قدم نادي قضاة المغرب لأمانة المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤخرا مذكرته حول مشروع مدونة السلوك القضائي، تضمنت توصيات عدة ندوات واجتماعات وطنية ودولية عقدها مند تأسيسه، كما اعتمدت على مختلف المرجعيات المعيارية والتصريحية الوطنية والدولية المتعلقة باستقلال القضاء. في نفس السياق سجل النادي في مذكرته عدة ملاحظات عامة حول شكل المبادرة، وحول مشروع المدونة من حيث الشكل والمضمون.

ملاحظات عامة حول شكل المبادرة:

من حيث الأجل: اعتبر نادي القضاة أن الأجل المحدد للجمعيات المهنية القضائية من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتقديم ملاحظاتها حول مشروع مدونة السلوك من طرف المجلس يبقى غير كاف لإجراء استشارات موسعة مع القاضيات والقضاة عن طريق جمعياتهم أو عن طريق مؤسسة المجلس .

من حيث توقيت المبادرة: سجل نادي القضاة تحفظه على توقيت المبادرة التي أتت سابقة لأوانها، في وقت لم يستكمل فيه المجلس الأعلى للسلطة القضائية إطاره التنظيمي والقانوني، بالنظر الى وجود عدة عراقيل قانونية وعملية قد تعيق عملية الإعداد الهادئ والعميق لمشروع مهم في حجم مدونة السلوك. فمن جهة أولى لم يتم تمكين المجلس الأعلى للسلطة القضائية من ميزانية مستقلة تضمن له الاستقلال الإداري والمالي طبقا للفصل 116 من الدستور، كما أن نظامه الداخلي لم ينشر بعد في الجريدة الرسمية طبقا للفصل 49 من القانون التنظيمي رقم 103.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

بخصوص تشكيل لجنة الأخلاقيات ودعم استقلال القضاة:

رغم تثمين النادي مبادرة المجلس إلى تشكيل لجنة الأخلاقيات طبقا للمادتين 52 و106 من القانون التنظيمي رقم 103.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإنه أبدى تحفظه على طريقة تنزيل هذه اللجنة. فلم يعلن المجلس عن تركيبتها، كما لم يحدد صلاحياتها. ويقترح نادي قضاة المغرب في هذا السياق قيام لجنة الأخلاقيات فور مباشرتها لأداء مهامها بشكل قانوني -بعد نشر النظام الداخلي للمجلس في الجريدة الرسمية- باستطلاع واستجماع آراء القاضيات والقضاة بخصوص مبادئ الأخلاقيات القضائية وتصوراتهم لآليات تنزيلها، واستشارة الفاعلين في منظومة العدالة، والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، لإعطاء مدونة السلوك مشروعية مجتمعية تتجرد عن أي نزعة فئوية ضيقة. كما يقترح نادي قضاة المغرب إفراد لجنة الأخلاقيات بمقتضيات تنظيمية داخل مشروع مدونة السلوك واعتبارها الأداة التنفيذية الكفيلة بالسهر على تنزيل المدونة، وتخويلها دورا استشاريا في تصرفات القضاة كلما ساورتهم الشكوك بشأنها عملا بأفضل التجارب الدولية في هذا الصدد.

ملاحظات نادي قضاة المغرب حول مشروع مدونة السلوك:

أكد نادي قضاة المغرب على ضرورة الحرص على إشراك الجمعيات المهنية للقضاة في جميع مراحل إعداد وصياغة ومناقشة مشروع مدونة السلوك؛ كما اقترح في السياق ذاته توسيع نطاق الاستشارة ليشمل عددا من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، لإعطاء مدونة السلوك مشروعية مجتمعية أكبر.

وأوصى بضرورة الاستناد إلى مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، واستلهام مبادئ بنغالور للسلوك القضائي باعتبارها أرضية أولية يمكن العمل على تطويرها على ضوء مظاهر السلوك القضائي الذي تم رصده من خلال عمل المجلس الأعلى للقضاء سابقا عند بته في المتابعات التأديبية في الدورات السابقة؛ لإعطاء مشروع مدونة السلوك طابعا واقعيا؛

وأكد على ضرورة استعمال لغة قانونية واضحة ودقيقة في مشروع مدونة السلوك القضائي توفر للقاضيات والقضاة معرفة الأفعال والامتناعات من الأفعال التي قد تؤدي إلى إخضاعهم للتأديب؛

واستعمال لغة تحترم مقاربة النوع الاجتماعي وتأخذ بعين الاعتبار مساهمة المرأة القاضية إلى جانب زميلها القاضي في أداء رسالة القضاء؛

شدد نادي قضاة المغرب التأكيد على ضرورة اتخاذ المعايير المعتمدة في رسم القاضي النموذجي وفق معايير واقعية، تراعي واقع الوظيفة القضائية وحجم العوائق والتحديات التي تواجهها. وفي هذا الصدد يقترح تقديم تعريف دقيق لمفهوم المراقب المعتدل أو المعقول والذي يعكس نظرة المواطن/الانسان الواعي بالتزامات المنصب القضائي ودوره في المجتمع والمنسلخ عن الأحكام المسبقة، ويعكس وجهة نظر الغير من سلوك القاضي بشكل موضوعي.

ودعا إلى إعادة النظر في طبيعة الأخلاقيات القضائية باعتبارها تشكل في عمقها مسؤولية جماعية وليست مسؤولية فردية، واعادة النظر أيضا في الوسائل المتاحة لتمكين القضاة من المواصفات المبينة في المدونة، من خلال اعتبار الحرية في التعبير والتجمع كأدوات أساسية لاكتساب الاستقلالية وتعزيزها، فضمان استقلالية القاضي يتطلب أساسا الاعتراف بحريته في التعبير والتجمع، ولا يكون تقييد هذه الحرية مبررا إلا بالقدر الذي يفرضه مبدأ استقلال القضاء.

وأوصى نادي قضاة المغرب أخيرا بضرورة تضمين مدونة السلوك مقتضيات تخص الالتزامات التي يتحملها القضاة في مواقع المسؤولية، وداخل هياكل الجمعيات المهنية القضائية وبالمجلس الأعلى للسلطة القضائية بالنظر إلى حساسية مواقعهم وضرورة التصريح بالممتلكات والديون وخاصة بعد التعيين في مناصب المسؤولية والعضوية في المجلس وتجديده بعد انتهاء مدة الولاية أو المسؤولية مع تيسير سبل النفاذ إليه للعموم.