استوقفتنا رؤى، فتاة عمرها حوالي العشرين عاماً، خلال بحثنا الميداني في بساتين شرق الوسطاني في مدينة صيدا الجنوبية. وجدتنا نحمل خرائط وكاميرات – "خبراء" - فلحقت بنا وسألتنا "انتو من البلدية؟ أو من التخطيط؟ شو رح يصير ببيتنا، بتعرفوا شي؟ رح يشيلونا؟"


بدايةً، لم نستوعب كل كلامها ولم ندرك مدى قساوة هواجسها المتعلقة بالمخطط المنوي إقامته لمنطقة شرق الوسطاني عبر مشروع الضم والفرز الجديد التي تروّج له بلدية صيدا 1. إلى أن فهمنا أنّ هواجس رؤى لم تكن قصة تخصها أو تخص عائلتها فحسب، بل تخص مجموعة من الناس تعيش في رقعة ما وكل الظروف الزمانية والمكانية التي صنعت وجودهم واشتباكهم مع» التنظيم المديني«. 


عرّفتنا رؤى على عمّتها، التي بدورها أخبرتنا قصتها مع ما يُسمونه مشروع "الضم والفرز القديم" الذي أُقر ضمن التصميم التوجيهي الأخير لمدينة صيدا الصادر عام ١٩٩٥ 2. روَت العمّة:
«كنا نسكن أنا وإبنتي وزوجها كل حياتنا في منطقة الضم والفرز القديم. كانت الأرض عبارة عن بستان وبيت وكنا بستنجية (يعملون في البستان) منذ ستين عاماً ونسكن في البيت الحجري القديم. حتى أنّ جدي كان بستنجي وولد في البستان. مالك الأرض اشتراه على أيام جدي. كان بستان أكي دنيا وموز. نحنا كنا نبستن وهو يضمن. عندما تم تنفيذ مشروع الضم والفرز آنذاك، صارت الأرض مربعات ولم يعد ممكنا زراعتها بسبب شبكة الطرقات الحديثة. قام مالك الأرض بجرف البستان في العام ١٩٩٥، لكنّا بقينا في البيت. في العام ١٩٩٩ أراد المالك أن يخلينا من دون تعويض، لكننا تصدينا له من خلال رفع دعوى قضائية في المحكمة. خسرنا الدعوى على أساس أننا طالبنا بالتعويض بعد جرف الشجر. يحدد القانون أن تعويض البستنجي يُحسب على أساس عدد الأشجار. بعد أن خسرنا الدعوى، أعطانا زعيم محليّ بعض المال. بعد الإخلاء، سكننا في «تناكية»، بمساعدة الزعيم. طبعاً سمحوا لنا السكن هنا مقابل أن ننتخبهم. كانوا يأتوا بالسيارة يأخذونا لننتخب (قالت الإبنة: رحنا، بس دخلت وراء ستارة الانتخاب وحطيت ورقة بيضاء).»


بالرغم من كون الزراعة العامود الأساس في اقتصاد صيدا المحليّ، إلّا أنّ الفعاليات الاقتصادية والسياسية في المدينة دفعت نحو الإفراز، وباتت البساتين ضحية المضاربة العقارية، مما أثر على الحد من قيمة منتجات المزارعين المحليين، وباتت الصناعات الصغيرة التي تعتمد على الزراعة أيضاً تفقد فعاليتها الإنتاجية. تجلّت هذه الرؤية عبر التصميم التوجيهي للمدينة، الذي بالنتيجة عبّر عن توّجه واحد للاقتصاد على حساب غيره.
فقد تناست الدولة والسلطات المحلية في لبنان الدور الأساسي للأنظمة والتصاميم التوجيهية، أن تكون وسيلةً لتنظيم الحياة المشتركة وللتفاوض بين المصالح المختلفة. كما تناست حقيقة أنّ لها «غرض اجتماعي» في التعامل مع قضايا العمران والبيئة التي تمس حياتنا جميعاً بصورة يومية. لا بل في بعض الأحيان تحوّلت التصاميم إلى أداةٍ لبسط السيطرة السياسية والزعاماتية وللضغط على الناس العاديين.
كيف يتم وضع التصاميم والأنظمة المدينية؟ هل هناك رؤية شاملة أو قيود أو قواعد وجّهت إعدادها؟ هل يتم تمثيل مصالح جميع السكان، مثل رؤى وعائلتها، وكيف؟ لماذا تجهل رؤى مصير بيتها وعائلتها وهل من وسائل متاحة لها للتصدي للمشروع أو لتمثيل المصالح المختلفة والمفاوضة فيما بينها؟ 

السلالة الذكورية التابعة للذين كانوا هناك سنة ١٩٣٢، بالإضافة إلى بعض المجنّسين. هم الذين تمثلهم البلديات. وهم، بغالبيتهن العظمى، لا يعيشون هناك، لكنهم يصوتون هناك. فما يجمعهم؟... وبالتالي البلديات فعلياً هي نقابة تمثل مالكي الأراضي.


 

كيف تعدّ التصاميم وأنظمة التنظيم؟

 

 

كيف يتم وضع الأنظمة والتصاميم المدينية؟
في لبنان، تجري عملية التنظيم المدني على أساس قانون رقمه ٦٩ صدر بمرسوم في العام ١٩٨٣ والذي من خلاله يُحدد مسار إصدار التصاميم والأنظمة. 
ترسم التصاميم التوجيهية النطاق العام للترتيب وتحدد الاتجاهات الأساسية لتنظيم منطقة ما، وهي «تأخذ في عين الاعتبار العلاقة بين التجمعات السكنية والمناطق المجاورة ثم التوازن الذي يتوجب المحافظة عليه بين تطوّر مناطق العمران من جهة والمحافظة على المواقع الطبيعية والنشاطات الزراعية والمناطق الحرجية من جهة ثانية » (المادة الثالثة). كما شرح المهندس والمدير السابق للتنظيم المدني محمد فواز في مقابلة معه في العدد السابق: «بالنتيجة، التصميم التوجيهي هو، كما تدلّ عليه تسميته، عبارة عن توجيه، يحدد ما هي الخطوط الكبرى لخطة استعمال الأراضي. »


أما التصاميم التفصيلية، فهي تحدد القواعد والشروط المفصّلة لاستعمال الأراضي، مثال وجهة الاستعمال، عوامل الاستثمار، شبكة الطرقات، الأماكن العامة، الصناعات، الارتفاقات وغيرها. 
التصميم والنظام التوجيهي والتفصيلي، تضعهم المديرية العامة للتنظيم المدني. أغلبيتهم يوضعوا بمبادرة المديرية، بينما أقلية تنتج عن طلب البلديات. فالتنظيم المدني يضع التصميم، يعرضه على البلدية التي تبدي رأيها بالمشروع، ثم يُعرض على المجلس الأعلى للتنظيم المدني، وأخيراً يُعرض على مجلس الوزراء ويصدّق بمرسوم؛ وفي حال عدم تصديقه، يصبح قرار المجلس الأعلى مجرّداً من القيمة بعد مرور ثلاث سنوات عليه.٣
خلال هذه العملية، يجب أخذ موافقة المجلس البلدي فيما يتعلق بالتصاميم التوجيهية العامة ضمن نطاق البلدية، وذلك بحسب المادة ٥١ من المرسوم رقم ١١٨\٧٧ (قانون البلديات). كما يتوجب على المجالس البلدية أن تبدي رأيها في التصاميم والأنظمة خلال مهلة شهر من تاريخ عرضها عليها وفي حال انقضاء هذه المدة من دون إبداء الرأي، فتعتبر أنها وافقت حكما عليها (المادة ١١ من قانون التنظيم المدني.
بناء على هذه النصوص، المجالس البلدية تشارك حُكماً في عمليّة اتّخاذ القرار، وبإمكانها إبداء رأيها في التصاميم والأنظمة، علماً أنّ مهلة الشهر المُحددة قانونياً قصيرة جداً. فإنه من مهمة المجالس البلدية - أي المنتخبين المحليّين - أن تضمن تمثيل المستوى المحلي ومصالح سكانها في الإجراءات المتعلقة بإعداد التصاميم والأنظمة، إن أعدّت بطلب منها أو بمبادرة المديرية. لكننا نعلم أنه أمر نادر أن يكون سكّان مناطق البلديات هم ناخبي مجالسهن، أو أن يسكن تلقائياً الأشخاص في قرى ومدن نفوسهم.

 

إن لم تكن البلديات تمثل أكثرية المقيمين في منطقتها، من تمثل فعلياً؟
بحسب الوزير السابق شربل نحاس، هي تمثل«السلالة الذكورية التابعة للذين كانوا هناك سنة ١٩٣٢، بالإضافة إلى بعض المجنّسين. هم الذين تمثلهم البلديات. وهم، بغالبيتهن العظمى، لا يعيشون هناك، لكنهم يصوتون هناك. فما يجمعهم؟ يجمعهم أمرين: أولا، المقبرة - لذا إن أراد شخص ما خوض انتخابات، أفضل مكان لذلك هي مجالس العزاء لأن هناك يرى الناخبين، وإنما إذا مشي في الشارع فيرى أشخاصاً آخرين. ثانياً، تجمعهم ملكية الأراضي. وبالتالي البلديات فعلياً هي نقابة تمثل مالكي الأراضي».٤
المهندس محمد فواز يؤكد هذه القراءة، ويروي: «من التصاميم النادرة التي أدّعي أنني قمت بها، التنظيم المدني لمنطقة صور: تحافظ على المدينة القديمة، منطقة الآثار تكون منطقة للآثار، والمنطقة التي تقع من بعدها هي سهل زراعي، أرض زراعية خصبة جداً، مرويّة من راس العين من أيام الرومان. إذاً تكون زراعية كحزام أخضر، ويبقى الامتداد العمراني على تلال الجبل. بعد تصديقه بمرسوم،» قامت الضجة. « أصحاب الأراضي لم يكونوا على علم بالأمر، فراجعوا أصحاب النفوذ في المنطقة. وما كان جواب أكبر نافذ في المنطقة؟ » عمروا مطرح ما بدكم«. وهذا ما حصل: السهل الزراعي اختفى!»
أما بالنسبة لمصدر في المديرية العامة، فهو يشرح في مقابلة أجريناها معه في شهر تموز ٢٠١٧ كيف يتم استغلال التصاميم كأداة لضمان الولاء الطائفي-السياسي ولمنفعة الزعماء: «التصاميم تأتي من مالكي الأراضي أو النافذين أو الزعامات المحلية. كما يجري في الكثير من الحالات تغيير عامل الاستثمار في تصميم لمنطقة ما كورقة ضغط على المالكين لضمان ولاء زعيم ما في منطقة نفوذه. أو يتم تخفيض الاستثمار لمحاصرة المالك لبيع الأرض بسعر منخفض، ومن ثم يعاودون رفع الاستثمار. يجري ذلك كثيراً في منطقتي المتن والشوف حيث النفوذ الزعاماتي واضح في كلي المنطقتين. في المجلس الأعلى مندوبون من وزارات مختلفة، وهؤلاء آراؤهم تأتي في الآخر بعد طبخ الدراسة وبحسب الجوّ السياسي في المنطقة.»
باختصار، نادراً ما توضع التصاميم والأنظمة للمصلحة الوطنية أو للمصلحة المشتركة في منطقة ما. بل على العكس: تكون لمصلحة مالكي الأراضي وتشكل أداة ضغط سياسي للزعماء المحليّين.

 

هل من وسيلة للمواطنين والمواطنات أن يشاركوا ويشاركن في تحديد مصير أماكنهم المُعاشة؟
قبل صدور المخطط أو التصميم، يشكل إعلام السكان ومشاركتهم الكثيفة جزءاً أساسياً لأيّ عملية تنظيم مُدني، لأن عملية المشاركة «تسمح بإضفاء شفافيّة أكبر على المفاوضات بين الإدارة المركزيّة، والأخصّائيّين، والمجالس البلديّة من جهة، وأن تصبح التوجّهات المرتقبة في المخطّط مُطابقة أكثر لحاجات المواطنين الحقيقيّة من جهة أخرى».٥
لكن يشرح المصدر في التنظيم المُدني: «بقانون التنظيم ما فيه شي إله علاقة بأخذ رأي الناس. بل على العكس. في العقد الذي نوّقعه مع المكاتب الاستشارية التي تقوم بالتصاميم، يُمنع أن يتم مناقشة التصميم مع العامة أو إعطاء أي معلومات إلى حين تقديم الدراسة إلى المديرية. ويصبح النقاش داخليا بين المهندس والمديرية والبلدية، أو بين السمسار والمالك الكبير والزعيم وبعض التقنيين (...) منوصل لنتيجة أنه منعرف التاجر شو بده، منعرف البنك شو بده، منعرف البلدية شو بدها، بس ما منعرف الناس شو بدها. ولا مرة حدا سألهم شو رأيهم.»
أما بعد صدور التصميم، وعند سؤاله ما إذا كان هناك أيّ آليات للاعتراض، يوضح: «اليوم هناك آلية اعتراض - فقط لمالكي الأراضي - عبر كتاب يُوجّه للمديرية. في المادة ١٧ من قانون التنظيم المُدني، يحق للمالك الاعتراض إذا تم تخفيض استثمار أرضه إلى صفر. جميع الاعتراضات الموجّهة للمجلس الأعلى عادةً تكون بسبب تخفيض الاستثمار. تصل إلى دائرة التصاميم في المديرية ويحوّلها المهندس إلى المجلس الأعلى. وهون بتصير الوسايط. المالك يللي بيعرف زعيم، بيشيلوله خفض الاستثمار عن أرضه.»


من ناحية أخرى، وبناء على قدرة البلديات المحدودة على تمثيل كافة سكانها، لا يمكننا اعتبار استشارة المجلس البلديّ من الإجراءات التّشاركيّة. بالرغم من أنه بوسع أعضاء المجلس البلديّ المنتخبين اللجوء إلى المواطنين لمعرفة وتحديد آرائهم بمشروعٍ ما،ليس هناك نصّ قانوني يرغمهم على ذلك. في الواقع، من النادر في لبنان أن يطلب أعضاء المجلس البلديّ آراء المواطنين حول مشروع ما. في هذا الوضع، يجب اعتبار الرأي الذي يبديه المجلس البلديّ محدوداً وغير تشاركي، حيث أن ممثّلي الشّعب هم الذين يشاركون في عمليّة اتخاذ القرار العام، ولا يبدي المواطنون رأيهم بشكل مباشر.  
بالفعل، تُظهر مراجعة قانون التنظيم المُدنيّ غياب أي ذكر لمبدأ المُشاركة أو كلمة «إعلام». بالنسبة للمهندس سيرج يازجي والباحث القانوني سيباستيان لامي في دراسة لمرصد « مجال»٦ حول المشاركة العامة في عملية التخطيط العمراني والمدني، أن في حقبة صدور المرسوم التشريعي عام ١٩٨٣، كانت الحكومة تسعى بشكل رئيسيّ إلى إعادة بناء سريعة ما بعد الاجتياح الاسرائيلي، وهي كانت قد حصلت على تفويضٍ من قبل السلطة التشريعية لسن القوانين في بعض المواضيع. ولكن اليوم، غياب القاعدة القانونيّة للمشاركة يُشكّل أحد أسباب الفشل الذي نواجهه في المشاريع التنظيمية إمّا بشكل جزئيّ أو كليّ في أيّ مرحلة من مراحل التنفيذ. يضيف تقرير مجال: «لم يذكر القانون [التنظيم المدني] مبدأ المشاركة في المادّة 9 (قبل دراسة المنطقة)، ولا في المادّة 10 والمواد التي تليها (إعداد التصاميم أو الخطط). وبالتّالي باستثناء وجوب الحصول على رأي استشاريّ من المجلس البلديّ، لا يفرض القانون إتّباع أيّ آليّة استشاريّة عند وضع خطّة أو تصميم، كما لا يتمّ تنظيم أيّ حملات إعلاميّة بهدف إطلاع المواطنين.»


يكتب يازجي ولامي عن دراستهما:
«كان المنطلق الأساسي لهذه الدراسة أنه، خلافاً للتشريعات الأوروبية، وحتى بعض الدول العربية، لم ينص القانون اللبناني على أي إجراء يضمن إعلام عامة الناس ومشاركتهم قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بترتيب الأراضي.
لكن، ووفقاً لإتفاقية ريو، أدرج قانون حماية البيئة (القانون رقم 444/2002) مبدأ المشاركة العامة في القرارات البيئية. غير أنه لم يصدر بعد أي مرسوم تطبيقي ينص على أن التخطيط العمراني يتصل بالبيئة بالمعنى المقصود في القانون المذكور. بيد أنه من الواضح أن أي قرار يسمح، على سبيل المثال، بالنمو العمراني والحضري في منطقة ريفية سيؤثر على البيئة.
وتم بعد ذلك إعداد كتيب حول أهمية المشاركة العامة في عملية اتخاذ القرارات وتم تقديمه إلى السلطات العامة في عام 2010. وهو يتصل بفعالية المشاريع أو الخطط الخاضعة لقرار إداري والتي قد يتم تقبلها بشكل أسهل إذا ما تم إشراك السكان فيها بشكل مسبق. كما تسمح المشاركة العامة بتعزيز شفافية الإجراءات العامة ومنع محاولات الفساد. وقد جرى أيضاً النظر حينها في إمكانية تعديل المرسوم 9333/2002 المتعلق بتصنيف المتعهدين ومكاتب الدروس من أجل اعتماد نهج تشاركي في مهام الخبراء الاستشاريين في التخطيط المدني والعمراني، ولكن من دون جدوى.
وتم بعد ذلك إصدار مرسومين متعلقين بالتقييم البيئي: المرسوم رقم 8213 المؤرخ في 24 أيار 2012 بشأن التقييم البيئي الاستراتيجي للخطط؛ والمرسوم رقم 8633 المؤرخ في 7 آب 2012 بشأن تقييم الأثر البيئي للمشاريع.
ويتضمن كلا الإجراءان آلية لإعلام عامة الناس وإشراكهم. فالملف الخاضع للتقييم البيئي يوضع في متناول العامة على أن يتم عقد اجتماع عام بعد ذلك.
شكّل اعتماد هذه النصوص خطوة مهمة إلى الأمام. غير أننا لم نشهد إخضاع أي خطة تنظيم مدني، رئيسية أو تفصيلية، للتقييم البيئي الاستراتيجي، سواء خلال مرحلة وضعها أو خلال تنقيحها، ما عدا في حالات استثنائية وعلى سبيل التجربة لدراسات أولية لم تكلل بالنجاح.
على الرغم من ذلك، فإن أي خطة يتم اعتمادها من دون إخضاعها بشكل مسبق لتقييم بيئي استراتيجي، والسماح بالتالي لعامة الناس بالمشاركة ولوزير البيئة بتقديم رأيه، إنما تكون عرضة للإلغاء في حال الطعن بها أمام مجلس شورى الدولة.


في الختام، يمكن أن نذهب أبعد من ذلك والنظر في أشكال أخرى من المشاركة في مرحلة وضع السياسات، وليس فقط عندما تكون الخيارات الرئيسية للخطة قد حُددت والدراسات قد أجريت بالفعل. وبالمثل، يبدو ضرورياً في زمننا الحالي نشر المعلومات وتشاركها على مواقع إلكترونية مخصصة لهذا الغرض.»


دوائر القرار مُقتصرة على العلاقات الشخصية
نتيجة هذا الإطار التشريعي الراهن، تتفاقم \ تزداد سلطة "دوائر القرار" المُقتصرة على العلاقات الشخصية والتي تمهّد الطّريق لبروز وتفشي أشكال الفساد من المحسوبيّات والزبائنية. كما يؤدّي إلى تعزيز الممارسة الإداريّة التكنوقراطيّة البحتة، ممّا يتناسب تماماً مع إفساح المجال لسوء استخدام السلطة على المستوى المحليّ. فيمكن اعتبار الإجراءات التي نصّ عليها قانون التّنظيم المدنيّ في آن معاً كمثال عن الدّيمقراطيّة التكنوقراطيّة والتّمثيليّة التي تعتمد على دور البلديات في التمثيل الصحيح، إلّا أنّ ذلك يؤدي عمليّاً إلى نتائج سيّئة. 
إلا أنّه على ضوء بعض الحالات التي نحن في صدد دراستها في هذا المشروع، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الإطار المناطقي والمجتمعيّ في لبنان لا يسهّل مشاركة السكان بشكل مباشر. ويبدو أنّه يخلق عدّة عقبات يمكن أن تؤدي إلى الحد أو عدم تطبيق الفعّالية ويبدو أنّه يخلق عدّة عقبات يمكن أن تؤدي إلى الحد أو عدم فعّالية المشاركة. وستكون هذه الإشكالية موضوع أعداد لاحقة، حيث سنتعمّق بموضوع مشاركة السكّان في تطوير التصاميم التوجيهية للمناطق التي يقطنوها. وسنتطرّق الى جوانب أخرى، إضافة إلى الإطار القانوني الذي يحول دون تحقيق ذلك.

أشغال عامة في العدد 52 من مجلة المفكرة القانونية، العدد 8: الأنظمة والتصاميم المدنية

———-

1. لقراءة المزيد عن مشروع الضم والفرز المنوي إقامته في منطقة شرق الوسطاني: «الضم والفرز».. هل ينقذ صيدا من «التوحش»؟، هدى حبيش، جريدة المدن، 24/12/2015 – مقالات مجموعة للمدينة lilmadinainitiative.wordpress.com
2. المرسوم 6552 \ 1995 تصديق التصميم والنظام التوجيهي والتفصيلي العام لمنطقة صيدا
3. بحسب المادة 13 من قانون البناء 646 \ 2004«ان الدراسات التنظيمية وشروط البناء، في المناطق المنظمة وغير المنظمة، التي يتم الموافقة عليها بقرار من المجلس الاعلى للتنظيم المدني، تصبح ملزمة للسلطة المكلفة منح الترخيص بالبناء، وذلك في كل ما لا يتجاوز شروط الانظمة المصدقة، على ان يصدر المرسوم التنظيمي خلال ثلاثة سنوات من تاريخ صدور القرار. »
4. من محاضرة قام بها شربل نحاس في مؤتمر نظمته نقابة المهندسين في بيروت في 25 أيلول 2017 حول أهمية التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة في لبنان
5. تقرير بحثي حول الدّيمقراطيّة التّشارُكيّة في التّنظيم المُدُنيّ من إعداد المهندس المعماري سيرج يازجي ورجل القانون سيباستيان لامي، مرصد «مجال»، 2010
6. «مجال» هو مرصد أكاديمي، تأسس في عام 2007، ضمن الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (الألبا) - جامعة البلمند، يهدف إلى تسهيل البحوث والمشاركة العامة في مناقشة القضايا المتصلة بحيازة الأراضي والعقارات، وبشكل أعم، القضايا الكبرى المتصلة بترتيب الأراضي في لبنان.