مازال تعميم وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق بشأن السماح لرؤساء البلديات والقائمقامية بإعطاء تصاريح بناء يتفاعل بين المؤيدين والمعارضين. فالتعميم الصادر في تاريخ 24-10-2017، يجيز للبلديات والقائمقامية في القرى التي ليس فيها بلديات منح تصاريح بناء بمساحة 150 متراَ لغاية 31 آذار 2018. وذلك دون إلزامهم بالمرور بالآليات التنظيمية في قانون البناء، لناحية الكشف على الخريطة من قبل المكاتب الفنية التابعة للتنظيم المدني أو الأجهزة التابعة لاتحادات البلديات. وقد كان موقف نقابة المهندسين حاسماً تجاه هذا التعميم إذ أعلن في وقت سابق نقيب المهندسين جاد تابت أن النقابة "تتجه للطعن بهذا التعميم". كما أكد للمفكرة أن النقابة قد "تتوجه نحو إلزام المهندسين بعدم التوقيع على أية خريطة تتعلق بهذا القرار". وآخر المستجدات تبعاً لهذا التعميم، هو تعيين لجنة نيابية فرعية برئاسة النائب خضر حبيب، وذلك "لأجل تحسين بنوده وليس تعديلها أو إيقافه نهائياً" وفقاً لما أدلى به حبيب لموقع المدن[1].

بالعودة إلى التعميم الذي يحمل الرقم 352، فإنه يحدد مساحة قصوى للبناء، وهي 150 متر مربع. بالتالي، يتمكن مالك العقار بأن يبني طابقين بهذه المساحة ويمكنه إضافة طابق سفلي في حال كان مستوى العقار أدنى من مستوى الطريق المحاذي لواجهة البناء. أما من كان قد استفاد من تعميم مماثل في السابق يمكنه أن يبني طابقا إضافيأ فوق مسكنه. وبالمقابل أُحيلت مهمة الرقابة على تطبيق هذه التصاريح للقوى الأمنية، حيث ينبغي عليها التأكد من صحة مطابقة الأعمال للتصريح وفق أحكام التعميم.

يعتبر هذا التعميم الرابع خلال عهد المشنوق. فقد كان قد أصدر ثلاث تعاميم مماثلة في الأعوام 2014 (رقم 613) و2015 (رقم 770) و2016 (رقم 735). وقد جاء التبرير لإصدار التعميم الأخير، بحجة الطلبات الكثيرة لتمديد العمل بهذه التعاميم ومن أجل اعطاء الفرصة للذين لم يتمكنوا من الاستحصال على تصريح للبناء على عقاراتهم. أيضاً رأى المشنوق أنه بذلك يكون حريصاً على الحد من الهجرة الريفية وتفشي ظاهرة مخالفات البناء دون أي ضوابط. وقد كان المشنوق قد أقر لجريدة الاتحاد أن هذا التعميم "ليس شرعياً إنما الهدف منه هو مساعدة الفقراء في بعلبك وعكار والهرمل وإقليم الخروب".


التعميم لا يراعي قانون البناء

"يتعارض هذا التعميم مع قانون البناء بأهم دقائقه وجوهر وجوده"، وفقاً لما يشرحه الخبير المهندس المعماري والمخطط المدني فراس مرتضى للمفكرة. فهو يرى أنه "بإصدار هذا التعميم، لم يعد هناك أي معنى للمواطن لإتباع الأصول القانونية في إلزامية الرخصة المسبقة بحسب المادة الأولى من قانون البناء 646/2004 إذ كسر القاعدة وكرس الاستثناء". "من حيث الشكل، إن الأبنية المنشأة بموجب هذا التعميم هي أبنية مخالفة من الناحية القانونية دون أدنى شك"، وفقاً لتعبيره. يؤكد مرتضى أنه "لا يمكن لأي منشأة أن تُبنى دون ترخيص وفقاً للأسس الملحوظة في قانون البناء". يضيف "فللاستحصال على رخصة، يجب أن تكون من خلال ملف خرائط موقع من قبل مهندس مسؤول"، كما ينبغي أن يكون "هذا الملف مسجلا لدى إحدى نقابتي المهندسين". أما الحال بالنسبة لهذا التعميم، فإنه يتعارض مع "قانون مزاولة مهنة الهندسة (636/1997) كما العمل بنظام تسجيل المعاملات الذي يفرض مشاركة أكثر من مهندس".  بالإضافة إلى "الدور الأساسي الذي تؤديه نقابة المهندسين لضمان امتثال مشاريع البناء للأصول الهندسية تأمينا للسلامة العامة".

في الاتجاه نفسه ذهب النقيب تابت، الذي رأى أنه بفعل هذا التعميم "بات يحق لرئيس البلدية أن يوقع رخصة دون أن تراعي قوانين البناء". من هذا المنطلق يجد تابت أن "ليس كل رؤساء البلديات في القرى مهندسين ويتمكنون من قراءة الخريطة وحساب المساحات لمعرفة ما إذا كانت مطابقة لقانون البناء من عدمه". يوضح تابت أن كل "جهود نقابة المهندسين لضبط الأمور حفاظاً على السلامة البيئية تذهب هدراً بفعل هذا القرار". "حيث أنه من المفروض أن أي شخص أراد أن يتقدم للاستحصال على رخصة بناء عليه أن يحصل على توقيع مهندس معماري ومهندس إنشائي وآخر ميكانيكي لتنظيم سلامة الأبنية". ويضيف، "المهندس وحده قادر على رسم الخرائط التي تحمي البناء من الزلازل والعوامل الطبيعية". أيضاً يعطي تابت مثالاً على أهمية وجود المهندس الميكانيكي لناحية "وضع الخطة المناسبة لحماية المياه الجوفية من التلوث بالمياه المبتذلة". إذن هذا القرار بالنسبة لتابت "سيفتح المجال أمام تهميش دور المهندسين، فلن يلجأ إلى خبرته أحد مما سيفتح الباب لإقامة منشآت خطيرة". 

بالإضافة إلى ما تقدم يشير مرتضى إلى "شرط أساسي في القانون هو أن يحصل الملف على موافقة الأجهزة الفنية وهي المدخل الأساسي لكافة المعايير التي تتبعها جميع تراخيص البناء". يقول مرتضى أن "التنظيم المدني هو واحد من أشكال هذه الأجهزة، إذ يقوم بهذا الدور لدى الإدارات (أي البلديات والقائمقاميات) التي لا يوجد لديها جهاز فني". ويعطي مرتضى مثالاً على "البلديات التي لا تحتاج للتنظيم المدني مثل بلديتي طرابلس وبيروت حيث تخضع لأجهزتها الفنية الخاصة ومثلها أيضا بعض اتحادات البلديات".

من جهة أخرى، يلفت مرتضى إلى أن هذا التعميم لا يقول إن البلدية ترخّص البناء بل تمنح التصريح. فبالعودة لقانون البناء في المادة الثانية منه، يتضح أن الأمور التي تدخل تحت بند تصريح هي أمور ليست مرتبطة ببناء منشأ، إنما بأمور تتصل بالترميم والصيانة الخارجية والتعديلات الداخلية وغيرها، بالإضافة إلى الأمور التي لا تؤثر على العناصر الإنشائية والتي لا تؤثر على قانونية الوحدة السكنية. ويوضح مرتضى في هذا الشأن أن "هذا التصريح الذي تعطيه البلدية هو بمثابة ترخيص، إنما دون المرور بالآليات القانونية المحددة في قانون البناء ما يجعل منه مخالفا".

 

 

مخاطر العمل بهذا التعميم

يطرح مرتضى عدة أمور قد تنتج عن العمل بهذا التعميم. يقول "أن الارتباط وثيق بين قانون البناء وقانون تنظيم مهنة الهندسة، وهما يراعيان أداء المهندسين ويضمنان السلامة العامة". خصوصاً وأن النقابة تتابع امتثال المهندس للقوانين والآليات المرعية للمحافظة على متانة البناء. كما أنها تلزم المهندسين بإجراء فحص للتربة. ففي غياب ذلك وفقاً لمرتضى سوف "سيؤدي الأمر في المستقبل إلى تصدع بالبناء ما يهدد السلامة العامة للشاغلين". يضيف، "فهذا التعميم لا يحيل رجوع ملف البناء إلى النقابة لأداء واجبها الرقابي، بل يحيله إلى القوى الأمنية. فهذه الأخيرة ليست مختصة في مراقبة الأمور الفنية، لا سيما في قراءة الخرائط الهندسية"، وفقاً لتعبيره. 

من جهة أخرى، يرى مرتضى أن التعميم لا يحدد اختصاص المهندس الذي يوقع على الخرائط، بالتالي لا يوجد أية ضمانات أن يكون المهندس الذي وقع على الخريطة مهندساً معمارياً. كما من الممكن أن "يفتح التعميم المجال أمام الاحتيال حيث يوقع على الخريطة منتحل صفة مهندس في الوقت الذي لا يوجد فيه أي دور لنقابة المهندسين في الرقابة".

ولهذا التعميم تداعيات سلبية على القرى والأرياف التي ما زالت تحافظ على الطابع التراثي. هنا يتساءل مرتضى عن القرى والبلدات ذات الطابع التراثي، وراشيا الفخار مثالاً. "هل من المعقول أن نفتح المجال أمام انتشار الأبنية العشوائية في راشيا؟ فالتعميم لا يمنع انتشار الباطون وتشويه المعالم التراثية للمنطقة". وفي أغلب الأحوال، فإن "رؤساء البلديات في الأرياف لن يتمكنوا من عدم التصريح بالبناء –متى أرادوا-حيث سيتعرضون للضغط من قبل ناخبيهم".

من ناحيتها تجد المهندسة منى فواز أن هذا القرار يضعف دور البلديات. وذلك "حتى لو كانت الخبرة الفنية موجودة، فإن الضغوطات الشديدة على رئيس البلدية لن تسمح له بأن يعارض تطبيق هذا القرار".

أما تابت فيحذر من ارتدادات القرار في المستقبل، إذ يرى أن هذا "القرار يشجع على المخالفات، وذلك سوف يؤدي إلى إرغام المواطن على دفع الأموال في المستقبل لتسويتها".

 

تعميم يرسخ الزبائنية

المشكلة ليست فقط بدور البلديات أو بدور المهندس، بالنسبة لفواز. إذ ترى أنها تكمن في "علاقة المواطن مع القانون". وهي ترمي بقولها إلى التناقض الذي تتعامل به السلطات مع المواطنين، "فتارة تتسامح مع المخالفات وتارة أخرى تبدأ بتطبيق القوانين عندما تزيح الغطاء عنهم. والذي حصل في حي السلم مؤخراً خير دليل على ذلك". كما أن هذا التعميم يرسخ بالنسبة لفواز "العلاقة الزبائنية بين المواطن والدولة ويلغي علاقة المواطن بالقانون". بالإضافة إلى أنه "يرسخ في ذهنية المواطن ضرورة تحويل الأراضي إلى سلع ذات ثمن مرتفع دون الاعتراف بالصفة الاجتماعية للأرض". أما الأخطر بالنسبة لفواز أن "تأثير هذا التعميم على حياة المواطن على المدى الطويل هو كارثي". فهو يعزز الخلل بالأمور "الأساسية التي يحتاج إليها الإنسان للاستمرار وتحديدا فيما إذا كانت الأراضي مصنفة زراعية أم غير ذلك".

 

الأحزاب ترفض التعميم

يلحظ أن النائب حكمت ديب أدلى بتصريح في مجلس النواب طالب من خلاله بوقف العمل بتعميم المشنوق. وقد رأى أن من خلال هذا القرار "سوف تعم الفوضى وتشوه المناطق". وقد أعرب عن رفضه لتكليف القوى الأمنية "التأكد من تطبيق مضمون التصريح الذي ينص على احترام التراجعات والأمور الثانية التي لها علاقة بالمساحة وبكثير من الأمور التي يذكرها قانون البناء". في السياق نفسه، أصدرت هيئة مهندسي بيروت في التيار الوطني الحر بيانا دعت فيه إلى إلغاء التعميم. ودعت الهيئة "نقيبي المهندسين في بيروت وطرابلس إلى اتخاذ كل الاجراءات القانونية اللازمة لإلغائه، وإبلاغ كافة المهندسين بعدم تنفيذ مضمونه لأنّه يتعارض مع القوانين النافذة وأنظمة نقابتي المهندسين[2]. بالإضافة إلى ما تقدم، ناشدت "جمعية الخريجين التقدميين" المعنيين وقف العمل فورا بهذا التعميم، والتشدد بتطبيق قانون البناء والأنظمة الراعية له". كذلك، عقد مهندسو حزب الله مؤتمراً حضره ممثلون عن التيار الوطني الحر وتيار المردة وعبروا عن رفضهم للتعميم بالمطلق[3]. إلى جانب ذلك، أصدرت مصلحة المهندسين في حزب القوات اللبنانية بياناً اعتبرت فيه أن هذا القرار سيؤدي إلى كارثة حقيقية في الهندسة والبناء[4]".

بالمقابل لاقى التعميم ترحيباً في بعض القرى، مثال القيطع في قضاء عكار. فقد أوضح رئيس إتحاد بلديات وسط وساحل القيطع أحمد المير أن "هذه الخطوة تدفع بالشباب نحو الاستقرار وبناء الأسرة وتيسر لهم سبيل نجاحها". ودعا المير لعدم الإستهانة بهذا الطرح الذي "يساعد في تحريك عجلة الاقتصاد وتعلق المواطن في قراه [5]".

 

[1]  تعميم المشنوق عن رخص البناء: لجنة نيابية لتحسينه، المدن الثلاثاء 31/10/2017، https://goo.gl/nvP4a8.

[2]  مهندسو بيروت في "التيار الوطني": التعميم الجديد لرخص البناء يتعارض مع قوانين البناء والتنظيم المدني، النهار 26 تشرين الأول 2017.

[3]  الأحزاب اللبنانية تعقد لقاء بدعوة من تجمع المهندسين في حزب الله رفضاً لتعميم الداخلية بشأن رخص البناء، 1/11/2017، موقع إذاعة النور.

[4]   مصلحة المهندسين في القوات: نطالب المشتوق بالتراجع عن قرار إعطاء البلديات منح رخص البناء، 29/10/2017 موقع القوات اللبنانية.

[5]  المير ثمن قرار المشنوق، اتحاد بلديات القطيع، https://goo.gl/rRE327.