يشكل تنظيم الدخول إلى القضاء عاملا أساسيا في إصلاحه، لما قد يوفره من حيوية متجددة فيه. وهذا ما ينطبق بشكل خاص في الفترات الانتقالية، التي تتوفر فيها نية سياسية حقيقية في توفير استقلال القضاء. والمسألة لا تتصل فقط باعتماد معايير تسمح باختيار المرشحين على أساس الكفاءة والنزاهة، إنما أيضا في تحقيق أمر متلازم وإن كان الأصعب، وهو استقطاب العناصر الأكفأ والأنزه، بحيث يشكل الدخول إلى القضاء بالنسبة إليهم هدفا يطمحون إليه. وفي هذا الخصوص، خصّصت المفكرة ورقة بحثية لاستعراض آليات الدخول إلى القضاء قانونا وفي الممارسة، منذ ما بعد 1990 حتى 2017. فما هي هذه الآليات؟ هل يعين القضاة بموجب مباراة أم ثمة آليات تعيين أخرى؟ وفي كلا الحالتين، ما هي المعايير المتبعة لضمان المساواة بين المرشحين لدخول القضاء، وبالأخص، ما هي المعايير المتبعة لضمان حيادية المباراة؟ ثم هل يعين القضاة بشكل أساسي من بين خريجي معهد الدروس القضائية أم مباشرة من بين أصحاب الخبرة؟ وما هو مؤدى هذه الآليات على مواصفات القضاة الحالية، وبخاصة لجهة الجنس والانتماء الطائفي أو العائلي أو الطبقي؟ فإذا تم تحديد هذه الآليات والمواصفات، أمكن من ثم عرض الاشكاليات تمهيدا لاقتراح الحلول.    

بقي أن نلفت النظر إلى مستجدين بارزين في هذا المضمار:

الأول، أن الإقتراح الوحيد لإصلاح التنظيم القضائي المقدّم خلال افتتاح السنة القضائية 2017-2018 صدر عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وقد نص على تعيين القضاة من خلال الانتخاب. واللافت أن هذا الأخير ذهب إلى حدّ اعتبار "انتخاب القضاة" شرطا لتكريس القضاء كإحدى السلطات الدستورية الثلاث. وبمعزل عن مدى جدية هذا الطرح، فإنه يتميز بأمورين:

  • أنه يخرج تماما عن إطار المقترحات الإصلاحية المعهودة ويؤدي في حال إقراره إلى تعديل جذري في المنظومة القضائية. وهذا ما عاجل رئيس الجمهورية نفسه إلى تأكيده، متوقعا أن يلقى ممانعة كأي طرح تغييري. 
  • أنه يأتي تبعا لمخاض التشكيلات القضائية وما تخللها من تدخل سياسي واسع، أخذ منحى طائفيا وربط الارتقاء المهني بالتقرب من إحدى القوى السياسية المهيمنة. وهذا الأمر يدفعنا إلى التساؤل عن خلفية هذا الطرح. فهل هو يهدف إلى تكريس هذا المعطى، بحيث يصبح المعيار الأساسي للتعيين هو التمتع بمشروعية سياسية معينة؟ أم هو يهدف على العكس من ذلك تماما، إلى التخفيف من تدخل القوى السياسية، من خلال الاحتكام المباشر للناخبين وما يستتبعها لجهة إحاطة االقضاة بمشروعية متساوية؟

المستجد الثاني هو إقرار لجنة المال والموازنة اقتراح قانون كان قدمه النائب سمير الجسر وهو يحفّز أصحاب الخبرة على دخول القضاء من خلال منحهم درجات إضافية. وكانت المفكرة انتقدت هذا الاقتراح غداة إقراره من لجنة الإدارة والعدل واصفة إياه بالخط العسكري الذي قد يسمح للقوى السياسية المهيمنة تعيين مقربين منها في مناصب قضائية عالية بسرعة كبيرة.

يذكر أن المفكرة كانت نشرت سابقا أوراقها البحثية الآتية: