بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، والذي يتواكب مع الذكرى التاسعة والستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أصدرت الخارجية المصرية بيانا يوم 12 ديسمبر أكدت فيه اعتزاز مصر باليوم وما يمثله من أهمية ودلالة كبيرة في تاريخ تطور البشرية والحضارة الإنسانية، وفي ترسيخ أسمى قيم ومعاني حقوق الإنسان كأساس للحرية والكرامة والعدل، في إطار من المساواة والتعايش السلمي بين كافة شعوب العالم. من اللافت أن البيان اعتمد في صياغته على عبارات إنشائية، وارتكز على حقائق تاريخية كاشتراك مصر في صياغة وكتابة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومساهمتها شأنها شأن كافة أعضاء المنظمة الدولية في تطبيق وتطوير قواعد القانون الدولي. كما اعتبر البيان اختيار مصر، عضوا بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وانتخابها كنائب للرئيس موضع فخر، متناسيا أن شغل مقاعد اللجان ورئاستها بالمجلس، أمر لا يمت بصلة لمدى احترام الدول والتزامها بالمواثيق، لكنه يخضع لاعتبارات أخرى، لها علاقة بالتمثيل المتكافئ بحسب المجموعات الإقليمية. وتجاوز البيان الواقع المصري عما يحدث من انتهاكات مستمرة ومنهجية لتلك الحقوق؛ فلم يعد باقيا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، غير الحبر الذي كُتب به بعدما عصفت الحكومة المصرية بكامل ضماناته.

ولا يسعنا هنا إلا القاء الضوء على بعض ممارسات النظام المصري في عام 2017، والتي تعد نموذجا لتوضيح مدى انتهاكه للحقوق الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الانسان وللاتفاقيات الدولية والإقليمية.

 

التمييز بين المواطنين

رغم نص الإعلان العالمي على المساواة بين جميع الناس في الكرامة والحقوق، وتمتعهم بالحقوق والحريات، دونما تمييز من أي نوع، نجد أن النظام الحالي يعمل جاهدا على تعزيز السياسات التميزية بين جميع المواطنين على النحو التالي:  

المسيحيون كأقلية دينية: اتخذت الدولة الجلسات العرفية كطريقة وحيدة لتسوية النزاعات الطائفية وما يتضمنه ذلك من انتهاك حقوق المواطنة ودعم اجراءات تمييزية ضد المواطنين الأقباط. فبعد فشل الدولة في حماية المواطنين المسيحيين من تهديدات الجماعات الإرهابية، فرت عشرات الأسر المسيحية من شمال العريش، في عمليات نزوح جماعية أشبه بحالات التهجير القسري من دون أية حماية تذكر من قبل أجهزة الدولة. بالإضافة إلى ذلك، يعد قانون بناء الكنائس نوعا آخر من التمييز حيث تضمن العديد من العراقيل للحصول على التصاريح اللازمة لبناء وترميم الكنائس.

النوبيون كأقلية عرقية: على الرغم من نص الدستور المصري الحالي على إعادة سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية[1]، إلا أن السلطات المصرية لم تلتزم بهذا النص على مدى السنوات الثلاث الماضية. كما قامت باعتقال عدد من النوبيين على أثر تنظيمهم مسيرة سلمية بالدفوف للمطالبة بتنفيذ النصّ الدستوري.

 

انتهاك الحق في الأمان الشخصي 

نص الإعلان العالمي لحقوق الانسان على حق كل فرد في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه، وعدم جواز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا أو إخضاعه للتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. ولكن النظام المصري عمد خلال السنوات الماضية إلى تعزيز الإجراءات التي تنال من الأمان الشخصي للأفراد. فأصبح المواطنون معرّضين للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري حيث أن عدد المختفين قسريا من أغسطس 2016 إلى أغسطس 2017 بلغ 378 حالة. ويخضع هؤلاء لضروب مختلفة من التعذيب في ظل رقابة صورية على مقرات الاحتجاز والسجون من قبل الجهات القضائية المختصة، بالإضافة إلى عدم إثبات النيابة العامة لجرائم التعذيب التي تتم في كافة مقرات الاحتجاز الشرطية والعسكرية. كما تشهد السجون المصرية أوضاعا متردية، بين الحرمان من الرعاية الصحية، واستخدام الحبس الانفرادي، والحرمان من الزيارة لفترات تجاوزت العام الكامل، بالمخالفة للقانون والدستور، والمواثيق الدولية المتعلقة بمعاملة السجناء.

 

محاكمات من دون ضمانات

في ما يتعلق بحق اللجوء إلى المحاكم والخضوع لمحاكمة عادلة ومنصفة، يشير الواقع إلى القصور الذي طال منظومة العدالة. فالنيابة العامة تنحاز إلى السلطة التنفيذية في القضايا السياسية. كما تعتمد المحاكم على تحريات الجهات الشرطة، كدليل إدانة وحيد في أحيان كثيرة، في القضايا المتعلقة بالسياسية والعمل العام. وبالتالي لعب القضاء بالاشتراك مع الجهات الأمنية دورا بارزا في التنكيل بالمعارضين، من خلال التطبيق الانتقائي للنصوص المتعلقة بمدة الحبس الاحتياطي، والتحفظ على أموال العشرات بالمخالفة للقانون. كما طالت المحاكمات العسكرية الجميع، عمالا، وأطباء، ومشجعي الكورة أيضا. كما تم تطبيق نصوص بعض القوانين العقابية بأثر رجعي وإحالة المتهمين لمحاكمات عسكرية على أثرها. وترافق ذلك مع تعديلات تشريعية عديدة أقرها البرلمان، نالت من ضمانات المحاكة العادلة. ففي يوم واحد واثناء الموافقة على تطبيق حالة الطوارئ، تم تمرير حزمة من التعديلات على كلا من (قانون الإجراءات الجنائية، وقانون تنظيم طرق الطعن أمام محكمة النقض، وقانون الإرهاب).

وما فاقم من ذلك هو سعي السلطة السياسية إلى وضع اليد على الهيئات القضائية من خلال زيادة هامش السلطة التنفيذية في تعيين القيمين عليها. 

 

مصادرة حرية الرأي والتعبير، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة   

في ما يخص حرية الرأي والتعبير، فإنه لم يعد هناك أية مساحة لممارسة حرية الرأي، فتم حجب 465 موقعا الكترونيا صحفيا في الفترة الممتدة من 24 مايو وحتى 7-12-2017، بالإضافة إلى حجب موقع (العربي الجديد) في نهاية سنة 2015. وامتدّ الحجب ليشمل مواقع بعض المنظمات الحقوقية المحلية والدولية منها: المفوضية المصرية للحقوق والحريات، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، ومنظمة الهيومن رايتس ووتش، وعددا من المواقع الناطقة باسم بعض الحركات السياسية، منها: موقع حركة 6 ابريل، بوابة الاشتراكي، بوابة الحرية والعدالة، وكذلك العديد من مواقع بعض القنوات التلفزيونية مثل موقع قناة الجزيرة، موقع قناة الشرق، موقع تلفزيون العربي، بالإضافة لعشرات مواقع ال VPN التي تتيح تجاوز الحجب. كما تمت مصادرة العددين الصادرين في 10 و11 ابريل من جريدة البوابة على خلفية اتهام الجريدة لوزير الداخلية آنذاك، بالتقصير في حماية كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية واللتين تعرضتا للتفجير. وتمت مصادرة عدد الجريدة الصادر بتاريخ 3/9/2017 للمرة الثالثة، بسبب إدانتها لطول فترة هروب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على إلقاء القبض عليه وتقديمه للعدالة.

 

قيود على حرية التنقل

حولت السلطات المصرية المنع من السفر من إجراء احترازي لمنع هروب المتهمين يصدر بأمر قضائي وفقاً لضوابط صارمة، إلى عقوبة تعسفية تصدر “بأوامر أمنية وقضائية على حد سواء "ضد النشطاء السياسيين والحقوقيين"، كوسيلة للتنكيل السياسي منتهكة بذلك الحق في التنقل. ورصدت تقارير منع 80 شخصا من السفر على مدار 18 شهر.

 

تهديد الحق في الجنسية

إلى جانب ذلك، أقر مجلس الوزراء مشروع قانون لتعديل بعض أحكام قانون الجنسية، يهدف إلى زيادة سلطات وصلاحيات مجلس الوزراء لجهة سحب وإسقاط الجنسية عند الإدانة في قضايا تتعلق بالإرهاب أو الإضرار بأمن الدولة. مما يفتح الباب أمام السلطة لإقصاء معارضيها التي تتهمهم بالإضرار بأمن الدولة تفادياً لاتهامهم بقضايا سياسية.

 

إهدار الحق في التنظيم والتجمع السلمي

 عمل النظام الحالي على إغلاق المجال العام وأي فرصة للتجمع السلمي، مع فرض قيود قانونية؛ فعمد البرلمان إلى تمرير قوانين تؤمم كافة أشكال التنظيم وحرية التجمع:

قانون التظاهر: حافظ النظام الحالي على قانون التظاهر على الرغم من الاعتراضات التي وجهت للقانون من كافة التيارات السياسية، ثم قام البرلمان بإدخال تعديلات شكلية عليه بعد الحكم بعدم دستورية بعض مواده.

قانون الجمعيات الأهلية: أصدر البرلمان قانون الجمعيات والذي جاء بمثابة الحلقة الأخيرة في مسلسل اعتداء الدولة على حرية تكوين الجمعيات في مصر، وملاحقة منظمات حقوق الانسان بشكل خاص. وهو المسلسل الذي بدأ بفتح ملف التمويل الأجنبي للمنظمات والحكم بالسجن على عدد من العاملين في منظمات المجتمع المدني لتلقيهم تمويلاً أجنبياً وتغليظ عقوبة تلقيها لتصل إلى الإعدام، ومنع عدد من أعضاء منظمات حقوق الانسان من السفر خارج البلاد والحجز على أموالهم.

قانون التنظيمات النقابية: وافق البرلمان مؤخراً على مشروع قانون المنظمات النقابية العمالية، على الرغم من تحفظ منظمة العمل الدولية على 13 بنداً من مسودة القانون.

 

على صعيد آخر شهدت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إخلال الدولة بواجباتها لكفالتها: فشهد هذا العام إخلاء قسريا للأماكن السكنية، والاستيلاء على محال عمل ومصادر رزق بعض المواطنين، مع عدم اتخاذ أية إجراءات لضمان الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية للمواطنين.

 

[1]  نصت المادة 236 من الدستور على أن "...وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون»