من الملفت للإنتباه في تونس أننا في كل المعارك السياسية نجد لموضوع المرأة النصيب الأوفر. فالمسألة مطروحة من الناحية الاجتماعية كموضوع كلاسيكي له صلة بالمساواة بين الجنسين منذ بدايات القرن العشرين. ولكنها مطروحة أيضا سياسيا في علاقة بالتناصف في الترشح للخطط السياسية، وقد تطورت هذه المسألة من تناصف عمودي إلى تناصف أفقي (تناصف ليس فقط في عدد المرشحين والمرشحات في قائمة واحدة وإنما تناصف أيضا في رئاسة القوائم الانتخابية). وبالإضافة إلى ذلك، طرحت مسائل أخرى كحقوق الأمهات العازبات، وبدرجة أقل وبشيء من الإيحاء موضوع حقوق المثليين. نسوق هذه الملاحظة الأولية لنؤكد على أن موضوع مكاسب المرأة في تونس ظل مسألة حية بشدة منذ الاستقلال وكانت دوما ملفا انتخابيا بامتياز يوظفه الساسة في أغلب معاركهم ومنافساتهم الانتخابية وغير الانتخابية. لقد كانت المعركة في بدايتها معركة قانونية خاضتها الدولة ضد المجتمع مع صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 ثم انقلب الأمر شيئا فشيئا لتتحول إلى معركة تخوضها المرأة بأسلحتها المختلفة ومن ورائها المجتمع ضد الدولة وهي مفارقة حرية بالتحليل والتفسير.

معركة الدولة ضد المجتمع من أجل حرية المرأة

في فجر الاستقلال لم تكن البلاد التونسية سوى بقايا مجتمع فككته المنظومة الاستعمارية والمخزنية إلى أقلية متمدنة ومتحضرة متأثرة بنمط العيش الأوروبي وأغلبية يعيش معظمها على النمط البدوي وشبه الحضري المحافظ، حيث تكون المرأة خاضعة لأشكال من المعاملة القروسطية تزوّج عنوة وتطلق بصورة أحادية من الرجل علاوة على نظام تعدد الزوجات الذي كان بمثابة السيف المسلول على رقبة الزوجة الأولى. ورغم مشاركة المرأة في الحركة الوطنية، إلا أن المجتمع الذكوري كان الأوفر نصيبا في الحضور على الساحة السياسية.

ومع الإعلان عن الاستقلال وبداية تركيز الدولة الجديدة، جعل القادة الجدد في تونس من مسألة العائلة والأحوال الشخصية والمرأة أولى أوليات المرحلة الجديدة عبر اصدار مجلة الأحوال الشخصية منذ السنة الأولى من الاستقلال وبعد أقل من أربعة أشهر من وثيقة الاستقلال. لن نجازف بالقول أن مجلة الأحوال الشخصية كانت بمثابة "إعلان حرب" على مجتمع تقليدي وذلك بالنظر إلى حدة وصرامة الأحكام التي نطقت بها المجلة مثل منع تعدد الزوجات وتجريمه (الفصل 18)، أو إلغاء حق جبر الولي ابنته على الزواج أو إقرار الطلاق القضائي لأول مرة (الفصل 31) أو تحديد السن الأدنى للزواج ومنع تزويج الأطفال المقبول في الشريعة الإسلامية.

وبعد ثلاث سنوات فقط، صدر الدستور التونسي الثاني بعد دستور 1861 مكرسا مبدأ المساواة بين الجنسين ليرتقي هذا المبدأ من المرتبة القانونية إلى المرتبة الدستورية. كما أنه بصدور برنامج التنظيم العائلي وتحديد النسل سنة 1964، اهتزت إحدى المقولات الرجعية التي كانت تعتبر المرأة مسخرة للنسل والجنس بحكم طبيعتها.

ولقد بذلت الدولة مجهودا خاصا من خلال تعميم التعليم والرقي بنسبة تمدرس الإناث بعدما كنّ شبه محرومات منه قبل الاستقلال عدا بعض العائلات "البلدية" والمترفة علاوة على النهوض بالمرأة عبر فتح كل مجالات التشغيل أمامها، علما أن النساء كنّ لا يمثلن أكثر من 6% من السكان النشيطين سنة 1960 ثم أصبحن أكثر من 30% منهم في سنة 2003 (رغم الاحتراز على هذه النسبة ارتفاعا بسبب تقدير عدد النساء العاملات في الميدان الفلاحي المرتفع والذي يصعب حصره).

وإذ نعزو هذه المكاسب لدور الدولة لا لحراك جمعياتي أو حزبي، فلأسباب موضوعية: أولها ضعف النسيج الجمعياتي والحزبي بسبب هيمنة الحزب الواحد والطابع الذكوري الصرف للحركة النقابية من حيث هيكلتها ومطالبها أيضا. وحتى بعض المنظمات كالرابطة التونسية لحقوق الانسان كان نشاطها مركزا أكثر على المطالب السياسية لاعتبارات موضوعية وذاتية. إلا أن تلك المكاسب والتي تفاعل معها المجتمع لم تكن كافية. "فلا يمكن أن نغير المجتمع بقرار"، كما يقول ميشال كروزيي. لقد بدأ المجتمع التونسي يشهد تحوّلات كبيرة منذ نهاية الثمانيات أو على الأقل منذ نهاية الحقبة البورقيبية تحت مفعول الأزمة الاقتصادية الخانقة وأزمات الصراع على الحكم بين أجنحة القصر البورقيبي. وقد استفحلت هذه الأزمة مع بداية تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي الذي رافقه تدهور كبير للمالية العمومية وانحسار ملحوظ لدور الدولة في القطاعات الاستراتيجية وخاصة منها التعليم، فتقلصت الميزانية المخصصة للتربية في مفهومها الشامل (بما في ذلك الثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية).

في هذه الفترة لم يعد موضوع المرأة من الأوليات وقد ساعد في ذلك بروز الفكر الديني كبديل للفكر الليبرالي الذي دفع فاتورة الفشل السياسي لحزب الدستور والفكر اليساري الذي انهار بانهيار المعسكر الاشتراكي.

لقد بدأت تظهر بعض المقولات لدى طائفة من المجتمع تعتبر أن تشغيل المرأة هو السبب في البطالة علاوة على استشراء مقولات كالسفور والتبرج حتى لدى الأوساط التلمذية. وقد ساعد على ذلك توظيف نظام بن علي للإسلام الدعوي ضد الإسلام السياسي وتشجيعه ما يسمى جماعة "الدعوة والتبليغ" لضرب هذا الأخير، مما أشاع لدى شرائح من المجتمع نوعا من الفكر الرجعي والقدري لا زالت بقاياه الى اليوم. وفي خضم كل هذا لم تكن تستشعر الدولة الخطر من هذه التداعيات على وضع المرأة، فأصبحت مكاسب المرأة مهددة بصفة جدية، الأمر الذي دفع شرائح من المجتمع إلى أداء دورها في الدفاع عن هذه المكاسب، بعدما تخلت الدولة عن هذه المهمة.

المجتمع ضد الدولة دفاعا عن المرأة

لقد كانت مسألة المرأة في المجتمع التونسي بعد الاستقلال أحد أهم الشعارات التي كان يحارب بها بورقيبة ما كان يعرف بالزواتنة أي مشايخ جامع الزيتونة. كما كانت المسألة بالنسبة إليه إحدى السياسات التي كان ينال بها ودّ العالم الغربي. إلا أن تبني الدولة لموضوع المرأة عرف تراجعا منذ فترة حكم بن علي الذي لم يكن يتعامل مع حقوق الانسان ومن ضمنها المرأة كأحد عناوين الفرقعة الإعلامية خصوصا وأن عديد النساء المناضلات في الشأن السياسي والحقوقي منذ الثمانينات عانين من الاستبداد والإقصاء بسبب أفكارهن السياسية. وبالإمكان القول أن المنظمات العاملة في الشأن الحقوقي هي التي تبنت مقولات تحرر المرأة كالرابطة التونسية لحقوق الانسان ومنظمة النساء الديموقراطيات وغيرها من المنظمات المناوئة للنظام السياسي آنذاك. ولعل انفجار ثورة 14 جانفي 2011 سيعطي منعرجا حاسما لشأن المرأة التونسية ونسقا جديدا نظرا لدخول البلاد في تجاذب سياسي حاد بين الأطروحات الإسلامية من جهة والأطروحات الليبرالية واليسارية من جهة أخرى. ولقد كان النقاش حول الدستور الجديد  أحد أهم المنابر التي تقارعت فيها الأطروحات المتقابلة. والدولة في كل ذلك مجرد إطار محايد يحتكم إلى قاعدة التصويت وكذلك إلى موازين القوى على الحلبة السياسية. ويبدو أن المقولات المتحررة التي توحّدت حولها قوى اليسار واليمين الليبرالي فرضت نفسها من خلال فرض مبدأ التناصف الأفقي والعمودي بين الجنسين في أهم الهياكل التمثيلية كالبرلمان والسلطات الدستورية المستقلة. كما ان الزخم الجمعياتي غير المسبوق بعد الثورة (20000 جمعية العديد منها ينشط في الشأن الحقوقي والنسوي)، جعل من موضوع المرأة وتعزيز مكاسبها مسألة مجتمع أكثر منها مسألة دولة. ولقد فرض المجتمع المدني في هذا الاطار مراجعة القواعد المتعلقة بالولاية مثل تنقيح قانون جوازات السفر وتمكين الأم من حق ممارسة الولاية على الأبناء القصر في حالة السفر.

وبالإضافة إلى ذلك، كان من البين تزعم العديد من النسوة خطابا احتجاجيا بارزا ومؤثرا، سواء كنائبات في المجلس الوطني التأسيسي أو في مجلس نواب الشعب وخاصة على البلاتوهات التلفزية والاذاعية. ولعل من أبرز الاختراقات النسوية للمجتمع الذكوري دخول امرأة لقيادة المنظمة النقابية الأقوى في البلاد (الاتحاد العام التونسي للشغل) مما شكل اختراقا ولبنة لتجاوز الهيمنة الذكورية التي غالبا ما طغت عليها منذ تأسيسها.

هذا الحاجز لا شك كسر وتعزز مع طرح مسألة المساواة في الميراث بين الجنسين وحق المسلمة في الزواج بغير مسلم والذي كان بمثابة الزلزال بالنسبة لمجتمع لم يطرح عليه هذا الأمر على الأقل بتلك الصيغة الجامحة والمتحدية. حول هذا الموضوع بالذات، وجد المجتمع نفسه يعيش أمام ثاني امتحان قاس بعد إلغاء تعدد الزوجات في الخمسينات. والمسألة تتجاوز الجدل الفقهي أو الفكري لتتسرب إلى أوجه أخرى لا علاقة لها بالدين، بل ببعض العادات المستشرية لدى عديد العائلات التونسية والتي لا تراعي حق في المرأة في الميراث أصلا.

إن الرهانات القادمة في تقديرنا لن تتوقف عند هذا الأمر. فالصراع حول السلطة السياسية بين اليمين الديني من جهة واليسار والليبراليين من جهة ثانية قد يرجّح كفة أحدهما على الآخر، خصوصا إذا ما علمنا أن ما حققته المرأة من مكاسب إضافية صلب الدستور أو بعض النصوص القانونية الأخرى بعد الثورة كان في ثوب "تنازلات" أحيانا مؤلمة وأحيانا تكتيكية من اليمين الديني الذي لم يدل بدلوه بعد حول هذه المسألة ما دام بصدد ترميم تموقعه السياسي المهتز خلال فترة الترويكا. لا تزال أمور كثيرة محل تجاذب كوضع المرأة العزباء والمساواة في الإرث. ولا تزال صراعات أخرى لم تفصل بعد وتظهر أحيانا وتختفي أحيانا أخرى. ومن الحكمة التسليم إذا أن مسألة المرأة في المجتمع التونسي لا تزال في أتون صراع مجتمعي ظاهره علاقة الدين بالدولة أحيانا وأحيانا أخرى الاصطدام بتغير مجتمعي عميق له صلة بدخول المرأة بكثافة إلى سوق الشغل وخاصة إلى الفعل السياسي المؤثر والمزعج غالبا للمجتمع الذكوري.

نشر هذا المقال في العدد 9 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.