية والفقهية، بل تطور ليكون محلا لعدة دعاوى قضائية عرضت على القضاء الليبي وينتظر الجميع نتيجة الفصل فيها[1]. وهنا أجد نفسي كباحث قانوني مهتم بالشأن الليبي من أنصار الرأي القائل بأن المواعيد المحددة لإنهاء أعمال الهيئة التأسيسية مواعيد تنظيمية لا يترتب على مخالفتها أي بطلان، والذي أرى أنه بالإمكان التأسيس له من الناحية القانونية من عدة جوانب يمكن تفصيلها على النحو التالي:

            

أولا: من حيث البناء العام للإعلان الدستوري والخارطة الدستورية التي رسمها للتحول من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة تمام بناء الدولة:

هنا نجد أن المادة 30 من الإعلان الدستوري بتعديلاتها المتلاحقة[2] قد بينت تفاصيل هذا البناء. فنصت على إقامة انتخابات عامة بعد تمام التحرير لانتخاب مؤتمر وطني عام يقوم بتعيين رئيس للحكومة، يشرف على انتخاب لجنة تسمى الهيئة التأسيسية يعهد إليها بإعداد مشروع الدستور خلال مائة وعشرين يوما من تاريخ انعقاد أول جلسة لها. فإذا انتهت هذه الهيئة من مشروعها وتم الاستفتاء عليه بنعم من قبل ثلثي المقترعين، اعتمد كدستور للبلاد وأصدر مجلس النواب خلال ثلاثين يوما قانون الانتخابات العامة وفقا لأحكام الدستور. وتجري الانتخابات في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ إقرار هذا القانون، لتنتهي هذه العملية بتسليم السلطة للمؤسسات المنتخبة وفقا لأحكام الدستور الجديد. وبهذا تنتهي عملية الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الدولة المستقرّة التي تعمل بشرعية دستورية ثابتة تنتهي معها شرعية الإعلان الدستوري.

هذا الشرح الموجز للمرحلة الانتقالية كما رسمها الإعلان الدستوري مهم كما نرى لبيان أثر تجاوز الهيئة التأسيسية للزمن المحدد لها لإعداد مشروع الدستور. فالقول بأن انتهاء ولاية هذه الهيئة بمجرد انقضاء هذا الأجل، لا يؤدي فقط إلى إنهاء ولاية الهيئة التأسيسية، بل أيضا إلى انهيار الخارطة الدستورية بالكامل. فأعمال هذه الهيئة تعدّ نقطة ارتكاز أساسية للوصول إلى المرحلة النهائية المتمثلة في إقرار دستور دائم للبلاد. فإذا تمشينا مع الرأي القائل بإنتهاء ولايتها بانقضاء هذه المدة دون إنجاز مشروع الدستور، فإننا نكون قد طمسنا ملامح المرحلة وأضعنا معالمها ولم يعد في الإمكان تحديد الزمن الذي ستنتهي فيه ولاية مجلس النواب، لأن وجود الهيئة التأسيسية وإنجاز مهامها نقطة أساسية لمعرفة وقت انتهاء ولاية المجلس. ومن شأن تفسير مماثل أن يحول مجلس النواب إلى هيئة سرمدية لا وجود لنقطة نهاية لأعماله، وهذا مخالف لقواعد المنطق والأعراف الدستورية.

 

ثانيا: من حيث تطبيق قواعد البطلان

تنص المادة 21 من قانون المرافعات الليبي على أنه (يكون الإجراء باطلا إذا نص القانون على بطلانه أو إذا شابه عيب جوهري ترتب عليه ضرر للخصم). من هذا النص الشائع استعماله على مستوى التشريعات المقارنة[3]، عرفت قاعدة أنه لا بطلان إلا بناء على نص أو إذا كان الإجراء المخالف جوهريا وأصبح الفقه يطبق هذه القاعدة على جميع فروع القانون ولم يقتصر تطبيقها على العلاقات القانونية التي يحكمها قانون المرافعات[4].

وبتطبيق هذه القاعدة على المخالفة التي وقعت من قبل الهيئة التأسيسية والمتمثلة في تجاوزها للآجال التي ضربت لها لإتمام مشروع الدستور، فإنه لا يمكن القول ببطلان أعمالها بموجب نصّ المادة 30 من الإعلان الدستوري أو أي نصّ آخر، إذ لم يرد في هذه المادة أو غيرها أي نص على بطلان أعمال الهيئة التأسيسية إن هي تجاوزت المدة المحددة لإتمام مشروع الدستور. وبذلك ينتفي تحقق الضابط الأول لإيقاع البطلان لتخلف وجود نص يقضي بالبطلان.

يبقى الضابط الثاني، وهو إذا شاب الإجراء عيب جوهري ترتب عليه ضرر للخصم. و لعل انتفاء هذا الضابط في الواقعة محل البحث لا يقل وضوحا عن انتفاء الضابط الأول. فالزمن ولا شك عنصر أساسي في المرحلة الحرجة التي تمر بها ليبيا. وهذا الأمر يقتضي من الجميع مراعاته والحرص على إنجاز الاستحقاقات الدستورية في المواعيد المقترحة لها. ومع ذلك، فإنه بالنسبة للهيئة التأسيسية، يجب تحليل مهمتها لتحديد الجانب الجوهري الدقيق الذي يجب مراعاته في إجراءاتها و أعمالها، ومن ثم الحكم بالبطلان إذا ما هي خالفته. ولا أظن أن أحداً يجادل في أن الجانب الجوهري في عمل هذه الهيئة يكمن في إنجاز مشروع توافقي يضع أسس الدولة الليبية، ويحظى بموافقة أغلبية معتبرة من أعضاء هذه الهيئة. فإن هي حققت هذه الغاية وبالنصاب المعتبر قانونا وبإجراءات انعقاد صحيحة، فإنها ولا شك تكون قد حققت جوهر مهمتها وحتى إن حققت هذا التوافق خارج النطاق الزمني الذي منح لها. فمحاولة الطعن على أعمالها بحجة تجاوز الزمن هو الضرر بعينه، إذ سيترتب عليه في حالة مسايرته هدم مشروع الدستور بعد إنجاز الهيئة له بالتوافق المطلوب والانتقال نحو البحث عن آلية جديدة لإقرار مشروع الدستور قد يكون من المستحيل الوصول إليها بحكم حالة شبه العجز التي يعيشها مجلس النواب، ناهيك عن الزمن الذي يقتضيه هذا التوجه الجديد. أثر كل هذه الاعتبارات على نظرية البطلان انها تنفي وقوع الضرر من واقعة تجاوز الهيئة التأسيسية لعنصر الزمن، ويجعل واقعة الطعن عليه بهذا الحجة غير منتجة. وما دام قد انتفى الضرر فقد انتفى الضابط الثاني لتقرير البطلان.

 

ثالثا : من حيث قواعد التفسير

إن تتبع إرادة المشرع الدستوري بالتفسير بشأن مدة ولاية الهيئة التأسيسية يقطع بأنه أراد أن تكون المدد المنصوص عليها في الإعلان الدستوري لتنظيم عمل هذه الهيئة مددا تنظيمية لا يترتب على مخالفتها أي بطلان. ويمكن الاستشهاد على هذا التفسير لإرادة المشرع الدستوري بما يلي:

  • سبق لمجلس النواب أن أجرى تعديلا دستوريا يقضي بمد ولايته إلى حين انتخاب برلمان جديد وكتابة دستور دائم للبلاد[5]، و لم يتعرض في هذا التعديل لأي تعديل على آلية إنتاج مشروع الدستور. وهذا الأمر يعني استمرار إقراره لذات الآلية السابقة لإعداد مشروع الدستور، أي عن طريق مشروع دستور يقدم من الهيئة التأسيسية للاستفتاء عليه من قبل الشعب، وهو ما يقطع بأنه أي المشرع الدستوري يرى أنه لا حاجة للنص في هذا التعديل على تمديد أجل عمل الهيئة التأسيسية أو تعديل طريقة عملها.
  • تعمل الهيئة التأسيسية تحت نظر وسمع مجلس النواب، وهو السلطة التأسيسية الأصيلة التي تملك تعديل الإعلان الدستوري بما في ذلك الشق الذي ينظم عمل الهيئة التأسيسية. وقد استمر في التفاعل مع هذه الهيئة و لم يعترض على أعمالها. كما أنه قبل مشروعها ولم يوقف مسيرة الاستفتاء عليه وفق ما صرح به[6] إلا لمانع قضائي تمثل في الحكم القضائي الذي أوقف قرار الهيئة التأسيسية بشأن اعتماد مشروع الدستور[7]. وهذا المسلك لا يمكن تفسيره إلا بأن مجلس النواب يرى استمرار ولاية الهيئة التأسيسية وأن تجاوزها للأجل المضروب لها لا ينهي هذه الولاية، وإلا لكان قد تدخل بما يملكه من إرادة دستورية لتصحيح الوضع، خاصة وأنه يسمع ويرى صباحا مساءً على وسائل الإعلام المختلفة الاعتراضات العلنية وادعاءات بطلان أعمال هذه الهيئة بحجة انتهاء ولايتها حسب وجهة نظر أنصار هذا الرأي.
  • كما يمكن ايضا تفسير المسلك السابق للمشرع الدستوري وهو تعامله وتفاعله مع الهيئة الدستورية رغم انتهاء الأجل المضروب لها لإعداد مشروع الدستور، على أنه تمديد ضمني لهذه المواعيد التنظيمية. فلو كانت له إرادة غير هذه لكان عبر عنها بشكل صريح بموجب تعديل دستوري يعالج بمقتضاه مسألة انتهاء ولاية الهيئة التأسيسية قبل تمام إصدار مشروع الدستور.
  • إن المادة ٣٠ من الإعلان الدستوري والتي نصت على مدد محددة لأعمال الهيئة التأسيسية، نصت في تاوقت ذاته على مدد أخرى لإجراء استحقاقات دستورية أخرى، منها تلك الآجال التي ضربتها للسلطة التشريعية لاختيار رئيسا للحكومة (وهو لا شك استحقاق دستوري). فقد أوجبت أن يتم اختيار رئيس حكومة خلال ثلاثين يوما من تاريخ أول اجتماع لها. ولم تتمكن هذه السلطة ممثلة في حينها في المؤتمر الوطني من تعيين رئيس وزراء إلا بعد انقضاء هذا الأجل[8]. ومع ذلك، لم يقل أحد ببطلان هذا التعيين وعدم دستوريته، ذلك أن الكل يؤمن بأن هذه المدة جاءت من باب التنظيم ومن ثم لا يعدّ تجاوزها خرقا لإجراء جوهري يرتب البطلان، بل إن الضرر يكمن في تقرير بطلان هذا التعيين بعد اجتياز الخلاف وتحقيق التوافق على شخص لتولي هذه المهمة. فلماذا لا يقال أن الأمر نفسه ينطبق على المدد المحددة للهيئة التأسيسية خاصة أنها نظمت بذات المادة التي نظمت مسألة تعين رئيس الحكومة ونعني بذلك المادة ٣٠ من الإعلان الدستوري. فلا تفسير لذلك إلا بالقول أن المشرع الدستوري يرى أن هذه المدة مدة تنظيمية شأنها شأن الأجل الذي ضربه لتعيين رئيس الحكومة لا بطلان في حال مخالفتها، ولا تستدعي تدخله لعلاجها في حالة انتهائها قبل تمام مشروع الدستور.
  • أن نصوص اتفاق الصخيرات[9] وبغض النظر عن الجدل القانوني حول تمام اعتماده ودمجه في الإعلان الدستوري من عدمه، يظهر من خلال معالجتها لأوضاع الهيئة التأسيسية في المواد من 47 إلى 52 إقرار طرفيه (مجلس النواب والمؤتمر) باستمرار ولاية الهيئة وعدم انتهائها. بل إنه لم يفترض انتهاء ولايتها حتى إذا جاوزت الأجل الجديد الذي ضربه لها هذا الاتفاق في المادة 52 لإتمام مشروع الدستور و هو 24 مارس 2016، وإنما نص فقط على تشكيل لجنة للتشاور في هذا الأمر وترك لها اقتراح خيارات المعالجة دون الافتراض المسبق انتهاء ولايتها الهيئة بمجرد بلوغ هذا التاريخ.

تفسير كل هذه الشواهد وبأي أسلوب من أساليب التفسير المعتبرة فقها يكشف عن إرادة واضحة للمشرع الدستوري في اعتبار الآجال المضروبة للهيئة التأسيسية لإتمام مشروع الدستور آجالا توجيهية تنظيمية لا يترتب على مخالفتها أي بطلان ولا تنقضي ولاية الهيئة التأسيسية بمجرد بلوغها، وإنما تظل هذه الولاية قائمة إلى حين اتمام هذه الهيئة لمهمتها الأساسية وهي إعداد مشروع دستور وإقراره من قبل الشعب بموجب استفتاء عام، أو تدخل السلطة التشريعية التي تملك تعديل الإعلان الدستوري وإعادة تنظيم المرحلة بخارطة دستورية جديدة تنهي بها ولاية الهيئة التأسيسية.

وفي ختام هذا المقال الموجز لا يسعني إلا دعوة الجميع إلى تغليب لغة العقل وتوحيد الجهد نحو إقرار دستور دائم للبلاد تنتظم تحت شرعيته مؤسسات الدولة وأعمالها، و تجنب عرقلة هذا المسار بإثارة نزاعات وطعون لا تمس جوهر مشروع الدستور أو الإرادة التوافقية التي بلغت النصاب الدستوري المطلوب لإقراره بل تجاوزته بقليل[10] وبتنوع بين أعضاء الأقاليم الثلاثة بحيث حظت بالإضافة إلى النصاب المعتبر قانونا إلى موافقة أغلبية الأعضاء في كل إقليم على حدة وهو توافق لا ينتظر الحصول على أكثر منه في ظل الظروف الراهنة.

 


[1] آخرها الطعن المرفوع أمام الحكمة العليا  من قبل السيد حسن الصغير وكيل وزارة الخارجية السابق ، و الطعن رقم 4 لسنة 62 قضائية بتاريخ 19 يناير 2015م بشأن عدم دستورية جلسات الهيئة التاسيسية ولم يفصل فيه بعد

[2] تعد هذه المادة صلب الإعلان الدستوري و قد أدخلت عليها العديد من التعديلات أبرزها ذلك الذي قضى بانتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية بعد كان النص في صياغته الأولى ينص على تعيشها من قبل المؤتمر الوطني.

[3] نجد الكثير من التشريعات تتضمن نفس القاعدة و بشكل متقارب،  منها على سبيل المثال القانون المصري في المادة ٢٠ من قانون المرافعات

[4] يمكن إرجاع ذلك إلى أن جانب كبير من الفقه يعتبر تشريعات المرافعات بمثابة الشريعة العامة لكافة التشريعات الإجرائية الأخرى بحيث تطبق نصوصها في كل مرة لا يوجد فيها نص خاص في التشريعات الإجرائية الخاصة.

[5] أجري هذا التعديل في جلسة مجلس النواب المنعقدة بتاريخ ٠٥/١٠/٢٠١٥ و بأغلبية  ١٣٠ صوت من أصل ١٣١ عضوا حضروا الجلسة و هو التعديل الدستوري التاسع الذي يدخل على الإعلان الدستوري.

[6] و هنا تجدر الإشارة أن الاعتراض المعتبر بهذا الخصوص هو الذي يصدر من مجلس النواب بنصاب يجيز له تعديل الإعلان الدستوري و هو نصاب الثلثين وفقا لنص المادة ٣٦ من هذا الإعلان ، لذلك لا يعول قانونا على التصريحات الفردية التي تصدر أحيانا عن بعض مجلس النواب  يؤيدون الرأي القائل بانتهاء ولاية الهيئة التأسيسية.

[7] صدر هذا الحكم عن محكمة استئناف البيضاء دائرة القضاء الإداري في العوى المقيدة تحت ١٠٤ لسنة ٢٠١٧بتاريخ ١٦ /٠٨/٢٠١٧ و قضى في الشق المستعجل بإيقاف قرار الهيئة التأسيسية بشأن اعتماد مشروع الدستور، و قد طعن على هذا الحكم أمام المحكمة العليا و حدد لنظره جلسة ٢١/٠١ / ٢٠١٨

[8] انعقد المؤتمر الوطني لأول مرة بتاريخ ٠٨/ ٠٨ ٢٠١٢ ، و مع ذلك لم يتمكن من تعين رئيسا للوزراء إلا بتاريخ ١٢/٠٩/ ٢٠١٢ اي بعد انقضاء مهلة الشهر الممنوحة له بموجب المادة ٣٠ من الإعلان الدستوري..

[9] اتفاق الصخيرات اتفاق سياسي تم برعاية الأمم المتحدة بين المؤتمر الوطني و مجلس النواب بعد صراع بينهما حول شرعية تمثيل الشعب الليبي ، و قد وقع في بلدة الصخيرات المغربية بتاريخ ١٧/١٢/٢٠١٥.

[10] أقر مشروع الدستور من قبل الهيئة التأسيسية بأغلبية ٤٣ من ٤٤ عضوا حضروا جلسة التصويت و من أصل ٥٧ عضوا هم إجمالي أعضاء الهيئة التأسيسية هم إجمالي أعضاء الهيئة المنتخبين.