صادقت الحكومة المغربية على مشروع مرسوم [1] كان تقدم به وزير العدل محمد اوجار  لتعديل المادة الثانية من المرسوم المحدد لعدد المحاكم بالمغرب وتعيين مقارها [2]، ويهدف  هذا المرسوم الجديد إلى الزيادة  في عدد المحاكم وتوزيعها جغرافيا على كافة مناطق المغرب، وقد قدمت الحكومة لهذا المرسوم بمذكرة تقديمية أوضحت فيها أسباب إقدامها على هذه الخطوة  (أولا) التي عرفت نقاشا داخل الأوساط القانونية والقضائية المغربية بسبب ما اعتبروه إكراهات تواجهها (ثانياً).

أولاً: دواعي تغيير الخريطة القضائية بالمغرب بنظر الحكومة المغربية

في البداية نشير إلى أن تغيير الخريطة في المغرب وفق المرسوم الجديد هَمً  ما يلي:

  • إحداث محكمة استئناف جديدة بمدينة كلميم جنوب المغرب والتي كانت تتبع من حيث الولاية القضائية لمدينة اكادير  البعيدة عنها بحوالي 200 كلومتر ، وبهذا سيرتفع عدد محاكم الاستئناف في المغرب إلى 22 محكمة استئناف عادية فضلا 05 محاكم استئنافية متخصصة (إدراية وتجارية).
  • الارتقاء ب 12 مركز قضائي (مركز القاضي المقيم هي التسمية الرسمية) إلى محكمة ابتدائية ، ويقصد بالمركز القضائي هنا وحدة قضائية توجد ببعض المدن الصغيرة تتبع لمحكمة ابتدائية بمدينة معينة يوجد بها قاض واحد أو اكثر وبعض الموظفين  للقيام ببعض المهام القضائية .
  • إحداث محكمة جديدة لأول مرة بمدينة صغيرة اسمها تحناوت تقع بالقرب من مدينة مراكش من  دون أن يكون  بها مركز قضائي سابقا .

وبهذا سينتقل عدد المحاكم الابتدائية بالمغرب من 70 إلى 83 محكمة ابتدائية ، وقد تطور العدد من 30 محكمة ابتدائية و09 محاكم استئناف بتاريخ 15-07-1974 وهو تاريخ صدور المرسوم رقم  2.74.498 المنظم والمحدد لها إلى 83 ابتدائية و 22 استئنافية حاليا ، مما يعني كثرة التعديلات التي أدخلت على هذا المرسوم .

  • تغيير  الاختصاص المكاني لسبعة محاكم ابتدائية ، بحيث تم تغيير تبعيًتها من محكمة استئناف لأخرى ، بحكم القرب الجغرافي والاداري للتبعية الجديدة، وعلى سبيل المثال المحكمة الابتدائية بمدينة ميدلت كانت تتبع لاستئنافية مكناس التي تبعد عنها بحوالي 191 كلومتر  وأصبحت بمقتضى المرسوم الجديد تتبع لمدينة الراشدية التي تبعد عنها بحوالي 138 كلومتر ، فضلا عن أنه من ناحية تقسيم العمل القضائي، فإن محكمة الاستئناف بمكناس كانت تتبع لها أزيد من 03 محاكم ابتدائية وأكثر من 05 مراكز قضائية ، بينما لم تكن محكمة الراشدية يتبع لها إلا محكمة ابتدائية واحدة وعدد من المراكز التابعة لها ، مما كان يثير انتقادات بشأن عقلنة التقسيم القضائي الجغرافي .

واستندت الحكومة المغربية في دعم رؤيتها  لتغيير  الخريطة القضائية المغربية من خلال زيادة عدد المحاكم وتغيير  الاختصاص المكاني لبعضها الآخر  إلى سبب عام متمثل في تنفيذ مخرجات توصيات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة لسنة 2013، وسببين أساسين خاصين: يتمثل أولهما في تقريب القضاء من المتقاضين، وثانيهما يتمثل في ملاءمة التقسيم القضائي مع التقسيم الإداري والجهوي المعتمد بالمغرب بعد دستور 2011.

ثانيا: الإكراهات التي تواجه تغيير الخريطة القضائية المغربية

أثارت مباردة الحكومة المغربية بشأن تغيير الخريطة القضائية نقاشات في الأوساط القانونية والقضائية ، وقد تمحورت هذه النقاشات[3] التي أخذ بعضها طابع المؤاخذات حول توقيت الخطوة وقلة المواد اللازمة لتنفيذ المبادرة وعيب تبعية التقسيم القضائي للإداري  كما يلي :

  • بخصوص توقيت مباردة الحكومة، فإن جميع الأنظار القانونية كانت متجهة نحو إخراج مشروع التنظيم القضائي من رفوف الغرفة الثانية للبرلمان بعد المصادقة عليه من طرف مجلس النواب [4]، وهذا القانون هو المحدد لملامح التنظيم القضائي ومنه الخريطة القضائية، وخاصة بعد المستجدات الدستورية التي عرفها المغرب والتي غير بمقتضاها في من طبيعة القضاء من جهاز إلى سلطة مستقلة، وبالتالي، كان من اللازم انتظار المصادقة على مشروع هذا القانون أولا عوض الاستناد إلى قانون التنظيم القضائي الحالي الذي يعود لسنة 1974 [5]. ومن بين أهم مستجداته أنه حدد ضوابط معيارية لتوطين الخريطة القضائية وفرض على الحكومة استشارات قبلية مع بعض المؤسسات والهيئات المهنية، بحيث نصت المادة الثانية منه ضرورة استطلاع رأي المجلس الاعلى للسلطة القضائية والهيئات المهنية المعنية ومراعاة حجم القضايا والمعطيات الجغرافية و الديمغرافية والاجتماعية وكذا التقسيم الإداري عند الاقتضاء، وكذا المعطيات الاقتصادية والمالية إذا تعلق الأمر  بإحداث محاكم تجارية، هذا فضلا عن أن بعض الاصوات كانت تنادي بضرورة إزالة اختصاص الحكومة في التصرف في الخريطة  القضائية أصلا[6] ، وهو ما من شأنه أن يُحسم في مشروع القانون المذكور.
     
  • إن مبادرة الحكومة هاته لا تراعي حجم الموارد البشرية المتوفرة حاليا من قضاة وموظفين، فضلا عدم صلاحية البنايات الموجودة حاليا كمراكز  لأن تكون صالحة لإقامة محاكم مستقلة بذاتها. وتفصيل ذلك يتمثل في كون حجم الخصاص الحالي دون اعتبار المحاكم المستحدثة الذي يقدره المجلس الأعلى للسلطة القضائية في  600 قاض ولديه فقط ثلث هذا العدد لتغطيته حاليا ، وباعتبار أن بدء اشتغال أي محكمة في المغرب يوجب توفير حوالي 12 قاض (ة) لها على الأقل، وأن حجم الخصاص سيرتفع بالتالي إلى 800 قاض (ة)، ومباردة الحكومة لم تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، مما سيضطر معه المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى اللجوء للتنقيل القسري للقضاة استنادا على المادة 75 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة  التي تأخذ بمبررات نقل القضاة في إحداث محاكم جديدة. وهو ما سيضرب معه مبدأ الاستقرار الاجتماعي للقضاة، ليس بناء على مصلحة ملحة وإنما بناء على انعدام التخطيط المسبق للحكومة. ويلحظ أن وزير العدل قام تبعا لانتقادات القضاة بطمأنتهم من خلال اعتماد خطة تدريجية لتشغيل هذه المحاكم  المستحدثة  عن طريق توظيف أفواج جديدة من القضاة لتغطية هذا الخصاص[7].
     
  • إن قيام الحكومة بملاءمة التنظيم القضائي مع التقسيم الإداري غير ممكن بالنظر للخصوصيات في المجال القضائي الذي يجب أن يعتمد القرب من المتقاضين كأساس له. أما التقسيم الجهوي فيعتمد معطيات اقتصادية وجغرافية وضرورة اطلال الجهة الادارية على الواجهة البحرية للبلد أحيانا أخرى. كما أن الوحدات الإدارية منتشرة بكثرة في المدن والقرى وهو ما لا يمكن للمحاكم أن تسايره بحكم تواجدها فقط بتجمعات سكانية كبرى نسبيا، ونقدم كمثال لعدم الملاءمة هاته، ما تم القيام به في المرسوم الجديد  من نقل محكمة مدينة جرسيف  التابعة حاليا لمحكمة الاستئناف تازة والتي تبعد عنها بحوالي 66 كلومتر فقط إلى محكمة الاستئناف بوجدة والتي تتبع لها جهويا وإداريا وتبعد عنها بحوالي 162 كلومتر، مما ترتب عنه احتجاجات للساكنة المحلية.
     

ويشار إلى أن القضاة في المغرب بجميع مشاربهم لا إشكال لديهم على الإطلاق في مبدأ تقريب القضاة من المتقاضين، وهم يآخذون قط على انعدام التخطيط والتشاركية من خلال توفير الموارد البشرية وللوجستية قبل اتخاذ مثل هذه القرارات وفق ما هو واضح من تعليقاتهم في صفحات التواصل الاجتماعي "الفايسبوك".

 


[1] - يتعلق الامر بالمرسوم رقم 688-17-2 مصادق عليه بتاريخ 16-11-2017 – للاطلاع على المرسوم ومذكرته التقديمية انظر الموقع الالكتروني للأمانة العامة للحكومة المغربية: http://www.sgg.gov.ma/Portals/1/lois/Projet_decret_2.17.688_ar.pdf?ver=2017-11-22-153828-863تاريخ الاطلاع هو 02-12-2017
[2] - يتعلق الأمر بالمرسوم رقم  2.74.498 الصادر بتاريخ 15-07-1974 ، والذي دخلت عليه عدة تعديلات بخصوص عدد المحاكم وتعيين مقارها إلى أن وصلت قبل التعديل الأخير موضوع المقال  الى 70 محكمة ابتدائية و21 محكمة استئناف .
[3]- انظر في بعض هذه النقاشات  موقع هسبريس الاخباري المغربي يوم 13-11-2017 على الرابط الآتي : https://www.hespress.com/societe/371259.html  تاريخ الاطلاع هو 02-12-2017
وموقع كازا سيتي الذي عنون الخبر ب: " قضاة ينتقدون الزيادة في عدد المحاكم دون تخطيط مسبق" – على الرباط الآتي : http://www.casacity.com_a23665.html تاريخ الاطلاع هو 02-12-2017
[4] - للاطلاع على النسخة المعروضة على البرلمان انظر موقع وزارة العدل المغربية : http://www.justice.gov.ma/lg-1/documents/doccat-4.aspx  تاريخ التصفح هو 14-09-2017 .
[5] - للاطلاع على هذا القانون انظر موقع وزارة العدل المغربية http://adala.justice.gov.ma/production/organisation/ar/338-74-1.htm تاريخ التصفح هو 14-09-2017
[6] - تراجع مقالة عبداللطيف الشنتوف حول :" إشكالية تحكم السلطة التنفيذية في الخريطة القضائية بالمغرب (تعليق على مشروع قانون التنظيم القضائي) " المنشورة بالمفكرة القانونية على الرباط الأتي : http://legal-agenda.com/article.php?id=3793 تاريخ المشاهدة هو : 02-12-2017 .
[7] - جاء ذلك في استقبال وزير العدل لرئيس نادي قضاة المغرب – انظر الخبر في  الموقع الرسمي لوزارة العدل المغربية على الرابط الآتي : http://www.justice.gov.ma/lg-1/actualites/act-668.aspx تاريخ الاطلاع 02-12-2017