بتاريخ 1/8/2017، أقرّ مجلس النواب الأردني تعديلا واسعا على قانون العقوبات، أهم ما تضمنه حول إلغاء المادة 308 بكاملها وهي المادة التي كانت تجيز للمغتصب الإفلات من العقاب من خلال زواج لاحق بضحيته. تداعيات هذا الإلغاء ما تزال ماثلة داخل الساحة الحقوقية الأردنية ليس فقط لأهميتها القيمية، بل أيضا لأنه جاء تكليلا لتحالف مدني يندر حصوله في الأردن. ويلحظ أن بعض القوى المحافظة كانت دعت إلى إبقاء المادة بعد تعديلها وذلك على غرار ما حصل لاحقا في لبنان بخصوص إلغاء المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني[1]. وقد تمثل هذا الموقف في وجوب التفريق بين جرائم المجامعة وفق حصولها اغتصابا أو برضى الطرفين كما يحصل في حال مجامعة راشد مع قاصرة رضائيا. وفي هذا السياق، انتقدت المحامية لين خياط إلغاء المادة 308 "على أساس أنه لا يتلاءم مع البيئة الاجتماعية في الأردن. فهذه البيئة لا تتقبل وجود فتاة حامل لدى والديها دون زواج. الإلغاء بحد ذاته لن يشكل حماية، أو يراعي الوضع الاجتماعي للأسرة، بل سيؤدي إلى رفع نسبة اللجوء للزواج العرفي". وقد رأت خياط أن "التفريق بين الحالة الرضائية والإغتصاب وتحديد سن الأهلية الجنسية كان من الممكن أن يشكل لبنة لإلغاء متعلق للمادة بعد دراسة واضحة لجوانبها الاجتماعية والقانونية، وربما الحديث عن تطور أشكال ممارسة المراهقة لدى الأطراف وتعبيرهم عن حاجتهم الجنسية وهو الأمر الذي سيظل الآن قيد الخفاء، إلا بجرائم قتل وتعنيف لن تقع إلا على المرأة".

ورغم إيجابية هذا التعديل، يلحظ أن العمل المنظم والمشترك الرائد الذي قامت به منظمات المجتمع المدني خلال شهر تموز الماضي، أدى إلى طغيان مسألة المادة 308 إعلاميا على نحو حجب العديد من المسائل الأخرى الهامة، ومنها مثلا تعديل المادة 150 من قانون العقوبات والتي أدخلت مزيدا من "العقوبات السالبة للحرية في قضايا المطبوعات والنشر والإعلام" وتحديدا بخصوص أي كتابة أو خطاب أو عمل يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة. 

تظاهرة حقوقية للمستقبل

رغم إختلاف المنظمات الحقوقية الأردنية في منظورها لواقع حقوق الإنسان، إلا أنها، إلى حد ما، تجمعت خلال حملة إلغاء المادة 308، في تحالف واحد، من شأنه، كما يصفون تلك الخطوة بالأساسية في إتجاه إصلاح منظومة حماية حقوق الإنسان في التشريعات الوطنية الأردنية. في هذا الإطار، تصرح الأمينة العامة للجنة الوطنية لشؤون المرأة، سلمى النمس، للمفكرة "أن هذه المرحلة تستلزم عمل الأطراف من الحكومة ومؤسسات مجتمع مدني، على تعزيز آليات الحماية للفئات الأكثر تعرضا للإساءة والمرأة من بينها. ومن هنا، نؤكد أهمية الضغط المدني لأجل تعديل تشريعات أخرى مرتبطة بحماية المرأة، مثل قانون الصحة العامة وقانون الأحوال الشخصية، لتكون منظومة متكاملة، تعمل على حماية المرأة ضد التمييز ضدها". كما تدعو المديرة التنفيذية لمركز ميزان لحقوق الإنسان، إيفا أبو حلاوة، إلى إعطاء الأولوية الآن ل "إنصاف الضحية" حيث على الدولة الأردنية تبني قوانين وسياسات من شأنها معالجة مشكلات إجتماعية. "مثلما أقرت قانون الحماية من العنف الأسري، نتمنى منها أن تعمل على قانون الأحوال الشخصية". ويلحظ أن نجاح هذه المنظمات في إلغاء المادة 308 دفعها إلى مأسسة عملها الجماعي لإحياء المطالبة بعدة حقوق منتقصة منها فيما يخص مساواة المرأة بالرجل في إعطاء الجنسية لأبنائها للمتزوجات من غير أردنيين وأيضا استكمال تغيير التشريعات المتعلقة بحماية النساء من العنف والإعتداءت الجنسية. وفي هذا الإطار، تم وضع قائمة سيتم العمل عليها من قبل منظمات المجتمع المدني، بشكل موحد.

درسٌ: كيف يكون الضغط مدنياً ومؤثرا؟

يقرأ مدير مركز الفينيق لدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض، واقع المنظمات التي بدت مؤخرا وكأنها منصهرة في إطار تحالفات محددة الأهداف. "اكتشفت المنظمات أنها لا تستطيع وحدها تحقيق أهدافها. وقد أسهم في تعزيز التعاون اكتشاف المنظمات أن الحكومة تنوي التراجع عن إلغاء المادة 308 في اللحظات الأخيرة، فتحالفت إذ ذاك بقوة في نشاطات عدة شاركت فيها على الأرض وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن حضور ممثليها الكثيف لجلسات مجلس النواب لأجل الضغط على الحكومة للتراجع عن تراجعها في إلغاء المادة.

الناشطة الحقوقية، أسمى خضر، تقول أن الحملات المدنية هي تلك التي يتقاطع فيها توافق قاعدة شعبية مع منظمات مجتمع مدني لأجل التأثير على صناع القرار. "التجربة الناجحة ليست وليدة الحملة التي رافقت إلغاء المادة 308، سبقتها حملات أخرى مثل جرائم الشرف، ورفع سن الزواج لسنة 2001 فضلا عن 6 تعديلات على قانون الأحوال الشخصية". ورأت أن "الإطلاع على كل حيثيات الحق والإنتهاك، ومبادئ حقوق الانسان وعلاقتها بالمنظومة القانونية، وبالواقع فضلا عن خطوط تواصل مع صناع القرار والإعلام، تلك كانت معايير للحملة المدنية التي تنتهجها المنظمات النسوية".

وإذ أشاد المدير التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين، نضال منصور، بدوره بأهمية هذا الحراك المدني الذي استهدف للمرة الأولى الرأي العام وأزعج القوى المحافظة، فإنه رأى بالمقابل أنه علينا أن "ندرك أنه لولا الإرادة الملكية، لما فُرض على الحكومة والنواب موقف واضح باتجاه الإلغاء".

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.

 

[1]  يراجع المقال المنشور في هذا العدد.