بمناسبة اقتراب انتخابات نقابة المحامين لعام 2017، أصدر النقيب أنطونيو الهاشم بياناً بتاريخ 16 تشرين الأول 2017، يدعو فيه المحامين إلى "وجوب الإلتزام بميثاق الشرف الذي وقّع عام 1991، واعتماد الأداء المسؤول عبر عدالة التمثيل لكلّ الشرائح والأطياف، ما يؤمّن التوازن والتنوّع وإبعاد شبح الخطابات الطائفية في ظلّ وجود مساحة تمثيل متاحة لجميع الأطياف، ويطلب من جميع المحامين الترفّع عن المصالح الخاصة والالتزام بالميثاقية المعلنة". ويأتي بيان النقيب في سياق متصل بما أنتجته انتخابات نقابة المحامين في بيروت العام الفائت (16 تشرين الثاني 2016)، من تصاعد لخطاب ذات طابع طائفي في إثر عدم وصول أي مرشح من الطائفة الشيعية إلى مجلس النقابة. وقد ترشح إلى عضوية مجلس النقابة في الانتخابات القادمة، التي ستحصل بتاريخ 19 تشرين الثاني 2017، كل من المحامين: هاني أنيس الأحمدية، سيدة مسعود حنا حبيب، ندى نجيب تلحوق، أديب إلياس زخور، أسعد سعيد سعيد، بيار أسد الحداد، يوسف حسين زعيتر، جاك إبراهيم أبو عبدالله، لوسيان ايلي عون، علي محمد سميح برجي، علي أحمد مشيمش، علي حسن برو، حسين علي محيدلي. وقد أعلن المرشحون المحامون : سمير علي حيدر، مطانيوس مخايل عيد، فادي عبدالله بركات، اندره جوزف الشدياق، فادي منير مسلم، عزيز ميشال مخايل طربيه، فريد حليم الخوري ترشحهم لمنصب نقيب.

بعد أن نشرت المفكرة مضمون مقابلتها مع المرشحين إلى منصب نقيب، بالنسبة إلى برنامجهم الإنتخابي ورؤيتهم لدورهم بالنسبة إلى قضايا: حرية التعبير، الشطب الإداري، إستقلالية القضاء، وعلاقة النقابة بالمجتمع المدني. تنشر اليوم مواقفهم ومواقف سائر المرشحين لعضوية مجلس النقابة فيما يتعلق بالمسألة الطائفية.

"الميثاقية" ليست محل إجماع

يعارض عدد من المرشحين بيان النقيب، وإن أيده بعضهم الآخر. ويسجل المحامون حيدر وعيد وحبيب وبرجي اعتراضاً على مضمون بيان النقيب. فحيدر يرفض بيان النقيب في موضوع الميثاقية، "فالمحامي يمثل دوره بمعنى متصل بالمهنة، أما الإرتكاز إلى التوازن الطائفي فهو مضر لا سيما أن مهنتنا حرة ولسنا لا نواباً ولا وزراء، ولا نريد أن ننقسم طائفياً". في الاتجاه نفسه، يعلن حبيب عدم تفضيله "للمعيار الطائفي في الانتخابات"، وأنه "ضد بيان النقيب وضد االطائفية في النقابة". من جهته، يذهب عيد إلى وصف ميثاق الـ 91 بـ "ميثاق قلة الشرف". وهو يبرر وصفه هذا بأن الميثاق، وبحجة التمثيل الطائفي، "يحدث الكثير من التمديد ومن مخالفات القانون جراء إلغاء القاعدة التي تلزم الأعضاء بعد الترشح لولاية متتالية. ففي السابق لم يكن يوجد في النقابة أي نص طائفي حتى إبتكار هذا الميثاق. وقد كان تطبيق قاعدة الـ 3 سنوات يؤمن تساوي الفرص، ويخفف من سيطرة الأحزاب". أما بركات فيجد أنه "لا يجب تقييم المرشح على خلفية الدين والطائفة، مع العلم أن الأفضل وجود تنوع في التمثيل. بكل الأحوال يجب ترك المعايير الطائفية والركون إلى المعيار المهني.  والمعيار الأخير موجود ونسبة ارتكاز الناخبين اليه حالياً متساوية مع ارتكازهم إلى المعيار الحزبي".

أما باقي المرشحين فهم يؤيدون الميثاقية بدرجات متفاوتة. فيجد شدياق مثلاً أن "تكريس الميثاقية التي أرساها العرف والتقليد النقابيان تاريخياً بدون انقطاع، ضرورة في زمن تحاصص التمثيل والشراكة الفعلية في الوطن". أما محيدلي فينطلق في تأييده لبيان النقيب من "عدم تمثيل الطائفة الشيعية في المجلس منذ 5 سنوات". وهو ما يدفع مشيمش أيضاً لتأييد مضمون البيان، لا سيما "في ظل التجاذبات السياسية في المرحلة الأخيرة". في هذا السياق، يضيف مشيمش أنه "في الواقع لا دور حالياً للميثاقية لأن كل حزب يحاول إيصال مرشحه للعضوية". أما باقي المرشحين، فإنهم يولون الأولوية للتأكيد على الطبيعة غير الطائفية لنقابة المحامين، مع تفضيلهم للتعددية الطائفية والسياسية والثقافية داخل مجلس النقابة. في هذا الاتجاه، يسهب الخوري بشرح رأيه بالقول أن "نقابة المحامين يجب أن تضم جميع العائلات وهي ليست طائفية. فيبقى التمثيل ضمن المجلس النقابي أساسياً كي تشعر كافة الطوائف أنها تحت مظلة النقابة. هنا لابدّ من التوضيح أن ميثاق الشرف ليس معياراً بل توجه، وهو توجه محكوم بانتخاب المرشحين الوطنيين من مختلف الطوائف، ولا يؤدي إلى أن تكون الطائفية هي المعيار في الانتخابات".   

نقابات في المناطق

على صعيد آخر، تبقى مسألة إنشاء نقابات في المناطق موضوع نقاش لمعالجة المشكلة الطائفية. وكانت هذه المسألة طرحت في إثر انتخابات 2016، ضماناً للتمثيل الطائفي. في هذا السياق يقول بركات أن "ما حصل وقتها كان ردة فعل وقد تم تطويقها". إلا أن الواقع يشير إلى أن فكرة إنشاء نقابات في المحافظات لا تزال مطروحة وبصورة جدية، وإن تفرد المرشح إلى منصب نقيب المحامين سمير حيدر في طرحها ضمن برنامجه ومن منطلقات علمانية غير طائفية. ويرى حيدر أنه يقتضي السير في اتجاه من اثنين: "إلغاء نقابة طرابلس فيصبح في لبنان نقابة واحدة لكل محاميه" أو "أن يتم إنشاء نقابتين إضافيتين في محافظتي الجنوب (تضم قضائي صور والنبطية)، والبقاع (تضم زحلة وبعلبك)". المهم في كلا الحالتين "أن يكون هناك نقيب واحد لكل محامي لبنان كما هو الحال في فرنسا حيث كل محافظة فيها نقابتها ولكن هناك نقيب واحد لكل فرنسا". هذا مع العلم أن حيدر يفضل "ضم طرابلس إلى بيروت".

انظروا إلى الزبائنية... والسياسة

إلى ذلك، أعرب عدد من المرشحين أن الطائفية ما عادت المشكلة الوحيدة، حيث برزت معايير جديدة توجه عملية الإقتراع، في العديد من الحالات لا تقل سوءاً. وهو ما يجعل بيان النقيب بغير مكانه كونه لا يحاكي الواقع. بهذا المعنى، يتحدث حداد عن أفول "المعيار الحزبي الطائفي". مع العلم أن هذا المعيار "بقي لفترة طويلة أساسياً للإقتراع، لكن الأمر تبدل منذ عدة سنوات، فلحسن الحظ أخذ المعيار المهني يكبر ككرة الثلج، إلى حد اعتباره المحدد الأساسي لمسار الانتخابات".

خلافا لرؤية حداد المتفائلة، يشير بركات إلى أن "المشكلة الحقيقة تكمن في أن الأغلبية مرتكزة على العلاقات الخاصة والزبائنية". الأمر الذي يتفق معه زعيتر عندما يضع "الصداقات" في صدارة المعايير التي توجه عملية الاقتراع. وفقاً لزعيتر هناك ثلاثة مستويات من المعايير التي يقترع على أساسها المحامون: الصداقات أولاً، ثانياً الانتماء الحزبي وأخيراً المعيار الطائفي".

من جهتيهما، يرى كل من الأحمدية وعون أن الانتماء السياسي بات المعيار الأساسي. يقول الأحمدية في هذا المجال: "إننا نشهد توغلاً سياسياً في النقابة، كنا نأمل أن تقف السياسة على باب النقابة. نحن كحراك مدني نرفض ذلك ونقف بالمرصاد ضد التدخل السياسي". وهو أمر يؤكده عون بقوله أن "أغلب المرشحين سياسيون. فعلى الصعيد الطائفي، الفرصة مفتوحة أمام الجميع من كل الطوائف للترشح، ليس فقط على العضوية إنما أيضاً على مركز النقيب. وأسعدني أن أحد الزملاء من الطائفة الشيعية (يقصد حيدر) تقدم للترشح لمنصب النقيب. وأعتقد أنه لا يوجد مانع من إنتخاب مرشح مسلم إذا كان ذات كفاءة أعلى من كفاءة المرشح المسيحي لمنصب النقيب أو للعضوية".

خلاصة الأمر، يبدو أن الطائفية لن تكون المعيار الذي يتوخاه المرشحون في تحالفاتهم وتوصياتهم للإقتراع. فقد برزت معايير مختلفة أبرزها "السياسة". هذا الواقع يجعل دعوة نقيب المحامين ليعودوا إلى الميثاقية الطائفية خطوة إلى الوراء. فعلى الرغم من أن فصل "الطائفية" عن "السياسة" في لبنان لا يزال أمراً مستغرباً، في ظل الواقع الطائفي للأحزاب المسيطرة داخل النقابة وفي الدولة ككل، إلا أن المعيار السياسي في الانتخابات النقابية يبقى أفضل بأشواط من المعيار الطائفي، لا سيما أن هذا المعيار قابل للتطور بالتوازي مع تطور العمل الحزبي في الدولة، فيما يبقى المعيار الطائفي الأكثر جموداً وتحجراً.