بتاريخ ١٠/١٠/٢٠١٧، صدر مرسوم التشكيلات والمناقلات القضائية في أجواء غير مسبوقة من اجتياح القضاء من قبل السلطة السياسية[1]، خصوصاً في ظل الحديث عن ثلاث لوائح واحدة مخصصة للمراكز الهامة "السنية" وأخرى مخصصة للمراكز الهامة "الشيعية" وثالثة مخصصة للمراكز الهامة "المسيحية" تولت وضعها الجهات السياسية التي تدّعي احتكار تمثيل طوائفها[2]. وأخطر ما رشح عن هذه الأجواء هو ابتعاد التشكيلات تلك – القائمة على منطق المحاصصة – عن أي معايير موضوعية. ويبتعد ذلك كل البعد عن مبادئ استقلال القضاء المعترف بها دوليا، إذ من المتعارف عليه أن هذه المبادئ توجب الاعتماد على معايير موضوعية في أي قرار يحدّد المسار المهني للقضاة[3]. ويحظر المبدأ 10 من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء إجراء التعيينات القضائية بناءً على "دوافع غير سليمة" (improper motives). ومن البديهي القول إن نظام تقييم القضاة يعدّ المدخل الأساسي، في أي نظام قضائي، لتوفير المعايير الموضوعية لتنظيم المسار المهني للقضاة على أساس المساواة في ما بينهم.

إلا أنه ورغم أهمية تقييم أداء القضاة، لا يوجد في لبنان حاليا أي تنظيم قانوني له. وفيما بقيت هذه المسألة مسكوتا عنها بفعل نظام الترقية الآلية المعمول به (اكتساب درجة كل سنتين)، فإنها تحولت منذ ٢٠١٢ إلى مادة محورية للنقاش حول الإصلاح القضائي. فعلى خلفية زيادة رواتب القضاة بما يقارب الضعف والحاصلة في نهاية ٢٠١١، أطلق وزير العدل السابق شكيب قرطباوي محاولات عدة لتقييم القضاة بهدف تحسين انتاجيتهم وأيضا الحصول على معايير موضوعية للتشكيلات القضائية تبقى غير متوفرة بغيابه. لكن بقي عمله آنذاك بدائياً منحصراً في التقييم الكمي أي قياس عدد الأحكام التي تصدر عن كل قاضٍ أو محكمة. وقد عاد مجلس القضاء الأعلى ونظم عددا من ورشات العمل التشاورية غير الاعتيادية مع الرؤساء الأول للمحاكم والهيئات الاستشارية المنتخبة ما بين ٢٠١٤ و٢٠١٦. وفي سنة ٢٠١٥، خلصت الورشة إلى تعيين لجنة مصغرة أثمرت جهودها تصورا أوليا، كان محورا للنقاش والتعديل في آخر ورشة عمل حول الموضوع في سنة ٢٠١٦. وقد انتهت الورشة تلك من دون أن يتم إقرار التصور موضوع المناقشة رسميا.

وبالنظر إلى أهمية المسألة، نتناول في هذه الورقة البحثية، آليات ومعايير تقييم القضاة، انطلاقا من المسودة التي خلص إليها المجلس في أعقاب نقاش 2016 والتي ينتظر أن يعلن عنها اليوم، كما هي أو مع بعد إدخال بعض التعديلات عليها. وفي هذه الورقة، سنفحص بشكل خاص مدى أهمية الضمانات التي يقتضي أن تترافق مع عملية التقييم للحؤول دون استخدامه كأداة لفرض الهرمية الوظيفية داخل القضاء أو تكثيف التدخل في عمل المحاكم. فمن هي الجهة التي تقيّم القضاة؟ ووفق أية معايير؟ وما هو هدف التقييم؟ وما هي وتيرة القيام به؟ وما هو دور القاضي موضوع التقييم فيه وما هي وسائل الإعتراض عليه في حال رأى أي تعسف في استخدامه؟ أسئلة كثيرة تبقى في صميم أي نظام لتقييم القضاة والتي نفصلها على طول الورقة. ونشدّد هنا منعا لأي التباس أن هذه الورقة انبنت على مسودة المجلس لنظام التقييم المنجزة في إثر ورشة عمل 2016، والتي يحتمل أن تكون خضعت لتعديلات فيما بعد، سنتناولها في حال حصولها في مقال منفصل.

ويلحظ أن االمفكرة كانت نشرت سابقا 9 أوراق بحثية، هي الآتية:

 

 

 


[1]  بيان للمفكرة تعليقاً على التشكيلات القضائية ٢٠١٧: السلطة السياسية تجتاح القضاء على نقيض خطاب القسم، موقع المفكرة القانونية، ١١-١٠-٢٠١٧
[2] المرجع نفسه.|تحدّد المادة 9 من الشرعة العالمية للقاضي أن على "أي تعيين لقاضٍ أن يأتي نتيجة معايير موضوعية وشفّافة مبنية على المؤهلات المهنية المناسبة". كما أتت التوصية رقم R (94) 12 لتوضح أن "على كل القرارات المتعلقة بالمسار المهني للقاضي أن تُبنى على معايير موضوعية، كما أن على اختيار القضاة ومسارهم المهني أن يُبنى على الجدارة، بالنظر إلى المؤهلات والنزاهة والكفاءة والفعالية".