اعتبرت النقابات الأمنية الاعتداءات التي تعرض لها الأمنيون ومقراتهم ووسائلهم في ظل الانفلات الأمني الذي ساد بعد الثورة واستمرت آثاره لاحقا، والملاحقات القضائية التي طالت بعضهم بمناسبة عملهم، سببها غياب قانون خاص بهم يحميهم. وعليه، قادت هذه النقابات في سنة 2015 تحركات احتجاجية[1] انتهت بأن استجابت وزارة الداخلية ومن بعدها الحكومة التونسية لمطلبهم وتقدمت لمجلس نواب الشعب بمشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة[2] بتاريخ 13-04-2015. بررت الحكومة خطوتها بمقولة أن الحاجة لحماية المجتمع تفرض حماية خاصة للأمنيين على اعتبار أن أي خطر يتهددهم هو خطر يتهدد المجتمع  بأسره[3]. وهو تبرير لم يمنع اصطدام مشروع القانون بمعارضة حقوقية واسعة أدت لتعطيل مساره باللجنة الفنية للمجلس التشريعي. لاحقا وجدت ذات النقابات الأمنية في الاعتداء الذي تعرض له أحد الأمنيين نهاية الشهر السادس من سنة 2017 وأودى بحياته سببا لتجدد ضغطها من أجل نفس الطلب، وهو الأمر الذي نجحت إلى حدّ بعيد في تحقيقه على اعتبار معاودة لجنة التشريع العام العمل على مشروع القانون منذ ذلك التاريخ.

وفي مسار يبدو ظاهريا منفصلا عن المسار الأول، وخلال الساعات الأولى من اليوم الأول للشهر العاشر لسنة 2017، جدّت خصومة بين مجموعة من الأفراد بقسم الاستعجالي بالمستشفى الجامعي سهلول بسوسة نجم عنها إصابات لحقت بالعاملين بالمستشفى وتهشيم لعدد من آلياته. أغضبت الواقعة نقابات الصحة التي حملت السلطة مسؤولية التقصير في الحماية الأمنية للمؤسسات الاستشفائية وطالبتها بسن قانون يحمي العاملين بالمستشفيات من الاعتداءات. ودون حاجة لتحركات نقابية أو طول انتظار، أثمر الضغط إعلان وزارة الصحة يوم 05-10-2017 شروعها في صياغة مشروع قانون "يحمي العاملين بمؤسسات الصحة ويزجر الاعتداءات عليهم"[4].

تبنت الحكومة في الحالتين طرح النقابات القطاعية لجهة أن صرامة أكبر في التقدير التشريعي للعقوبات كفيل بمنع الاعتداءات على منظوريهم مستقبلا. كما سجل في الحالة الأولى التي صاغت فيها الحكومة مشروع قانونها انتهازها فرصته لتستجيب لمطلب ثان لذات النقابات تمثل في تخصيص الأمنيين بقواعد مؤاخذة جزائية في عملهم أقل صرامة من قواعد القانون الجزائي. وينتظر أن تعتمد الحكومة نفس التوجه في مشروعها الثاني خصوصا وأنها أعلنت تجاوبها مع مطالبة نقابات الأطباء بسن قانون خاص يمنع تتبعهم عن الأخطاء الطبية وفق قواعد القانون الجزائي العام ويفرض قواعد مؤاخذة خاصة بقطاعهم[5]. وينتظر بفعل تعدد النقابات القطاعية وقدرتها على استعمال وسائل الضغط أن تتطور عدديا مشاريع القانون المماثلة لتشمل قطاعات مهنية أخرى يتعرض العاملون فيها لمخاطر تجاوزات مستعملي المرفق العمومي، بما سيؤدي لبناء منظومات جزائية متعددة؛ كل منها خاص بقطاع مهني محدد ويتمثل دورها في إرساء حماية جزائية متشددة في مواجهة من ينتهكون حرمته وحرمة العاملين به ومتفهمة لخصوصية القطاع وفق تصور العاملين به فيما يتعلق بما ينسب لأعوانه من أخطاء مجرمة في القانون الجزائي العام.

يُشار إلى أن المجلة الجزائية التونسية تعود لسنة 1913[6]. وكانت الحكومة التونسية ومباشرة بعد الثورة قد انطلقت في مراجعة شاملة لأحكامها هدفها سن مجلة جزائية جديدة تنسجم أحكامها مع تطور السياسات الجزائية وتتسم مقارباتها باحترام قيم حقوق الانسان وفق ما ورد بتعهداتها بمناسبة الاستعراضين الدوريين لسجلها في حقوق الانسان سنتي 2012 و2017. وسيؤدي توظيف القانون الجزائي التونسي كوسيلة لترضية القطاعات المهنية الضاغطة واستعماله في إطار ردود فعل متسرعة على تجاوزات إلى إفراغ مثل هذا المشروع من جدواه.

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

 


[1] النقابات الأمنية تحتج أمام مجلس نواب الشعب .. التصعيد وارد ..19-01-2015 صحيفة الصباح التونسية 
[2] تقدمت الحكومة التونسية بتاريخ 13-04-2015 لمجلس نواب الشعب بمشروع القانون عدد 25 لسنة 2015 المتعلق " بزجر الاعتداءات على القوات المسلحة "                  
[3] شرح الأسباب الخاص مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين منشور بموقع مجلس نواب الشعب   
[4] وزير الصحة يدعو إلى تشديد الحماية الأمنية على المستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة – 04-10-2017 الصباح نيوز  
[5] تعهدت وزارة الصحة التونسية بتاريخ 10-02-2017 لممثلين عن المجلس الوطني لعمادة الأطباء والمجلس الوطني لعمادة أطباء الأسنان ونقابة اتّحاد أطباء الاختصاص للممارسة الحرّة والنقابة التونسية لأطباء الأسنان الممارسين بصفة حرة والنقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص  بعرض مشروع يضبط المسؤولية الطبية على رئاسة الحكومة – تصريح رئيس المجلس الوطني لعمادة الأطباء يوسف مقني لوكالة تونس إفريقيا للأنباء ( وات )  بتاريخ 10-02-2017
[6] صدرت المجلة الجزائية التونسية بمقتضى الامر العلي  المؤرخ في 09 -07- 1913  وقد تم تنقيح احكامها في اكثر من مناسبة في اطار تدخلات جزئية افقدتها الانسجام الداخلي علاوة على ما تعانيه من عدم مواكبة للعصر فيما تعلق بفلسفة التجريم والعقاب