في ذكرى مرور عام على موافقة وإقرار البرلمان المصري لقانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017، أصدرت 8 منظمات مصرية بيانا تجدد فيه طلبها بإلغاء القانون، وترفض أي مسعى لتعديله، وتطلب استبداله بمشروع القانون الذي كان قد تم التوافق عليه في عهد وزير التضامن السابق أحمد البرعي في يوليو 2013. وكان مجلس النواب وافق على القانون في جلسته العامة المنعقدة في 29 نوفمبر 2016 بشكل سريع ودون مناقشة وافية، وصدق عليه رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي كما هو دون أية تعديلات بعد 6 أشهر من وروده اليه.  وحتى الآن، لم تصدر اللائحة التنفيذية للقانون رغم النص على ضرورة إصدارها خلال شهرين من تاريخ نشر القانون.

ومن أبرز الانتقادات التي وُجهت لهذا القانون، نذكر فلسفته التي جاءت معادية لفكرة التطوع والمبادرات الجماعية، فضلا عما سيترتب عليه حال العمل به من مذبحة مؤكدة للجمعيات الأهلية العاملة في مجال التنمية والخدمات الاجتماعية، والتي اشترط القانون أن يتوافق مجال عملها مع احتياجات المجتمع وخطط الدولة في التنمية، وهو الشرط الذي يمثل عودة صريحة لقانون الجمعيات الأسبق رقم 32 لسنة 1964 والمعروف بقانون تأميم العمل الأهلي، حيث يسمح للحكومة برسم خطة عمل المجتمع المدني والتعامل معه باعتباره أحد روافد الأجهزة الحكومية. وقد شاب القانون العديد من المخالفات الدستورية في أكثر من موضع. ففي حين نصت المادة 2 من القانون على أن يكون تأسيس الجمعية بموجب إخطار يقدم إلى الجهة الإدارية المختصة على النموذج الذي تحدده مستوفيا كافة المستندات، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد تقديم هذا الإخطار، نجد أن المادة 9  منحت الإدارة الحق في إيقاف القيد، وألقت على المؤسسين عبء اللجوء إلى القضاء للطعن على هذا القرار، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحوّل الإخطار المنصوص عليه في الدستور لتأسيس الجمعيات الأهلية إلي ترخيص. ثم أطلق القانون يد الإدارة في وقف نشاط الجمعيات، حيث أجازت المادة 26 من القانون للجهة الإدارية أن تقوم بوقف نشاط الجمعية لمدة لا تجاوز سنة، إذا ما ارتأت الإدارة أن الجمعية قد خالفت اشتراطات جمع التبرعات أو الحصول على التمويل، أو لم تعلن عن أيا منها على موقعها الالكتروني، وذلك بموجب قرار إداري ودون اشتراط اللجوء إلى المحكمة المختصة. وقد استحدث القانون جهازا جديدا يسمى "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية"، يشكل الجهاز من 10 أعضاء كالتالي: ممثلي 3 جهات أمنية (وزارتى الدفاع والداخلية وجهاز المخابرات العامة)، بالإضافة لممثلي 4 وزارات (الخارجية، والعدل، والتعاون الدولي، والوزارة المختصة بالجمعيات)، وممثل للبنك المركزي، وآخر عن وحدة مكافحة غسيل الأموال، والأخير عن هيئة الرقابة الإدارية. وأعطى القانون لهذا الجهاز الصلاحية الكاملة في متابعة المنظمات الأهلية الخاضعة للقانون والإشراف عليها.

وما يلفت انتباهنا في هذا القانون هو طريقة تعامل المشرع مع ضوابط قبول المنح المالية الأجنبية سواء من الخارج أو من  الداخل، وكذلك إرسال وتحويل المنح والأموال من الجمعيات الوطنية للخارج، بالإضافة إلى أسلوب اتخاذ القرارات في الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية الغير حكومية. ولذلك نناقش في ما يلي نصوص المواد 24 و73 من القانون  لما  فيها من الإفصاح عن فلسفة القانون ككل والتي تعتبر عمل الجمعيات استثناء، وتعكس بوضوح تجاهل البرلمان للضمانات التي كفلتها نصوص الدستور.

 

المادة 24 ضوابط قبول المنح وإرسالها

وعلى الرغم من كفالة النص الحق للجمعيات في تلقي الأموال من الأشخاص الطبيعية والاعتبارية الوطنية والأجنبية، إلا أن نص المادة 24 من القانون جاء مبهما وغامضا، ورتب عددا من القيود الواضحة، التي تفرغ هذا الحق من مضمونه وتضع عليه قيودا عديدة وهي الآتية:

 

  1. قرار تنظيمي لكل منحة على حدة

كلف نص المادة الوزير المختص بإصدار ما أسماه قرارا منظما لإجراءات تلقي أموال المنحة، على أن يصدر هذا القرار خلال 30 يوم عمل من تلقي الأموال ودخولها الحساب البنكي للجمعية. وهو ما يعني أن هذا القرار هو قرار لكل منحة منفردة، ولم يضع نص المادة تعريفا للمقصود بإجراءات تلقي المنحة، مما يشير إلى إمكانية تدخل الوزير المختص في أوجه صرف المنح. كما ألزم القانون الوزير المختص بأخذ رأي الجهاز في هذا القرار، خلال ثلاثين يوما من تاريخ دخول المنحة للحساب الخاص بالجمعية، ما يعني ايضا إمكانية تدخل هذا الجهاز ذي الصبغة الأمنية في تحديد أوجه صرف الأموال التي ستدخل للجمعيات.

 

  1. للجهاز حق الاعتراض خلال 60 يوم من تاريخ الإخطار

اختتم المشرع نص الفقرة الأولى من المادة 24 بحق الجهاز في الاعتراض خلال 60 يوم عمل من تاريخ الإخطار، دون توضيح لماهية الإخطار المذكور. فالمادة لم ترتب أي واجبات على الجمعية بخصوص تلقي المنح إلا أن تتلقاها في حسابها البنكي وتدونها في سجلاتها، والزمت الوزير المختص بإصدار قرار لتنظيم إجراءات وقواعد تلقي المنحة، بعد أخذ رأي الجهاز. ثم فجأة أعطت المادة الحق للجهاز في الاعتراض خلال ستين يوما من تاريخ الإخطار، دون تحديد من هو المُخطر، وما هو الشيء المخطر عنه.

 

  1. حظر صرف المنحة قبل موافقة الجهاز، واعتبار صمت الجهاز بمثابة رفض للمنحة

ألزمت الفقرة الثانية من المادة الجمعية بعدم صرف الأموال الممنوحة لها خلال فترة الستين يوم عمل، واعتبرت أن صمت الجهاز يعد بمثابة عدم موافقة على المنحة ورفضا لها. وهو ما يعني أن للجهاز الحق في رفض المنحة دون إبداء أية أسباب، مما يوسع من سلطته  إزاء قبول ورفض المنح المختلفة، مستنداً على أسباب فنية أو إدارية، أو مرتكزاً إلى السبب الأكثر شيوعا، وغموضا في الوقت نفسه، وهو الإخلال بالأمن القومي والنظام العام والآداب العامة.

 

  1. التصريح الكتابي لتحويل الأموال

اشترطت المادة على الجمعيات التي ترغب في إرسال أو تحويل أموال إلى أشخاص أو منظمات في الخارج أن تخطر الجهاز وتحصل على موافقته الكتابية بشكل مسبق، من دون وضع مهلة زمنية للجهاز للرد على هذه الطلبات.

 

  1. الإحالة للائحة التنفيذية

لم يتحدث القانون عن الإجراءات الواجب اتباعها في حالة رفض الجهاز طلب الجمعية بتلقي المنحة، واكتفى بإحالة هذا الأمر إلى اللائحة التنفيذية، كما أحال للائحة تحديد إجراءات القواعد الخاصة بتلقي المنح والتي سيصدر بها قرار من الوزير المختص بعد أخذ رأي الجهاز محددا إياها لكل منحة على حدة. وبذلك، أحال القانون للائحة أمرا جوهريا من الممكن أن يتسبب في فراغ تشريعي لمدة طويلة، وتعطيل مصالح الحمعيات.  واختتم المشرع نص المادة بالإحالة إلى اللائحة التنفيذية لتنظيم إجراءات الإخطار وما يتضمنه من مستندات، دون تحديد أي من الإخطارين المذكورين في المادة يقصد.

 

ثانيا: المادة 73 طريقة اتخاذ القرارات بالمجلس، وصلاحيات مجلس الوزراء

ألزمت المادة 73 المجلس (الجهاز) باجتماع دوري ثابت كل شهر مع التصريح لرئيسه أو أي من أعضائه بطلب اجتماعات أخرى كلما دعت الحاجة لذلك، ما يشير إلى حرص المشرع على انتظام وتيرة العمل بالجمعيات الأهلية وعدم تعطلها بناء على عدم اجتماع الجهاز، إلا أن ما ورد من قيود على النصاب اللازم لاجتماع الجهاز واتخاذ قراراته يثبت عكس ذلك.

  1. نصاب التصويت أكبر من نصاب الانعقاد

وضع نص المادة نصابا لصحة انعقاد مجلس إدارة الجهاز وهو أغلبية أعضائه ما يعني أن اجتماعات الجهاز تصبح سليمة إذا حضرها 6 من أصل 11 عضو. وفي نفس الوقت، اشترط القانون أن تأخذ قرارات المجلس بأغلبية ثلثي عدد الأعضاء ككل وليس ثلثي الحضور. وبذلك، لا يمكّن توفر نصاب المجلس وتاليا انعقاده بشكل أصولي من اتخاذ القرارات، مما يلغي الفائدة من الزامه بالنعقاد دوريا.

  1. الرفض كأثر لعدم اكتمال النصاب

اعتبر القانون أن عدم اكتمال النصاب اللازم للتصويت على القرارات المعروضة على مجلس إدارة الجهاز، بمثابة رفض لهذه القرارات. وبذلك أوجد القانون وضعا شاذا. فبدلا من ارجاء التصويت على القرارات المطروحة للمناقشة لحين اكتمال النصاب، وهو الإجراء المعمول به في كافة القوانين المنظمة للتصويت بداية من النقابات ومجالس إدارة الشركات وحتى البرلمان، نجد أن القانون اعتبر عدم اكتمال النصاب بمثابة رفض للمواضيع المطروحة، ما يعني أن المجلس قد يرفض مواضيع معروضة عليه دون مناقشتها من الأساس.

  1. دور مجلس الوزراء في اتخاذ القرارات

في محاولة لحفظ التوازنات السياسية ولبقاء الباب مفتوحا لبعض المراجعات إذا حدثت، فيما يتعلق بالمنح الأجنبية المرتبطة بعلاقات الدولة المصرية، ترك القانون بابا لمجلس الوزراء للتدخل في قرارات المجلس، وألزمت الفقرة الأخيرة من المادة 73 المجلس بتبليغ قراراته لرئيس مجلس الوزراء خلال سبعة أيام من إصدارها، وأعطت الأخير الحق في إعادتها للدراسة مرة أخرى خلال سبعة أيام تالية.

خاتمة

يوضح العرض السابق لنص المادتين، مدى استخفاف واستهانة البرلمان، ليس بحقوق المواطنين المصريين وعلى رأسها الحق في التنظيم وحسب، ولكن بمسألة التشريع في جوهرها، وبصفتها الركيزة الأساسية لمهام عمل البرلمان. فعلى مدى تاريخ الحياة النيابية المصرية لم يصدر قانون به هذا الكم من الغموض، والإفتئات على نصوص الدستور. ولم يمر على الحياة النيابية المصرية ما يمر عليها الآن من ترسيخ لمبدأ إحالة جوهر الحق وتنظيمه إلى اللوائح التنفيذية، التي ستصدر بعد ذلك من الوزراء المختصين كلا في مجاله، ليحيل سلطة التشريع وجوهره لقرارات إدارية تصدر من السلطة التنفيذية. ويعتبر قانون الجمعيات نموذجًا لتأميم ليس فقط منظمات المجتمع المدني، ولكن الحياة النيابية ككل، وسيطرة الروح الأمنية على عملية صناعة التشريع.

شهد مشروع القانون نقاش مجتمعي ضم ممثلين عن الاتحاد العام للجمعيات الأهلية، والمنظمات الحقوقية، والمنظمات الخيرية والتنموية، فضلاً عن ممثلي وزارة التضامن الاجتماعية، ووزارتي الخارجية والتعاون الدولي، باعتباره الأقرب للدستور والمعايير الدولية للحق في تكوين الجمعيات.

حسب المادة 6 من مواد إصدر القانون.

راجع: المذكرة القانونية التي اعدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، والتي تبين أوجه الاعتراض على مشروع القانون حينذاك.