كرست الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والقضائية، لا سيما تلك التي اعتمدت نظام المحاكم الدستورية أو المجالس الدستورية، الرقابة الدستورية. ولقد سمح دستور التعددية السياسية المعتمد في الجزائر بتاريخ 23-2-1989 بتفعيل هذه الرقابة عن طريق إنشاء مجلس دستوري يتولى الرقابة على دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات وفقا لما نصّت عليه المادة 155 منه، بناء على إخطاره من قبل إحدى السلطتين التنفيذية أو التشريعية. وقد سار دستور 1996 على نفس النهج مكرسا هذه الرقابة في المادة 165 التي جاءت مطابقة لسابقتها، مع اختلاف تمثل في اعتماد نظام البرلمان بغرفتين عن طريق إنشاء غرفة جديدة هي مجلس الأمة الذي أعطي رئيسه إلى جانب رئيس المجلس الشعبي الوطني، صلاحية الإخطار. وقد جاء التعديل الدستوري الصادر في 6-3-2016 والذي تناول مواضيع إضافية عدة في مجال الحقوق والحريات، ليستحدث آلية جديدة تسمح للأفراد بالولوج للرقابة الدستورية عن طريق تكريس "المسألة الأولية الدستورية"، وذلك على غرار العديد من الدول الأوروبية مثل الدستورين الفرنسي والإيطالي.

إن هذه الآلية التي جاءت لإكمال النقص الموجود في نظام المجالس الدستورية التي تمارس رقابة سياسية، تستوجب التوقف عندها لتحديد مفهومها ضمن الرقابة الدستورية، وتسليط الضوء على المجال الذي تخصّه، والكيفية التي تتم وفقها ممارستها، للوصول إلى تقييمها.

المسألة الأولية الدستورية: صورة للدفع الفرعي بعدم الدستورية

يمكن ممارسة الرقابة على دستورية القوانين أمام القضاء الدستوري المنشأ لهذا الغرض عن طريق الدفع الأصلي، كما يمكن أن يتم ذلك بصدد نظر دعوى أمام القضاء، فتثور دستورية بعض الأحكام التشريعية التي سيطبقها القاضي مما يؤدي إلى إثارة الدفع الفرعي بعدم الدستورية. وبالرجوع إلى الأنظمة التي أناطت الرقابة الدستورية لمجالس دستورية، يظهر أنها حصرت جهات الإخطار في السلطات الرسمية للدولة من سلطة تشريعية وتنفيذية، من دون تمكين المواطن من إثارة المسألة أمامها. ويختلف هذا الأمر عن الدول التي أخذت بنظام المحاكم الدستورية أو التي من صلاحيات القضاء العادي فيها مراقبة دستورية القوانين، حيث يمكن للمواطن الطعن بدستورية القوانين أمامها. وفي هذا الإطار، شكل التعديل الدستوري الأخير في الجزائر المناسبة لاعتماد نظام المسألة الأولية الدستورية عن طريق تمكين أعلى الجهات القضائية في الجزائر والمتمثلة في كل من المحكمة العليا ومجلس الدولة من إخطار المجلس الدستوري بعدم دستورية أحكام تشريعية. وتنصّ المادة 188 فقرة أولى من الدستور على أن هذا الإخطار قد يحصل "عندما يدّعي أحد الأطراف في المحاكمة أمام جهة قضائية أن الحكم التشريعي الذي يتوقف عليه مآل النزاع ينتهك الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور". ويهدف التعديل الدستوري في هذا المجال إلى تعزيز سمو الدستور في إطار مبدأ تسلسل القوانين، عن طريق إلغاء التشريعات المخالفة للدستور وتعزيز مكانة المتقاضي عن طريق تمكينه من إثارة عدم دستورية القوانين بطريقة غير مباشرة. وبذلك، أدخل المؤسس الدستوري الجزائري نظام الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين وذلك في سياق النظر في نزاع قضائي ما. كما أن اتسام هذه المسألة بالأوّلية يجعل الجهة القضائية التي أثيرت أمامها تنظر فيها دون أي تأجيل مثلما هو الحال بالنسبة للدفوع الأولية، حتى وإن وجدت دفوع أخرى مثارة، وتعمل على إحالتها فورا إلى المجلس الدستوري الذي يختص بالفصل فيها.

موضوع الحماية: الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور

يقيد تطبيق المسألة الدستورية الأولية من حيث الموضوع بطائفة الحقوق التي هي محلّ حماية دستورية. ويحيلنا هذا الأمر إلى مبدأ دسترة الحقوق والحريات الذي سمح برفع العديد من الحقوق المعترف بها في الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان إلى مصاف الدستورية، مما يعزّز من قيمتها ويضمن حماية فعالة لها. ويُشار هنا إلى أن المجلس الدستوري ذهب في أول قرار أصدره بتاريخ 20-8-1989 بصدد الرقابة على دستورية قانون الإنتخابات، إلى توسيع القاعدة المرجعية للرقابة ليشمل حتى الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجزائر من دون أن يتقيد بأحكام الدستور. وقد حصرت المادة 188 من الدستور مجال تطبيق هذه الرقابة فيما يُعرف بمبنى الدستورية، أي القواعد التي لها قيمة دستورية مؤكدة، على اعتبار أن المسألة الدستورية الأولية هي تطبيق خاص للرقابة على دستورية القوانين. ولقد أكدت أن هذه الرقابة تشمل الأحكام التشريعية التي تنتهك الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، ومنها ما تضمّنته ديباجة الدستور بصياغتها العامة (يظل الشعب الجزائري متمسكا بخياراته من أجل الحد من الفوارق الإجتماعية)، وأيضا الفصل الرابع المتعلق بالحقوق والحريات المشتمل على المواد من 32 إلى 73، و الذي يتضمّن 42 مادة نصّت على جملة من الحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى حقوق جديدة مثل الحق في بيئة سليمة.

ويظهر من هذه المادة كذلك إلزامية الإرتباط بين الحكم التشريعي المدفوع بعدم دستوريته والنزاع المثار أمام القضاء، بحيث يجب أن يكون الحكم المطعون فيه هو الذي يتم الإستناد عليه لحل النزاع. ويستنج من ذلك أن الدفع يتعلق بمضمون النص التشريعي لا بشكله.

الفرد فاعل أساسي لتحريك الرقابة التي يكون للقضاء فيها دور المصفاة

مما تقدم، يسجل أن خطوة كبرى تحققت في التعديل الأخير عن طريق توسيع الرقابة خارج المؤسسات الدستورية لتشمل المتقاضين، الذين قد يكونون أشخاصا طبيعيين أو اعتباريين. فتمكين الأفراد من تحريك هذه الرقابة عن طريق الدفع يشكّل تطورا مهمّا في تعزيز الديمقراطية وإشراك الأفراد في مسار حماية الحقوق والحريات. إلا أن تمكين الفرد من هذا الدفع ليس مفتوحا، بل وازن المؤسس الدستوري بين الحماية الدستورية لحقوق الأفراد ومقتضيات العدالة التي تستوجب أن تكون الدفوع  جدية منعا للتعسف في استعمال حق الطعن بهدف المماطلة. وهو ما يفسر أن الأفراد لا يطعنون مباشرة أمام المجلس الدستوري، بل يتم رفع الدفع حسب طبيعة النزاع إلى أعلى جهتين قضائيتين وهما المحكمة العليا أو مجلس الدولة، فيتم فحص الدفوع من قبل هاتين الجهتين لتقرّرا إحالتها من عدمها للمجلس الدستوري. وبمجرد إحالة الدفع للمجلس الدستوري، يتولّى هذا الأخير فحصه لتقرير مدى دستوريته. وفي هذا الإطار، يتم إبطال النص غير الدستوري حسب ما نصت عليه المادة 191 فقرة 2: "إذا اعتُبر نص تشريعي ما غير دستوري على أساس المادة 188 أعلاه، فإن هذا النص يفقد أثره ابتداء من اليوم الذي يحدّده قرار المجلس الدستوري". ويؤكد هذا النص على الطابع المطلق للمسألة الدستورية الأوّلية التي تؤدي إلى اعتبار النص المصرّح بعدم دستوريته لاغيا.

آفاق الحماية

إن إدراج المسألة الأولية الدستورية في التعديل الدستوري الأخير ينبئ عن دخول عهد جديد من تعزيز سيادة القانون عن طريق تأكيد علوية الدستور، ومنح الفرد آلية تمكنه من الدفاع عن حقوقه المكفولة دستوريا، على الرغم من المخاوف التي تثور دائما من توسع سلطة القضاء فيما يصطلح على تسميته بحكومة القضاة. كما أن اقتصار الدفع على القوانين العادية دون العضوية يساهم في التأكيد على الطابع المكمّل للدستور لهذه الطائفة الأخيرة، وإن كان ذلك لا يحل مسألة مكانة القانون العضوي مقارنة مع المعاهدات الدولية المصادق عليها في النظام القانوني الجزائري.

لن يتسنى تقييم فعالية هذه الآلية إلا بعد اعتماد القانون العضوي الذي سيحدد شروط وكيفية إثارة المسألة الأولية الدستورية حسب ما نصّت عليه الفقرة 2 من المادة 188 من الدستور، وتلقي المجلس الدستوري وفحصه للدفوع التي يثيرها المتقاضون بصفة غير مباشرة. ولقد صرح رئيس المجلس الدستوري الجزائري السيد مراد مدلسي بتاريخ 4-2-2017 بأن تفعيل هذه الرقابة سيكون بحلول عام 2019 باعتماد القانون العضوي الذي سيمكن من ذلك.

 

قائمة المراجع:

1.الكتب و المحاضرات:
ادريس بوكرا، الوجيز في القانون الدستوري و المؤسسات السياسية (دار الكتاب الحديث، الجزائر، 2003).
فوزي أوصديق، الوافي في شرح القانون الدستوري، الجزء الأول( ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، 1994).
محفوظ لعشب، التجربة الدستورية في الجزائر (المطبعة الحديثة للفنون المطبعية، الجزائر، 2002).
سامية بوروبة، دولة القانون، محاضرات ألقيت على طلبة الماستر عن بعد فرع الإدارة و المالية، السنة الجامعية 2016 2017 على الرابط:  http://www.mastdist1.ufc.dz

2.المقالات:
د.عليان بوزيان، آلية الدفع بعدم الدستورية و أثرها في تفعيل العدالة الدستورية، مجلة المجلس الدستوري، العدد 2،  2013،.
منصور مولود، أي نظام أفضل لحماية الحريات العامة:المسألة الأولية الدستورية، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية و الإقتصادية و السياسية، ، العدد 3، 2014.

3. الأبحاث المقدمة لمؤتمرات علمية:
سامية بوروبة، المجلس الدستوري الجزائري وحماية حقوق الإنسان: تقييم أولي للممارسات، مداخلة ألقيت في المؤتمر الإقليمي "دور القضاء في حماية حقوق الإنسان" المنظم من طرف الشبكة الأكاديمية العربية لحقوق الإنسان بعمان في 27 و 28 جوان 2012 .

4. النصوص القانونية:
الدستور الجزائري المؤرخ في 28 نوفمبر 1996 المعدل في: 10- 04 -2002 ثم في 15- 11- 2008 ثم في 6 -3 -2016.
الدستور الجزائري المؤرخ في  23- 2- 1989.