بتاريخ 6 تشرين الثاني 2017، كان 244 محامياً متدرجاً على موعد مع قسم اليمين في باحة الخطى الضائعة في قصر العدل في بيروت. وقد أقسم المحامون اليمين أمام هيئة محكمة الاستئناف برئاسة الرئيس الأول القاضي سهيل عبود، وعضوية المستشارتين زينة بطرس وجهينة دكروب. وقد عبر المحامين المتدرجين إلى باحة القصر بأثوابهم الجديدة، متحمسين للدخول في مسيرة ثلاث سنوات من التدرج قبل استقلالهم كمحامين. بهذا يكون قد حصل هؤلاء على لقب أستاذ وأستاذة وفقاً للطريقة اللبنانية. والحال أنه بعد هذا القسم يصل عدد المحامين في هذه المهنة إلى 9505 محام ومحامية، وفقاً للرقم الذي أعلن عنه أمين السر في نقابة المحامين المحامي جميل قمبريس. وقد حضر الحفل نقيب المحامين في بيروت أنطونيو الهاشم والمسؤول عن المتدرجين في النقابة إسكندر إلياس وعدد من النقباء السابقين والمحامين.

واللافت في الحفل تمثل في كلمة الرئيس الأول لمحكمة استئناف بيروت القاضي سهيل عبود التي ركزت على الجوانب والتحديات المشتركة بين المحاماة والقضاء. وإذ استهل عبود كلمته باستعادة وصف الفقيه الفرنسي  جان كاربونييه بأن "القانون مريض"، مضيفا أن "القضاء مريض أيضاً كما المحاماة"، سارع إلى التأكيد بأن "المرض لا يعني يأساً أو استسلاما، ولا إحباطاً أو تباكياً... إنما هو داء نصنع نحن دواءه من عزم ومن حزم، ومن قامات ومن قيم". وقد ضمن القاضي عبود في مداخلته إشارات عدة إلى تفاقم التدخلات السياسية في القضاء ومخاطره، مع تأكيده على أن دولة القانون هي "دولة السلطات الثلاث، ودولة السلطة القضائية الحرة المستقلة".  فمن الواجب تطبيق القيم القضائية وأهمها "المناعة العصية على أي ارتهان أو استتباع سياسي أو حزبي أو فئوي". هذا وبالإضافة إلى "الاستقلالية دون تجاوز، ونزاهة دون تبجج أو تزمت، وعمل من دون تكدر". كل ذلك على أمل أن تستعيد السلطة القضائية "ثقتها بنفسها، وثقة مواطنيها ومحاميها بها، آخذة المبادرة في ابتعاد القضاء عن السياسة، وفي أبعاد السياسة عن القضاء"، كما في "التنقية الذاتية، وتفعيل المحاسبة، وفي أعمال الثواب والعقاب". هذا مع العلم أنه وفق عبود، واجب التحرر من الارتهان الطائفي لا ينحصر في القضاة إنما يشمل المحامين المدعوين إلى تطوير روابط "الإخاء والانعتاق" والابتعاد عن "التطيف والتمذهب" وألا "يستعجلوا النجاح والكسب السريع في مهنة حرة تفترض الصبر والمثابرة والثبات".

ومن جهة أخرى، ولمعالجة مرض القانون، استشهد عبود بقول فرنسي آخر مفاده (parfois, il faut sortir de la loi, pour entrer dans le droit)، داعيا بذلك المحامين والقضاة إلى تفسير القانون على النحو الذي يسمح ب "تخطي حرفية القانون أو النص لنصل إلى الحق"، كلما أعاقت حرفية النص ذلك. فبذلك، نتخطى "الإحباط الوطني والمؤسساتي" و"نتحرر معاً ونصنع معاً دولة القانون والتطور والحرية".

من جهته، توجه الياس إلى المتدرجين متحدثاً عن صعوبات وظيفة المحاماة مستعيدا كليشيه وصفها بمهنة المصاعب. إذ توجه إلى المحامين بالقول إن "أياماً غامضة تقودك إلى حزن وضياع، هي الحقيقة القاتمة فلا تخافوها". فهذه الحقيقة وفقاً لتعبيره قد رافقت "أجيال لبنان وواجهوا صعابها بالإرادة فما تعبوا وما استسلموا". بدوره، اعتبر الهاشم أن التدرج هو "المدخل إلى مهنة المحاماة والمعيار لفرسانها". ويضيف الهاشم في استعادة خطاب التمجيد بالذات بأن مهنة المحاماة هي "مهنة الجبابرة ورسالتها أشرف الرسالات". وقد شدد الهاشم في كلمته على أمرين: الأول، وجوب تقيد المحامين بعدم ممارسة أي عمل آخر إلى جانب المحاماة تحت طائلة الشطب من جداول النقابة، لكون المحاماة "رسالة اجتماعية سامية"، والثاني، أن "حصانة المحامي ليست امتيازاً للمحامين يسمح لهم بالخروج عن القانون، وليست رخصة للغض من شأن القضاة"، وإنما هي "حماية خاصة تنبع من ضمير العدالة في أن يؤدي واجبا مقدسا تجب كفالته". ويضيف الهاشم "المحاماة هي الدعامة الأولى لكل حكم عادل، إذ أن المحامي لا يقوم بمصلحة خاصة بقدر ما يقوم بوظيفة اجتماعية". وهذه الوظيفة بالنسبة للهاشم هي "معاونة القاضي في إقامة العدل وكشف الحقائق". لهذه الناحية يلفت الهاشم إلى "أننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا ان مهمة المحامي أدق وأشق من مهمة القاضي، فإذا كان للقاضي فضل الترجيح، فإن للمحامي فضل التأسيس والإبداع".