بتاريخ 30 تشرين الأول 2017، انعقدت أمام القضاء المستعجل في بيروت جلسة للمرافعة في الإعتراض المقدم من جمعية "سكر الدكانة" ضد قرار إلزامها بسحب التقرير الذي كانت قد نشرته على موقعها الالكتروني، والمتعلق بشبهات فساد حول تنفيذ مشروع مياه عين الزرقا. ويشار إلى أن قاضية الأمور المستعجلة في بيروت زلفا الحسن كانت أصدرت بناء على طلب الدولة ممثلة بهيئة القضايا، وبِحثّ من مجلس الجنوب، قرارا بتاريخ 18/5/2017 بسحب التقرير عن جميع المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. وأصدرت قرارها دون تمكين الجمعية من تقديم الإثباتات حول شبهات الفساد المعلن عنه. وكان التقرير موضوع القرار أشار إلى وجود شبهة مخالفات فادحة واكبت تنفيذ المشروع المذكور، قوامها أن دراسته الأولية "قدرت تكلفته بحوالي عشرين مليون دولار أميركي، إلا أن التكلفة على أرض الواقع تخطت عتبة الخمسين مليون دولار" وأن هذه الفروقات نتجت عن سلوك "أساليب ملتوية عديدة كانت فاتحتها تقسيم المشروع إلى عدة مراحل، الأمر الذي أوجد وعن قصد ازدواجية في أعمال التحضير والتنفيذ والإشراف حيث تم قبض ثمنها أكثر من مرة". ويلحظ أنه بموجب مرسوم التشكيلات القضائية الأخير، تم نقل القاضية زلفا الحسن من مركزها في القضاء المستعجل، فانتدبت مؤقتا لهذا المركز القاضية هالة نجا، بانتظار صدور قرار رسمي بتوزيع المراكز القضائية داخل المحاكم على القضاة. وقد تميزت المرافعة بحدث هام قوامه إبراز الجمعية تقرير التفتيش المركزي بشأن هذه القضية.

إلى جانب وكيلي طرفي الادعاء، حضر المرافعة رئيس الهيئة الاستشارية لجمعية سكر الدكانة عبدو مدلج. كما كانت حاضرة على مقاعد المحكمة د. كارول شرباتي من أعضاء الهيئة التنفيذية للجمعية. أما الدولة فتمثلت بالمحامية لينا المعلوف. وقد باشر وكيل جمعية سكر الدكانة مرافعته مستعيدا مجمل الحجج التي كان قدمها في لائحته الجوابية الأولى بتاريخ 2/10/2017. من أبرز ما جاء فيها: "مطالبة القضاء بالرجوع عن القرار على خلفية حق الجمعية في فضح شبهات الفساد الذي يدخل ضمن حرية التعبير"، ومسؤولية الدولة في حماية هذا الحق على أساس المادة 13 من اتفاقية مناهضة الفساد، وبالأخص، "تعامل الدولة مع هذا الملف على نحو يتناقض مع مبدأ الخصم الشريف". 

أهم ما جاء في المرافعة

أما الجديد في هذه المرافعة فقد تمثل في إعلان الجمعية قبولها التحدي المتمثل في إبراز ما يثبت شبهة الفساد، وذلك حين أبرز وكيلها التقرير الصادر عن هيئة التفتيش المركزي. وقد جاء هذا التحدي رداً على ما يعتبره وكيل الجمعية تهديداً من جهة مجلس الجنوب، حيث طلب المجلس سابقاً "التحقيق لمعرفة كيفية حصول الجمعية على ملف رسمي ومن هي الجهة التي سربته؟". وهذا الطلب كان ضمن لائحة جوابية قدمتها وكيلة الدولة (مجلس الجنوب) المحامية لينا معلوف بتاريخ 10/7/2017. إثر إبراز هذا الملف، تمنعت معلوف عن القبول بالترافع بحجة إبراز مستندات جديدة، وقدمت لائحة جوابية بديلاً عن المرافعة. كما أوضحت أن "محامي الدولة لا يتبلغون المستندات على القوس بل عبر هيئة القضايا في وزارة العدل". وقد سجل وكيل الجمعية اعتراضا على عدم التبليغ بحجة أنه ليس للدولة كخصم أن تغير أصول المحاكمات والتلبليغ، وطلب رد جميع ما جاء في لائحة الدولة. ولدى محاولة المفكرة الاستفهام من معلوف حول موضوع التبليغ، ردت بوجود مرسوم صادر عن هيئة القضايا في وزارة العدل ورفضت ذكر أي معلومة عنه. واكتفت بالقول: "سأبرز المرسوم في اللائحة الجوابية المقبلة".

في سياق آخر، يوضح وكيل الجمعية خلال مرافعته أن "جمعية سكر الدكانة نشرت تقريرها بناء على اكتشافها وجود تحقيق لدى التفتيش المركزي في ملف هام جداً يطال إحدى مؤسسات الدولة". وهذا الأمر قد اعترفت فيه الدولة، وأقرت "بوجود تحقيقات طالت أكثر من عشر سنوات حول هذا الملف من دون أن تصل إلى خواتيمها" من دون أن توضح أسباب تأخر اتخاذ اجراءات بهذا الخصوص. وقد "تبين وجود شبهة فساد بهدر المال العام تخطت المبلغ المقدر لإنهاء المشروع أي 24 مليون دولار". في هذا الشأن، يقول وكيل الجمعية "إذن هذا المبلغ الهائل يشكل ضرراً كبيرا على المجتمع. فإن أردنا مقارنة المبلغ مع مساهمة الدولة في صندوق تعاضد القضاة (وهي مسألة اعتكف القضاة احتجاجا على امكانية إلغائها لتحقيق وفر عامّ)، فإنه يساوي 4 مرات تلك المساهمة".

من جهة أخرى، رأت الجمعية أن القرار بإلزامها سحب التقرير "يؤدي إلى التضحية بالحرية الإعلامية وبواجب المواطنين بكشف الفساد". حيث أنه من "واجب القضاء تشجيع الجمعيات المختصة بمكافحة الفساد على فضحه وفق ما تلزم به اتفاقية مكافحة الفساد". وفي هذا الصدد، لفت وكيل الجمعية إلى قضية مماثلة تعود إلى العام 2014. إذ تقدم ضابط في جهاز أمن المطار إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف بطلب إلزام إعلامي بإزالة تصريح ورد على صفحته على الفايسبوك. وقد كان الإعلامي قد اتهم "الضابط بتهريب أجهزة خلوية في المطار". فقرر القاضي معلوف رد الطلب مؤكداً في قراره على "تمكين الإعلام من القيام بواجبه في فضح الفساد". كما وشدد على أن "الوسيلة الإعلامية قد تكون في ظروف معينة الوسيلة الوحيدة للوصول الى هذا الهدف". في سياق متصل، يستند وكيل الجمعية إلى المادة 387 من قانون العقوبات التي تقول "أنه فيما خلا الذم الواقع على رئيس الدولة يبرأ الظنين إذا كان موضوع الذم عملاً ذا علاقة بالوظيفة وثبتت صحته". ويفسر هذه المادة بالقول إنها “تحمي أي شخص قام بفضح مؤسسة رسمية تقوم بالفساد إذا ما أثبت صحته وهو بريء كون الذي يقوم به عن حسن نية". وفي الختام ارجئت الجلسة إلى تاريخ 12/12/2017، بعد إبلاغ الدولة تقرير التفتيش المركزي.

على هامش المرافعة

في حديث مع المفكرة قبل جلسة المرافعة، استبعدت معلوف وجود شبهة فساد تطال مجلس الجنوب. إذ تعتبر أن "التفتيش المركزي قد حقق بهذا الأمر ولم يتم إصدار أي قرار بحق أي أحد في المجلس". ومن هذا المنطلق تعتبر أن "مجرد شبهة الفساد وحدها لا تعني أنه يحق لأي أحد أن يطول اللسان ويتهكم على الدولة بهذا الشكل". واعتبرت أن "ما جاء في التقرير يتضمن قدحا وذما بحق مجلس الجنوب، ولا يمكن للجمعية أن تدعي أنها محمية في قانون العقوبات". وأردفت قائلة: "لو كان لدى الجمعية أية مستندات تؤكد وجود الفساد فلتبرزها". من جهتها، أكدت د. شرباتي أن لدى "الجمعية مستندات تثبت صحة المعلومات التي نشرتها بالإضافة إلى ملفات أخرى لم يتم نشرها بعد".  كما علقت على اتهام الدولة لجمعيات المجتمع المدني بالفساد بقولها: إن "الدولة تستسهل إطلاق الاتهامات، مع العلم أنها لم تقدم أي إثباتات تنفي الشبهات التي وردت بالتقرير". تضيف "ليس من المنطقي أن تتهمنا الدولة بالقدح والذم، نحن الذين لدينا أدلة على تورط مجلس الجنوب، في الوقت الذي ترد علينا بصيغة لا تبتعد شيئاً عن القدح والذم من دون أي إثبات".

مقابل ذلك، يؤكد مدلج أن "التحقيق لم يتم إغلاقه لدى التفتيش المركزي". كما أن الملف الذي حصلت عليه جمعية سكر الدكانة من مصادر من داخل مجلس الجنوب يوثق طلب "التفتيش المركزي معاقبة الأشخاص الذين طالتهم تهمة الفساد". كما يوضح مدلج أن "لدينا سبب واضح للجوء إلى الإعلام، وهو أن الفساد يطال الدولة وهنا من حق المواطن الاطلاع ومعرفة ما يحصل".