أعادت تصريحات الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في اليوم الوطني للمرأة من العام الجاري الحديث عن مجلة الأحوال الشخصية إلى الواجهة. بل أن طرح الباجي لموضوع المساواة في الإرث أعاد الجدل حول مدى "إسلامية" بعض أحكام المجلة، مع إبراز التجاذب المتجدد بين التيارين العلماني والإسلامي المحافظ في تونس في هذا الخصوص. فلطالما اعتبرت مجلة الاحوال الشخصية عصارة جهد توفيقي تجديدي بين فكر الطاهر الحداد الثوري الذي لخّصه كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادرعام 1930 من جهة والفكر التقليدي الإصلاحي الذي جسده الشيخ عبدالعزيز جعيّط في لائحة الأحكام الشرعية عام 1948. اليوم وبعد أكثر من 60 سنة من دخول المجلة حيز التنفيذ صار لزاماً على الباحثين واصحاب الاختصاص طرح الاشكاليات القائمة حول أثر التطور الاجتماعي على انسجام الرؤية التوفيقية للمجلة. من هذا المنطلق ارتأت المفكرة القانونية إعادة طرق هذا الموضوع في محاولة لطرح التساؤلات المشروعة وفتح المجال أمام أهل الاختصاص للإجابة عنها.

طرحنا السؤال حول ما إذا كانت هدفية المجلة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة على أساس ديني اجتهادي إسلامي أم أن تلوين المجلة بلون إسلامي كان مجرد "تبرير" أولي كسبيل للوصول تدريجيا إلى مجلة تحمل راية المنظومة الحقوقية العالمية دون أي ملامح إسلامية؟ فكان أن أجابت د. نائلة شعبان[1]، أن الشريعة كانت بالنسبة لبورقيبة وسيلة لا أكثر. ذلك لأنه كان من الصعب طرح مجلة علمانية صرف في ذلك الوقت. فأخذ من كل مذهب ومدرسة فقهية ما يتماشى مع هدفه بعيد المدى وهو المساواة التامة بين المواطنين والمواطنات الذي كان يرمي إليه منذ توليه رئاسة البلاد. أما عن هدف المجلة اليوم ومدى تشابهه مع الهدف البورقيبي، تجيب "شعبان" أن المجتمع المدني التونسي اليوم في حالة فصام، حيث يضع قدما في المدنية وقدما في الإسلامية. التياران يؤمنان بأن المرأة والرجل عنصران أساسيان لا يتقدم المجتمع إلا بهما على قدم المساواة، ولكن يختلفان على كيفية تحقيق تلك المساواة. ولكن أكدت "شعبان" على حتمية العودة للدستور الذي ينص في فصله الثاني على مدنية الدولة التونسية ويؤكد في فصله الواحد والعشرين على المساواة التامة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون.

تطرح مجلة الأحوال الشخصية اشكالية أخرى أكثر حساسية من مرجعيتها وهي الخلل البنيوي الذي أصاب المجلة بعد سلسلة التنقيحات التى أدخلت عليها، حيث تم تنقيح المجلة أكثر من ثلاث عشرة مرة منذ 1956 إلى اليوم. وفي كل مرة يكتفي المشرّع التونسي بإضافة الفصول الجديدة دون إدراك لضرورة تعديل أو إلغاء الفصول السابقة في المجلة التى تتعارض مع الفصل المضاف أو تلغى بموجه. يقول د. عبد المجيد زرّوقي[2]، "أن بإمكاننا أن نفسر مقترح الرئيس الباجي بموضوع المواريث بمثابة دعوة لمراجعة مجلة الأحوال الشخصية لتكون متناسقة ومتماشية مع مبدأ المساواة ليس فقط فيما يخص أحكام المواريث بل أحكام المجلة ككل." ليضيف "في الواقع، غياب التناسق بين أحكام المجلة يؤدي إلى طرح علامات استفهام حول مفهوم المساواة بحد ذاته. فالسلطة الأبوية ما زالت تتجلى واضحة في العديد من فصول المجلة. فمثلاً الفصل 23 الذي يشدد على فكرة أن الزوج هو رئيس العائلة، والفصل 3 و38 المتعلقان بالمهر، والفصل 13 الذي يربط بين المهر والبناء في الزواج. من جهة ثانية، في حال أقرَّ المشرّع التونسي المساواة في الإرث، فستميل الكفة لمصحلة النساء فيما يخص أحكام النفقة التى تفرض على الرجل دفعها عند انفصال الزوجين، إلا في حالات نادرة، والرجل المتخلف عن ذلك يحاسب جزائيا."  أما د.  كلثوم مزيو[3]، فتتوقع "أنه في حال أقرت المساواة في الإرث، سيتجلى واضحاً الخلل القانوني في المجلة والفجوة بين أحكامها. وعندها سيجد المشرّع التونسي نفسه مضطراً لإعادة صياغة المجلة برمتها."

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس. 


[1]كاتبة الدولة للمرأة والأسرة سابقاً ومن النخب الى عملت على مسودة قانون حماية المرأةمن العنف وعميدة كلية الحقوق حاليا
[2]استاذ محاضر في كلية الحقوق
[3]استاذة محاضرة في كلية الحقوق