في جلستها المنعقدة يوم السبت الموافق 25/11/2017، قررت دائرة طلبات رجال القضاء بالمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة، التصريح للمستشار يحي دكروري، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، والمستشار محمد ماضي، النائب الأول لرئيس هيئة قضايا الدولة، للطعن على القانون رقم ١٣ لسنة ٢٠١٧ بشأن تنظيم طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، أمام المحكمة الدستورية العليا. وتستجيب المحكمة بذلك لتوصية هيئة مفوضي الدولة التي ارتأت وجود شبهات عديدة بعدم الدستورية في القانون.  كما تنظر دائرة رجال القضاء بمحكمة النقض طعنًا آخر من المستشار أنس عمارة، النائب الأول لرئيس محكمة النقض، ضد قرار تعيين المستشار مجدي أبو العلا رئيسًا لمحكمة النقض بدلًا منه استنادًا للمادة الثالثة من القانون نفسه، ومن المقرر الفصل فيه في جلسة 18 ديسمبر المقبل.

وكان مجلس النواب أقر تعديلات على قانون السلطة القضائية، منحت رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية من بين ثلاثة من نواب رئيس كل جهة، يرشحهم المجلس الأعلى للهيئة القضائية من بين أقدم سبعة نواب لرئيسها المنتهية ولايته، وذلك لمدة أربع سنوات، أو المدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد أيهما أٌقرب، ولمرة واحدة طوال مدة عمله.

وُجهت للقانون انتقادات حادة، لما فيه من اعتداء على استقلال القضاء، حيث سمح القانون لرأس السلطة التنفيذية –رئيس الجمهورية- باختيار رؤساء الهيئات القضائية. وكان لمجلس الدولة دور بارز في التصدي لهذا القانون حيث قررت الجمعية العمومية للمجلس ترشيح اسم المستشار يحيي الدكروري منفردا لرئاسة المجلس، في حين سارع كلا من مجلس القضاء الأعلى والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة إلى تطبيق القانون بإرسال قوائم مرشحيهم الثلاث لرئاسة الجمهورية.

ولكن رئيس الجمهورية اختار المستشار أحمد أبو العزم لرئاسة المجلس متخطياً المستشار يحيي الدكروري؛ مما دفع الأخير إلى الطعن على هذا القرار أمام المحكمة الإدارية العليا.   

واعتمد تقرير المفوضين الذي استجابت المحكمة لتوصياته على خطاب سابق صادر من قسم التشريع بالمجلس إلى رئيس مجلس النواب، يؤكد على عدم دستورية القانون، لمخالفته الاشتراطات الدستورية الشكلية والموضوعية اللازمة لإصداره. ومن اللافت أن المستشار «أحمد أبو العزم» الذي اختير رئيساً للمجلس بناء على القانون الحالي، كان يشغل منصب رئيس قسم التشريع في ذلك الوقت.

العيوب الشكلية في القانون

انتهى تقرير المفوضين الذي اعتمدت عليه المحكمة في قرارها، إلى مخالفة البرلمان للقواعد الإجرائية التي يجب أن يتبعها أثناء إصدار القانون وحصرها في نقطيتين كما يلي:

  • عدم التأكد من اكتمال نصاب التصويت على القانون:

أشار تقرير المفوضين إلى ما شاب عملية التصويت على القانون داخل البرلمان من مخالفات، واستندت في ذلك على مضبطة البرلمان بجلسة التصويت، والتي خلت من أية إشارة، للتأكد من توافر النصاب اللازم للتصويت على القانون، وهو ثلثي عدد الأعضاء باعتباره قانونا مكملا للدستور طبقا لنص المادة 121 دستور[1].  بالإضافة إلى أن رئيس المجلس طلب من النواب إبداء الرأي على القانون وقوفًا، ولكن خلت المضبطة من ذكر عدد النواب الموافقين على المشروع، بل أن المضبطة أشارت إلى اعتراض بعض  النواب على طريقة التصويت، وانسحاب بعضهم أثناء التصويت، ما يشير إلى عدم التأكد من النصاب اللازم للتصويت على القانون سواء قبل بدء عملية التصويت أو عدد الموافقين على القانون.
 

  • عدم عرض المشروع على الهيئات القضائية:

وذهب التقرير إلى أن مشروع القانون لم يعرض على الجهات والهيئات القضائية لأخذ رأي كل منها فيه وذلك بالمخالفة لنص المادة [2]185 من الدستور التي تلزم المشرع بأخذ رأي تلك الجهات في مشاريع القوانين المتعلقة بعملها.  وتصيب النقطتان السابق عرضهما القانون بشبهة عدم دستورية الاجراءات الشكلية السابقة على إصداره.

العيوب الموضوعية للقانون

أكد تقرير المفوضين على مخالفة القانون للدستور، حيث نص الدستور الحالي على استقلال السلطة القضائية، وكان من الدعامة الأساسية لذلك الاستقلال أن تتولى كل جهة اختيار رئيسها، على أن يصدر رئيس الجمهورية قرار التعيين. ومن ثم فلا يجوز للسلطة التنفيذية أو التشريعية التدخل في شؤونها على النحو الذي يخل بالتوازن بين السلطات، وحدد تقرير المفوضين المخالفات في النقاط التالية:

  • مخالفة مبدأ الفصل بين السطات، والاعتداء على استقلال القضاء:

أكد التقرير على مخالفة القانون لمبدأ الفصل بين السلطات والمقرر في المادة 5 من الدستور، وأكد أن مبدأ استقلال السلطة القضائية قضاء وقضاة، يعني إسناد إدارة شؤونها إليها، مانعاً بذلك تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذا الشأن، مقرراً أن أي تشريع يسلط أي سلطة على أخرى يكون مشوباً بمخالفة الدستور.

ونوه التقرير إلى أن اختصاصات رئيس مجلس الدولة ليست اختصاصات إدارية بحتة على نحو يسمح باختياره من قبل السلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الجمهورية. فرئيس المجلس هو بحكم القانون رئيس المحكمة الإدارية العليا التي تُعد أعلى محكمة في محاكم مجلس الدولة، إذ يتولى رئاسة الدائرة الأولى فيها ( حقوق وحريات عامة) وهي الدائرة  التي تختص بنظر الطعون على الأحكام القضائية الصادرة من محكمة القضاء الإداري، المتعلقة بالحقوق والحريات، وكذلك المقامة ضد رئيس الجمهورية، كما أنها الدائرة التي تختص بنظر طعون الأحزاب السياسية. علاوة على ذلك، يتولى  رئيس المجلس رئاسة  دائرة توحيد المبادئ التي تملك تغيير المبادئ والأحكام المستقرة الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا.

ووفقاً لما سبق فإن اختيار رئيس مجلس الدولة من قبل رئيس الجمهورية يعد تدخلا من جانب السلطة التنفيذية في اختصاصات السلطة القضائية بما يمس باستقلالها ويهدر مبدأ الفصل بين السلطات الذي كفله الدستور وكافة الدساتير السابقة المتعاقبة. كما يهدر هذا القانون مبدأ استقلال الجهات والهيئات القضائية، والذي تُعد الأقدمية المتبعة في اختيار رؤساء تلك الجهات والهيئات من أهم مظاهره. واعتبر التقرير أنه لا يمكن التحجج بترشيح  الجمعية العمومية الخاصة بمستشاري مجلس الدولة  لثلاثة أسماء، إذ أن الاختيار في نهاية المطاف من بين هذه الأسماء يكون اختصاصاً مطلقاً لرئيس الجمهورية، الأمر الذي يكون معه النص المطعون بعدم دستوريته مخالفاً لمبدأ استقلال السلطة القضائية والذي نصت عليها مواد الدستور المشار إليها.

  • هل اختار القانون أفضل بديل عن مبدأ الأقدمية؟ 

اعتبر التقرير أن الطريقة التي اعتمدها القانون لاختيار رؤساء الهيئات القضائية لا تعتبر أفضل البدائل عن مبدأ الأقدمية المُتبع سابقاً. وأشار إلى أن المشرع الدستوري لم ينص صراحة على طريقة اختيار وتعيين رؤساء الهيئات القضائية، إلا أنه أورد ضمن نصوصه طريقة اختيار النائب العام، ورئيس المحكمة الدستورية العليا.[3] وبالتالي اعتبر التقرير أن المشرع كان لديه الفرصة لاستعارة أحكام تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا المنصوص عليها بالدستور، أو الأخذ بمثل ما ورد بشأن تعيين النائب العام؛ وذلك استناداً على ما قررته المحكمة الدستورية العليا من أن الأصل في سلطة المشرع في تنظيمه للحقوق التي قررها الدستور، أنها سلطة تقديرية جوهرها المفاضلة التي يجريها بين البدائل المختلفة التي تتصل بالموضوع محل التنظيم لاختيار أنسبها، وليس من قيد على مباشرة المشرع لتلك السلطة إلا أن يكون الدستور ذاته قد فرض لمباشرتها ضوابط محددة.

بصدور قرار المحكمة الإدارية العليا بالتصريح بإحالة القانون للمحكمة الدستورية العليا، يسدل الستار على مواجهة الهيئات القضائية للقانون مواجهة مباشرة، بعدما اتبعت كافة السبل القانونية الممكنة للاعتراض على نصوصه. ويبدأ تاليا فصل جديد وأخير، لمواجهة القانون المذكور أمام المحكمة الدستورية، والمرجح أن يتجه قضاؤها لإلغاء التشريع لما احتواه من اعتداء صارخ وصريح على مبدأ سيادة القانون، واستقلال القضاء.

 


[1]  راجع المادة 121 من الدستور.
[2]  نص المادة 185 دستور " تقوم كل جهة، أو هيئة قضائية على شئونها، ويكون لكل منها موازنة مستقلة، يناقشها مجلس النواب بكامل عناصرها، وتدرج بعد إقرارها في الموازنة العامة للدولة رقماً واحداً، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشئونها."
[3] يتم اختيار النائب العام من مجلس القضاء الأعلى، ويتم اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا من الجمعية العمومية للمحكمة من أقدم ثلاثة نواب لرئيس المحكمة.