بدأت هذه القضية في 27 شباط 2013، حين ورد اتصال إلى إحدى فصائل قوى الأمن الداخلي، مفاده دخول سيدة بنغالية إلى طوارئ إحدى المستشفيات وهي مصابة بنزيف داخليّ حادّ. وسرعان ما تبيّن أن النزيف حصل تبعاً لتناولها أدوية لغاية إجهاضها، مما استدعى التحقيق معها ومع شاب بنغالي اصطحبها إلى المستشفى وسدّد عنها نفقات استشفائها، بغرض التثبت مما إذا كان الإجهاض تم طوعيا ومن دون مساعدة أو قسرا. وقد توالى على التحقيق جهازان أمنيان (قوى الأمن الداخلي، ومن ثم الأمن العام) وقاضي التحقيق قبل أن يصدر القاضي المنفرد الجزائي حكمه في القضية انطلاقا من معطيات متضاربة تبقى "الحقيقة القضائية" بما أثبتته أو نفته، قابلة لعلامات استفهام كبيرة. ويلحظ أنه على طول هذه التحقيقات، بقي "الكفيل" الذي استقدم العاملة إلى لبنان، فتركت منزله بعد أسبوع، مغيبا بالكامل.

تحقيقات أمنية لدى قوى الأمن الداخلي

فور الاتصال بالفصيلة المختصة، انتقلت دورية إلى المستشفى. وفيما لم تتمكن عندئذ من الاستماع لإفادة العاملة بسبب وضعها الصحي، عادت مجددا للاستماع إليها ولرجل بنغالي حضر ليسدد بقية تكاليف علاجها. وقد أشارت المحامية العامة وجوب الاستفسار عما إذا كانت السيدة قد تعرضت لأي مكروه. وبعدما تثبت رتيب المحقق من أن الرجل المذكور يفهم ويتكلم اللغة العربية، دوّن الرتيب إفادته وقد جاء فيها أن السيدة البنغالية اتصلت به طالبة منه نقلها إلى المستشفى لأنها مريضة جدا، فقام بذلك ودفع تكاليف المستشفى بهدف إنقاذ حياتها ولهدف انساني، فلا علاقة بينهما إلا علاقة صداقة. وجاء في الإفادة أن المبلغ المدفوع استلفه من صاحب عمله واسترده لاحقا شقيقه من أهلها في بنغلادش. بعد ذلك، استمع المحقق للعاملة من دون مترجم، علما أنها أعلمته عند سؤالها أنها تفهم اللغة العربية قليلا. وقد جاء في الإفادة المدونة أنها تركت عملها بعد أسبوع من دخولها إلى لبنان الحاصل منذ حوالي خمسة أشهر لغاية العمل لحسابها في المنازل في مجال التنظيفات. وعند سؤالها عن كيفية حصول الحمل والإجهاض، أفادت أنها حملت من زوجها قبل مجيئها ونظرا لوضع عملها الشاق، استخدمت دواء جلبته معها من بنغلادش لغرض الإجهاض، وأن العلاقة التي تجمعها بالشاب الذي اصطحبها إلى المستشفى هي علاقة صداقة. في إثر ذلك، أشارت المحامية العامة إلى وجوب تكليف طبيب شرعي لمعاينة السيدة، وقد رجّح هذا الأخير أن الحمل حصل قبل أربعة أشهر وأن لا أثر على جسدها لأي ضرب أو إيذاء. بعد ذلك، تُرك الشاب البنغالي لقاء سند إقامة وتم توقيف السيدة البنغالية وإحالتها إلى الأمن العام بتاريخ 28 شباط 2013.

تحقيقات الأمن العام

بتاريخ 8 آذار 2013، أي بعد ثمانية أيام من إحالة العاملة إليه، باشر الأمن العام تحقيقاته مع الموقوفة. وعند مراجعة المحضر، نتبين أن الأمن العام اكتفى بداية بسؤال السيدة عن وضعها القانوني في لبنان وعن أسباب عدم الإدلاء باسمها الحقيقي في التحقيقات الأولية، فأفادت أنها أمية، وأنها أقدمت على "الفرار" من بيت كفيلها للعمل لحسابها الخاص "طمعا بالمال" (عبارتا فرار وطمعا بالمال وردتا حرفيا في المحضر) وأنها لم تُدلِ باسمها الحقيقيّ خوفا من توقيفها. وإذ أشارت المحامية العامة للأمن العام بوجوب التوسّع بالتحقيق مع الموقوفة حول جرم الإجهاض وما إذا كانت قدمت إلى لبنان حاملا أو أن الحمل حصل في لبنان، وردت إفادات متضاربة. فبعدما استعادت قولها السابق بأنها قدمت إلى لبنان وهي حامل من زوجها، عادت وصرّحت عند إعادة السؤال عليها، أنها أقامت علاقة جنسية مع صديقها البنغالي وأنها أخذت دواء استحصلت عليه من صديقة بنغالية في لبنان، مستدركة أن هذه الصديقة (التي بقيت من دون اسم) غادرت لبنان. ويشير المحضر أن الأمن العام عاد وخابر بتاريخ 3 نيسان 2013 (أي بعد 28 يوم تقريبا من الاستماع إلى العاملة) ليعلمها بنتائج تحقيقاته فأشارت له باستدعاء الشاب البنغالي للاستماع إلى روايته، الأمر الذي حصل بتاريخ 6 نيسان 2013 (أي بعد ثلاثة ايام من ورود الإشارة). وقد جاء في إفادته أنه تعرّف على الموقوفة "في الشارع العام"، وأنه "كان يؤمن لها بعض الأعمال المنزلية". بالمقابل، سُجل نفيه لأي معرفة سابقة بعنوان منزلها الذي ارتاده للمرة الأولى يوم اصطحابها إلى المستشفى. وبخلاف ما أدلى به أمام رتيب الأمن الداخلي، صرح الشاب أنه سدد للمستشفى بدل استشفائها من أمواله الخاصة، نافيا وجود أي علاقة جنسية بينهما. ونظرا للاختلاف الحاصل بين إفادة الموقوفة وإفادة البنغالي المستمع إليه، طلبت المحامية العامة إجراء مقابلة بينهما. وفي إثرها، أكّدت الموقوفة على إفادتها أنها حامل منه، فيما عاد الشاب وصرّح بوجود علاقة جنسية بينهما وإن سُجّل إنكار علمه أنها كانت حاملا منه. وتبعا لذلك، أشارت المحامية العامة بترك البنغالي وإحالة الموقوفة الى جانب النيابة العامة، وهذا ما حصل بعد يومين أي في 8 نيسان. وعليه، تكون التحقيقات لدى الأمن العام قد استغرقت زهاء أربعين يوما، علما أن الأمن العام امتنع خلال هذه الفترة عن أي تحقيق مع "الكفيل" الذي كان استقدم العاملة، وأيضا عن أي تحقيق فيما يتصل بقيام الشاب البنغالي بتدبير عمل للسيدة موضوع التحقيق، أو عن هوية الصديقة البنغالية التي أعطتها دواء للإجهاض، رغم ارتباط هذه التحقيقات بالقضية وخاصة بدور الأمن العام في ضمان تنفيذ قوانين الأجانب في لبنان. 

الإدعاء والقرار الظني

تبعا للتحقيقات، ادعت المحامية العامة بتاريخ 8 نيسان على السيدة البنغالية بارتكاب الإجهاض الطوعي مستبعدة بذلك أي دور لأشخاص آخرين في عملية الإجهاض. وطلبت المحامية العامة توقيف السيدة البنغالية وجاهيا، مع إحالتها إلى قاضي التحقيق في التاريخ عينه. بالمقابل، تجاهل الادّعاء مخالفة قوانين الأجانب في لبنان، فلم يشر إليها من قريب أو بعيد.

وبتاريخ 11 نيسان 2013، حضرت المدعى عليها أمام قاضي التحقيق الذي اكتفى بطرح سؤال وحيد عليها، بخصوص رأيها بالدعوى المقامة ضدها ب "تطريح نفسها طوعا"، فأجابت بأنها تكرّر إفادتها الأولية. وعليه، ومن دون مزيد من الأسئلة، أصدر قاضي التحقيق بتاريخ 10 أيار 2013 قرارا ظنيا استعاد فيه التوصيف الجرمي للمحامية العامة، لجهة حصول الإجهاض طوعا. واللافت أن القرار المبني على محاضر التحقيق "المتضاربة" تضمن رواية أحادية للوقائع من دون أي جهد لحل مكامن التناقض أو تفسيره. فقد جاء فيها حرفيا: "تبين أن المدعى عليها قد دخلت الأراضي اللبنانية منذ حوالي خمسة أشهر وهي حامل نتيجة زواجها في بنغلادش. إلا أنها وبسبب عملها الشاق في لبنان وظروفها، قررت تطريح نفسها فعمدت على أخذ دواء كانت قد استحضرته معها من بنغلادش أدى إلى إجهاضها وإصابتها بنزيف حاد...". وعليه، يكون وفق القرار الظني الحمل حصل في بنغلادش، ويكون الدواء المستخدم في الإجهاض استقدم منها، وتكون المدعى عليها البنغالية هي الوحيدة المسؤولة عنه. فكأنما قاضي التحقيق أراد استبعاد أي مسؤولية لبنانية عن عمل الإجهاض، وأنه تجاهل لهذه الغاية مجمل الإفادات المناقضة لروايته والتي يستشف منها حصول الحمل في لبنان أو حصول المدعى عليها على الدواء من شخص مقيم في لبنان. ويلحظ أن قاضي التحقيق أصدر بتاريخ 11 نيسان قرارا بإخلاء سبيل العاملة لقاء كفالة مادية قدرها 500 ألف ليرة لبنانية، وأن الهيئة الاتهامية صادقت على هذا القرار في اليوم التالي بعد ردّ طعن النيابة العامة عليه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عملا بالأعراف السائدة، فإن مؤدى قرار إخلاء سبيل السيدة البنغالية (التي ليس بحوزتها إقامة قانونية) لا يؤدي عمليا إلى تركها حرة فور تسديد الكفالة إنما إلى بدء إجراءات ترحيلها، التي لا تكون ممكنة في حال توقيفها. ويرجح تاليا أن تكون العاملة رحّلت بعد ذلك وإن بقي ملفها القضائي خاليا من أي معطى في هذا الخصوص.  

المحاكمة

بعد سنة تقريبا، وتحديدا بتاريخ 3 شباط 2014، جرت أولى جلسات محاكمة المدعى عليها. وقد أرجأ القاضي المنفرد الجزائي جلسات المحاكمة أربع مرات متتالية بسبب تعذر تبليغها، ليقرر في الجلسة الخامسة محاكمتها غيابيا بعد إتمام تبليغها لصقا. وبتاريخ 28 أيلول 2015، صدر الحكم على المدعى عليها بإدانتها غيابيا بجرم الإجهاض الطوعي مغرما إياها 500 ألف ليرة لبنانية. ويلحظ أن الحكم استعادة الرواية المدونة في القرار الظني كما هي رغم تناقضها مع محاضر التحقيق كما بينا أعلاه، وأنه تمثل في ورقة واحدة وهي استمارة معدة مسبقا تم ملء الفراغات فيها.

ملاحظات على إجراءات التحقيق والمحاكمة

مما تقدم، يجدر تسجيل ملاحظات عدة حول إجراءات التحقيق والمحاكمة، أبرزها الآتية:

أولا، مدّة التحقيقات الأولية

نسجل أن التحقيقات الأولية استغرقت لدى قوى الأمن الداخلي والأمن العام زهاء 41 يوما أبقيت خلالها المدعى عليها رهن التوقيف، علما أن الأمن الداخلي أنجز تحقيقاته خلال يوم واحد. وعليه، تكون الضابطة العدلية في لبنان قد تجاوزت، بعلم ومعرفة النيابة العامة، عشر مرات المدة القصوى المسموح بها فيها قانونا (وهي 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة) لتوقيف المشتبه بها في فترة التحقيقات الأولية. وهذا ما نتبينه من الجدول الزمني أدناه. وما يفاقم من خطورة تجاوز المدة القصوى على هذا الوجه هو خلو الملف من أي سبب من شأنه إعطاء أدنى تبرير لذلك. فالأمن العام استغرق ثمانية أيام للاستماع إلى إفادة المدعى عليها منذ وصولها إليه، والأسوأ استغرق قرابة شهر لإطلاع النيابة العامة على إفادتها وأخذ توجيهاتها. ومن النافل القول أن تجاوز المدة على هذا الوجه من دون أن يستتبع أي تحقيق أو اعتراض أو تأنيب من النيابة العامة، إنما يعكس تعاطيا مرنا مع هذه القاعدة الجوهرية التي تشكل إحدى الضمانات الأساسية للحرية الشخصية في قانون أصول المحاكمات الجزائية.   

ثانيا، الاستماع إلى أجانب من دون مترجم

يسجل هنا أنه تم تسجيل أكثر من أربع إفادات للسيدة البنغالية أمام العناصر الأمنية وقاضي التحقيق، من دون حضور مترجم، وعلما أن قوى الأمن الداخلي دونت عند سؤالها أنها تفهم اللغة العربية قليلا، وبذلك بخلاف حال الشاب البنغالي الذي صرح أنه يفهم ويتكلم العربية. والعبارة المنسوبة لها إنما تعني بمقارنتها بالعبارة المنسوبة لهذا الأخير، أنها لا تجيد العربية وأنه من غير الجدي تدوين إفاداتها بشأن وقائع حملها وتركها العمل وإجهاضها، بما فيها من تعقيدات محتملة، من دون مترجم. فضلا عن ذلك، نلحظ هنا أن قوى الأمن الداخلي تميزت بسؤالها وتدوين جوابها بهذا الشأن، فيما أن الأمن العام وقاضي التحقيق استنسبا تسجيل إفادتها من دون أي استيضاح أو توضيح مشابه. وهذا ما يفسر تضمين محاضر الأمن العام عبارات تنسجم مع فهمه للأمور أكثر مما تنسجم مع أقوال المدعى عليها، كأن يورد أنها أقدمت على "الفرار" من بيت كفيلها للعمل لحسابها الخاص "طمعا بالمال".

ثالثا، المحاكمة الغيابية من دون أي جهد لفهم سبب الغياب

تماما كما نشهد في العديد من ملفات الأجانب الأخرى، جرت محاكمة السيدة البنغالية غيابيا. ويرجح أن تكون العاملة قد تم ترحيلها بعد صدور قرار إخلاء سبيلها، مع احتمال جدّ ضغيف أن يكون قد سوّي وضعها بالنظر إلى الأعراف المعتمدة لدى الأمن العام في هذا المجال والتي لا محلّ للإسهاب بها في هذا المكان. وهنا، نسجل ملاحظتين أساسيتين:

  • أولا، أن القاضي المنفرد الجزائي حدد تاريخ أول جلسة للمحاكمة بعد ثمانية أشهر تقريبا من ورود الملف إليه. وفيما يتأتى ذلك عن ممارسة قوامها تسبيق جلسات الدعاوى التي يكون فيها المدعى عليه موقوفا مقابل تأخير جلسات سائر الدعاوى، فإن القضاة غالبا ما يتناسون أن إخلاء سبيل الأجانب المدعى عليهم بجرائم إنما يؤدي في معظم الحالات إلى إبقائهم موقوفين إلى حين ترحيلهم. وهذا الأمر يفرض تاليا استعجال النظر في هذه الملفات، عله يتسنى للقاضي الاستماع إلى هؤلاء قبل ترحيلهم، أي قبلما يصبح ذلك مستحيلا.
         
  • ثانيا، أن القاضي المنفرد الجزائي دأب على إرجاء الجلسات مرة بعد مرة بسبب تعذر إبلاغها لينتهي إلى اتخاذ قرار بإبلاغها لصقا، من دون أن يكبد نفسه عناء الاستفسار لدى الأمن العام عن وضعها، وتحديدا فيما إذا تم ترحيلها أم لا. وهذا التصرف يندرج بدوره في سياق ممارسة طويلة تقوم هي الأخرى على تجاهل الوقائع وتحديدا دور الأمن العام في هذا المجال.  
     

وتبعا لذلك، كان من الطبيعي أن تنتهي هذه القضية إلى مآل مشابه لمآل آلاف الدعاوى المشابهة، أي محاكمة العاملة غيابيا مع ما يستتبع ذلك تهميش فعلي لدور القضاء في التدقيق في المسؤوليات الجزائية المنسوبة للأجانب في موازاة حرمان هؤلاء من حق المثول أمام القاضي الناظر في قضاياهم. 

رابعا، اعتماد الرواية التي تحجب أي مسؤولية لبنانية محتملة

من البيّن مما تقدم، أن الإفادات المدوّنة نُسبت لشخصين فقط هما المدعى عليها والشاب البنغالي الذي اصطحبها إلى المستشفى وأنها تضمنت معلومات متناقضة حول مسائل هامة، مثل تاريخ الحمل والأب المحتمل للجنين الذي تم إجهاضه والدواء المستخدم في الإجهاض ومصدر المال المستخدم لتسديد فاتورة المستشفى وحقيقة العلاقة القائمة بين المدعى عليها والشخص الذي تولى تسديده. ورغم ذلك، من اللافت أن الحكم استعاد رغم ذلك رواية قاضي التحقيق التي استبعدت بالكامل أيّ مسؤولية لبنانية محتملة، من دون بذل أي جهد لشرح أسباب التناقض أو فهمها. فحملها كما إجهاضها حصلا بإرادتها ومن دون أي مساعدة لبنانية. وقد بدت الحيثيات في هذا المكان أشبه برسم كاريكاتوري يجسد الخطاب الآيل إلى التملص من أي مسؤولية عن المآسي التي تعاني منها عاملات المنازل في لبنان. وما يجعل هذا الأمر أكثر قابلية للانتقاد، أمران:

الأول، أن هذه الرواية تبدو مناقضة تماما لقواعد المنطق. فهل يعقل أن تكون المدعى عليها استحضرت دواء معها للإجهاض من بنغلادش، وانتظرت رغم ذلك أن يتطور حملها على مدى خمسة أشهر قبل استخدامه؟

الثاني، أن التسليم برواية مناقضة لما ورد في التحقيقات إنما يكشف نقصا فادحا في مهنية التحقيق ويبقي الباب مفتوحا أمام تساؤلات كثيرة في قضية يحتمل أن تكون أخفت ممارسات جد خطيرة. فلماذا تركت المدعى عليها بيت صاحب العمل بعد أسبوع فقط من قدومها إليه؟ هل يكفي لتفسير ذلك أن ننسب إليها أنها فعلت ذلك "طمعا بالمال" أم يقتضي تمكينها من الكلام بذلك بأريحية، ولا سيما أن مكوثها لديه يتزامن مع بدء حملها حسبما ورد في التقرير الطبي وأن الشاب البنغالي صرح أنه وجدها في "الطريق العام"؟ وألم يكن يجدر في هذه الحالة التقصي عن هوية الشخص الذي استقدمها وسؤاله بأقل تقدير عن أسباب تركها لمنزله؟ ثم، وعلى فرض تركت من تلقاء نفسها "طمعا بالمال"، فهل هي اختارت ذلك للعمل لحسابها أم لحساب شبكة تشغيل أو ربما استغلال؟ وقد ورد في إفادة الشاب البنغالي أنه تولى مهمة إيجاد أعمال لها. وفيما يمكن تفسير إهمال الجانب الأول من التحقيق (مسؤولية محتملة لصاحب العمل) بالرغبة بإبعاد المسؤوليات اللبنانية، فإن إهمال الجانب الثاني (احتمال أن يكون تم تشغيلها في عمل أو آخر من قبل شبكات تمتهن الإتجار بالمقيمات بشكل غير شرعي) إنما ينمّ عن جهل في الأفعال المكونة لجرائم الإتجار بالبشر وفي طبيعة الشبكات القائمة عليه.

نشر هذا المقال في العدد 52 من مجلة المفكرة القانونية في لبنان