كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن ضرورة تعديل الدستور من أجل إعادة النظر في طبيعة النظام السياسي وذلك على خلفية أزمات سياسية متعاقبة تجسّدت أساسا في غياب الاستقرار الحكومي. فمنذ المصادقة على دستور 2014، شهدنا ما لا يقلّ عن أربع حكومات تحت رئيسي حكومة متعاقبين وذلك في أقلّ من أربع سنوات[1]. وبالفعل اتجهت أصابع الاتهام إلى طبيعة النظام السياسي وذهبت الأصوات المطالبة بتعديل الدستور إلى حدّ اقتراح النظام الرئاسي كبديل. ولتقييم وجاهة هذه المطالب وبيان ما إذا كانت معالجة الوضع السياسي الراهن تقتضي فعلا تعديل الدستور وتتطلّب بشكل خاص إقرار النظام الرئاسي، من الضروري التوقف عند مقومات النظام السياسي الحالي كما ضبطه دستور 2014.

دون الإطناب في الخلافات التي دارت حول طبيعة النظام الذي سيتمّ اختياره بين الأطراف السياسية الممثلة في المجلس الوطني التأسيسي، بين مطالب بنظام برلماني صرف ومطالب بنظام رئاسي، تمّ الاتفاق في نهاية المطاف على نظام مختلط أصله برلماني مع إدخال بعض عناصر مأخوذة من النظام الرئاسي.

بالنسبة للجانب البرلماني من النظام، يعرف عن هذا الأخير أنه يجعل من الحكومة، التي تمثّل مركز ثقل السلطة التنفيذية، امتدادا للحزب أو للائتلاف الحزبي المهيمن في البرلمان. وبالفعل تنبثق الحكومات في النظام البرلماني من أغلبية سياسية في البرلمان سواء تمثّلت في حزب واحد أو في ائتلاف حزبي وتحتاج إلى ثقة هذه الأغلبية للتمكّن من العمل ومن تنفيذ برنامجها السياسي فهي إذا في علاقة تبعية للبرلمان.

ويترتّب على ذلك أن الحكومات يمكن أن تجد نفسها في مثل هذا النظام في وضعيتين: فإما أن يقوم الوضع على تجانس تامّ بين البرلمان والحكومة في صورة ما إذا كانت هذه الأخيرة مسندة إلى حزب واحد له أغلبية مريحة بالهيئة التشريعية، تمكّنه من الحكم بمفرده دون أن يحتاج إلى حليف أو حلفاء، أو أن تكون مسندة إلى ائتلاف حزبي يعلم الجميع أن كل ما ارتفع عدد مكوناته كلّما كان من الصعب لا فقط إرساؤه  بل كذلك ضمان ديمومته. وإن المشهد الحزبي في البرلمان الذي ستنبثق عنه الحكومة مرتبط بدوره بطبيعة نظام الاقتراع المعتمد للانتخابات البرلمانية أي التشريعية.  

وبالفعل، يؤدي اختيار نظام التمثيل النسبي[2] مع أكبر البقايا[3] ودون اعتماد نظام العتبة[4] إلى تكاثر الترشّحات باعتبار أنه نظام اقتراع يكفل حتى لأصغر الأحزاب حجما وأقلّها تجذّرا في المجتمع حظوظا للفوز ولو بمقعد واحد بالبرلمان على غرار ما نجده في مجلس نواب الشعب اليوم[5]، وهو كذلك نظام اقتراع لا يشجّع الأحزاب السياسية على خوض الانتخابات في شكل ائتلافات أو جبهات بل يحثّها على دخولها فرادى ويضطرّها إلى البحث عن هذه الائتلافات بعد الإعلان عن النتائج لا قبلها، الأمر الذي يؤدّي إلى تحالفات اضطرارية تفرضها نتائج الانتخابات وليس تحالفات عقلانية مبنية على تقارب المشاريع والتصورات السياسية. وهذا ما عشناه في تونس على إثر الانتخابات التشريعية لسنة 2014 . كما أن التمثيل النسبي مع أكبر البقايا يدفع إلى التكاثر غير الرّشيد للأحزاب السياسية ويؤدّي إلى تفتّت الطبقة السياسية التي سينزع كل طرف فيها إلى العمل بمفرده معوّلا على "كرم" نظام الاقتراع وهذا ما نعيشه كذلك في تونس اليوم التي يؤثث مشهدها السياسي ما لا يقلّ عن 207 حزبا.

وتبعا لذلك، إن انعدام الاستقرار الحكومي الذي نعيشه منذ انتخابات 2014 التي خلنا أنها ستخلّصنا، بفضل إرساء الدستور الجديد، من التقلبات السياسية التي كنا نعيشها منذ 2011، سببها ما خلّفه نظام الاقتراع من تشتيت لأصوات الناخبين بين عدد كبير من القائمات وبالتالي من تفتيت التمثيل بينها الأمر الذي حال دون ظهور أغلبية منسجمة واضطرّ إلى تشكيل ائتلاف حكومي رأينا أنه بالغ الهشاشة وأنه نقل هشاشته تلك إلى الحكومة.  

أما عن الجانب الثاني من النظام السياسي التونسي والذي أخذ بعض عناصره من النظام الرئاسي فهو يخصّ المكوّن الثاني للسلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية، الذي على عكس ما هو الشأن في النظام البرلماني الصّرف لا يعيّن من قبل البرلمان بل هو منتخب مباشرة من قبل الشعب أي له نفس المشروعية الانتخابية التي يتمتّع بها نواب الشعب، الأمر الذي يعطيه قوة واستقرارا لا يملكهما رئيس الحكومة الذي هو في تبعية للأغلبية البرلمانية. كما أن دستور 2014 أناط برئيس الجمهورية صلاحيات هامة[6] تتجاوز بكثير الصلاحيات الرمزية التي تسند لرئيس الدولة في النظام البرلماني الصّرف، لكنه في نفس الوقت منحه صلاحيات يمارسها بالاشتراك مع رئيس الحكومة وبعد استشارته. ومن شأن هذه الصلاحيات المشتركة أن تجعل حدود اختصاصات كل من طرفي السلطة التنفيذية غير ثابت بل متحرّكا حسب ما إذا كان كلاهما ينتمي إلى نفس الحزب السياسي أو إلى حزبين مختلفين. ففي الحالة الأولى وهي الحالة التي نعيشها الآن في تونس، يتدعّم حضور رئيس الجمهورية داخل السلطة التنفيذية على حساب رئيس الحكومة فيحجبه. ومن شأن هذا الوضع أن يجعل النظام التونسي أقرب إلى النظام الرئاسي من النظام البرلماني.أما الحالة الثانية فتؤدّي إلى انكماش السلطات الرئاسية إلى أدنى حدودها واستعادة رئيس الحكومة لكامل صلاحياته واقتراب النظام السياسي التونسي أكثر إلى النظام البرلماني.

مهما يكن من أمر بالنسبة لطبيعة العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية بمقتضى دستور 2014، فإن ما ينبغي الانتباه إليه هو أن خصوصية هذه العلاقة ليست هي سبب الأزمة السياسية التي نمرّ بها اليوم بل أن الأزمة في البرلمان وفي خارطة الأحزاب التي تؤثثه. وبالتالي فإذا كان هنالك إصلاح عاجل ينبغي إدخاله، فإنه إصلاح لنظام الاقتراع بشكل يعيد هيكلة المشهد الحزبي في البلاد وليس فقط في البرلمان وذلك بترشيده.

ويمكن في هذا الشأن النظر إلى التجارب المقارنة وتحديدا تلك القائمة على النظام البرلماني الصّرف، الذي يعتبر من قبل بعض الملاحظين في تونس من أسوأ الأنظمة، حيث نلاحظ أنه ليس هنالك نظام برلماني واحد بل عديد الأنظمة التي تختلف عن بعضها البعض لا في الآليات التي تميّز هذا النظام والتي تبقى ثابتة بل في طبيعة المشهد الحزبي. ويكفي في هذا الشأن أن نذكر في الفرق الشاسع بين النظام البرلماني الإيطالي الذي اعتمد إلى حدود سنة 2004 الاقتراع حسب التمثيل النسبي الأمر الذي جعله النظام الأقل استقرارا في أوروبا الغربية والنظام الألماني وهو برلماني كذلك مع نظام اقتراع يمزج بين الأغلبية والتمثيل النسبي وهو نظام يشهد له باستقراره.

وعلى هذا الأساس يمكن التفكير مثلا في استبدال نظام التمثيل النسبي مع أكبر البقايا بالاقتراع  على القائمات بالأغلبية في دورتين وهو نظام اقتراع يسمح لكل القوى السياسية بأن تترشّح في الدورة الأولى لكنه يدفع بها بعد الإعلان عن نتائج هذه الدورة وقبل انطلاق الدولة الثانية إلى التحالف على أسس عقلانية تقوم على تقارب سياسي لا على أساس ضرورات تمليها نتائج الانتخابات في دورتها الثانية. كما أن الانتخاب على دورتين يسمح للناخب بالتدارك وبإعادة تصويب تصويته حسب ما آلت إليه نتائج الدورة الأولى. وهذا ما يجرّنا للحديث عن النقطة الثانية من الإصلاح الممكن وهي إعادة النظر في روزنامة الانتخابات.

وفي هذا الشأن، يستحسن الفصل بين موعد الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية لتجنّب نتائج يمكن أن تؤول إلى فوز نفس القوّة السياسية برئاسة الجمهورية وبالأغلبية البرلمانية وتبعا لذلك بالحكومة. وهي وضعية يمكن أن تقلب موازين القوى بين رأسي السلطة التنفيذية حيث سيصبح رئيس الجمهورية هو المهيمن عليها، لأن الأحزاب السياسية ترشّح قياداتها للرئاسة وبالتالي فإن رئيس الحكومة سيكون بالضرورة شخصية ثانية أو ثانوية على الأقل من نفس الحزب. وبالتالي جميع الصلاحيات التي أقر الدستور أن رئيس الجمهورية يمارسها بعد استشارة رئيس الحكومة ستكون فيها هذه الاستشارة رمزية والكلمة الفصل بخصوصها بيد رئيس الجمهورية. كما أن من شأن تباعد هذه الانتخابات أن يمنح فرصة للناخب بأن يقيّم أداة الحزب الذي فاز بالرئاسة ليعطي الأغلبية البرلمانية لمنافسه أو العكس.  

وبناء على الملاحظات السابقة يمكن أن نقول أن في دستور 2014 عديد الهنات وأن النظام السياسي الذي أقرّه في حاجة إلى إعادة نظر في عديد جوانبه لعلّ أهمها توزيع السلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. إلا أن المؤكّد هو أن الأزمات السياسية التي مررنا بها ولا زلنا نعيش على وقعها لا تجد مصدرها في هذه الهنات ولا تتطلّب معالجتها تعديلا للدستور على الأقلّ في القريب العاجل.

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

 


[1]  على إثر الانتخابات التشريعية التي نظّمت في 26 أكتوبر 2014 تمّ ترشيح الحبيب لصّيد من قبل حزب نداء تونس وهو الحزب الذي تحصّل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب وذلك بناء على المادة 89 من الدستور  التونسي التي تقرّ بأن على الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان أن يقترح على رئيس الجمهورية الشخصية التي عليه أن يكلّفها بتشكيل الحكومة. مع العلم أن الحبيب الصّيد رغم أنه مرشّح حزب نداء تونس إلا أنه لا ينتبي لهذا الحزب وقدّم على أساس أنه شخصية مستقلة. تحصّلت حكومة الحبيب الصيد على ثقة البرلمان في 5 فيفري 2015 لكن على إثر تأزّم الوضع السياسي مع صعوبة تمرير الإصلاحات السياسية وخاصة الاقتصادية اضطرّ الحبيب الصيد إلى إجراء تحوير وزاري وتمّ ذلك في 6 جانفي 2016. في 30 جويلية 2016 صادق مجلس نواب الشعب على لائحة سحب الثقة من حكومة الحبيب الصيد سقطت بمقتضاها وتحوّلت إلى حكومة تصريف أعمال في انتظار تسلّم حكومة يوسف الشاهد الذي كلّف بتشكيل حكومة جديدة يترأسها. في 11 سبتمبر 2016 تحصّلت حكومة يوسف الشاهد على ثقة مجلس نواب الشعب إلا أنه اضطرّ إلى إدخال تحويرات على فريقه الحكومي بعد سنة من تسلّمه السلطة وتمّ ذلك في 11 سبتمبر 2017.
[2]  يشكّل نظام التمثيل النسبي إحدى نظم الاقتراع التي عن طريقها يتمّ تحويل عدد الأصوات المتحصّل عليها من قبل قائمة مترشّحة إلى عدد من المقاعد ويتمّ توزيع المقاعد بمقتضى هذه الطريقة  بضبط الحاصل الانتخابي في مرحلة أولى وهو عدد الأصوات الضروري للحصول على مقعد أي هو بمثابة ثمن المقعد وذلك بتقسيم العدد الجملي للأصوات المصرح بها في الدائر الانتخابية المعنية على عدد المقاعد المتنافس عليها بنفس الدائرة. ثم في مرحلة ثانية يتمّ تقسيم عدد الأصوات التي تحصّلت عليها كل قائمة على الحاصل الانتخابي بحيث تتحصّل كل واحدة منها على عدد من المقاعد بعدد المرات التي يتكرّر لديها الحاصل الانتخابي وفلسفة هذه الطريقة كما تدلّ تسميتها هي أنها تمكّن كل قائمى اانتخابية من عدد من القاعد يساوي تقريبا عدد الأصوات التي تحصّلت عليها بحين أن القائمة التي تحصّلت على 5% من الأصوات تتحصل على 5% من المقاعد والقائمة التي تحصّلت على 40% من الأصوات تأخذ 40% من المقاعد ومن القائمات ما لا يحصل على أي مقعد لأن عدد الأصوات التي تحصّل عليها أقلّ من الحاصل الانتخابي.
[3]  تمثّل أكبر البقايا إحدى الطرق التكميلية لتوزيع المقاعد في نظام التمثيل النسبي إذ أنه في صورة ما إذا لم يمكّن الحاصل الانتخابي من توزيع جميع المقاعد المتنافس عليها، يتمّ ترتيب بقايا أصوات القائمات التي أفرزتها قسمة عدد الأصوات التي تحصّلت عليها على الحاصل الانتخابي ترتيبا تنازليا وتوزيع ما تبقى من المقاعد على أساس هذا الترتيب التنازلي وعادة ما تكون في صدارة هذا الترتيب للبقايا الأصوات أي الأصوات غير المستعملة قائمات الأحزاب الصغرى وذات القاعدة الانتخابية الضعيفة والتي تحصّلت على عدد من الأصوات أقلّ من الحاصل الانتخابي أي دون ثمن المقعد وتبعا لذلك يكون نظام أكبر البقايا كتتمّة للتمثيل النسبي نظام يشفع للأحزاب السياسية الصغرى وييسّر لها النفاذ إلى الهيئات التمثيلية واو كان ذلك بمقعد وحيد.
[4]  المقصود بالعتبة هو كما تدلّ تسميته آلية يضعها القانون الانتخابي تقضي بأن القائمة التي لا تتحصّل على نسبة دنيا من الأصوات أي عتبة محدّدة والتي قد تكون ب 1 أو 3 أو 5 أو حتى 10% من الأصوات المصرّح بها تقصى من عملية توزيع الأصوات من أساسها لا عن طريق الحاصل الانتخابي ولا عن طريق أكبر البقايا
[5]  نجد على سبيل المثال الحزب الجمهوري ممثلا بنائب واحد هو السيد عبد الوهاب الورفلّي وحزب مجد الجريد ممثلا كذلك بنائب واحد هو السيد عبد الرزاق شريط
[6] هذه بعض العينات من الصلاحيات التي أسندها الدستور لرئيس الجمهورية الفصل 77: « يتولى رئيس الجمهورية تمثيل الدولة ويختص بضبط السياسة العامة في مجالات الدّفاع والعلاقات لخارجية والأمن القومي المتعلّق بحماية الدولة والراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة...»  الفصل 78: «التعيينات والاعفاءات بالوظائف العليا برئاسة الجمهورية والمؤسسات التابعة لها وتضبط هذه الوظائف بقانون. التعيينات والاعفاءات في الوظائف العليا العسكرية والديبلوماسية والمتعلّقة بالأمن القومي بعد استشارة رئيس الحكومة وتضبط هذه الوظائف بقانون"