بتاريخ 27/10/2017 وتحت عنوان "باسم الشعب تبنى الدولة" أقيم برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وبدعوة من مجلس القضاء الأعلى، حفل افتتاح السنة القضائية 2017-2018، في قصر العدل في بيروت –قاعة الخطى الضائعة وذلك بعد انتظار دام سبع سنوات من الانتظار. جاء هذا الحفل بعد أيام من معرفة التشكيلات القضائية الجديدة التي كثرت الانتقادات الموجهة إليها، سيما مع الحديث عن أنها جاءت على قاعدة ستة وستة مكرر ولم يتم الاكتفاء بمعايير المناقبية والجدارة بل كانت هناك أولوية للانتماءات السياسية وحتى الطائفية في اختيار القضاة الذين من المفروض أن تصدر أحكامهم باسم الشعب اللبناني أجمع. وككل حدث جلل كان لابد للمواطن اللبناني أن يدفع الثمن مسبقا، وقبل الحفل المنتظر، كانت هناك إجراءات أمنية مشددة، شلت حركة السير في المناطق المحيطة بقصر العدل وخنقت بيروت في زحمة سير استثنائية. كما ألقت وزارة الصناعة القريبة من قصر العدل أبوابها بوجه المواطنين بحجة أنه لم يعد لموظفيها مجال لركن سياراتهم. وبالمناسبة نفسها، أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد مذكرة بإقفال كل دوائر قصر عدل بيروت استثنائيا في ذلك اليوم إعداداً للحفل. أما وقد جاء اليوم الموعود، فقد تميزت سماء بيروت بالتحليق المكثف للطيران طوال فترة الاحتفال.

قرابة الساعة الثالثة والنصف وصل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أو "القاضي الأول" كما أجمع أصحاب الكلمات على وصفه، إلى قصر العدل حيث استقبل على وقع النشيد الوطني. وأمكن اللبنانيين من ثم أن يروا الرؤساء الثلاثة، رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري، جالسين الواحد قرب الآخر في الصف الأول، بعدما لوحظ إقصاء رئيس المجلس الدستوري عن موقع متقدم وفق ما يفرضه بروتوكول اعتبار المجلس الدستوري من ضمن مجالس السلطات العامة. في بداية الحفل، انتقل رئيس الجمهورية ليزيح الستار عن النصب التذكاري لشهداء القضاة الذي كتب عليه: "وفاء لشهداء العدالة وعهدا على متابعة الرسالة"، مع أسماء القضاة الشهداء: عاصم أبو ضاهر، حسن عثمان، وليد هرموش، الأمير عماد شهاب، وقبلان كسبار. بدأ الاحتفال بالنشيد الوطني ثم كلمة لعريفة الحفل الرئيس الأول لمحكمة استئناف الجنوب القاضية رلى جدايل التي رحبت بالحضور مثنية على دور القضاة وسعيهم الدؤوب لتحقيق العدالة.

تلا ذلك عرض فيديو يتناول تطور واقع القضاء في لبنان عبر التاريخ وصولاً إلى اليوم؛ وقد بدا أن الفيلم يظهر قلة موارد القضاة بالنسبة إلى الأعمال الملقاة على عاتقهم. وقد لحظ الفيديو أن هناك اليوم نحو 531 قاضي (يلحظ أن الرقم الحالي هو 521 بحسب المفكرة القانونية) و1150 مساعد قضائي أي حوالي 8.85 قضاة لكل 100 ألف نسمة. ولفت أيضاً إلى أن لبنان دون باقي الدول لم يدخل المكننة بعد إلى العمل القضائي. وذكر أنه بين العام 2016-2017 كان هناك 152,238 ملف وتم معالجة 150,157 ملف بمعدل 290 ملف لكل قاض فيما بقي نحو 402 ألف ملف لم تتم معالجته. كما أشار إلى  أن هيئة التفتيش القضائية عملت على التحقيق في جميع شكاوى الأداء القضائي الأمر الذي أسهم في صدور 40 قرار تأديبي منها صرف قاضيين من الخدمة القضائية (حصل صرف القاضيين في عهد الوزير قرطباوي في 2012/2013). واللافت أن التقرير بين أن الموازنة المخصصة للقضاء هي 71 مليار ليرة أي لا تعدو نسبة 0.3%. وقد علق الناطق في الفيلم أن" القضاء مر بظروف صعبة دفعته إلى الاعتكاف بعد إيراد أحكام قانونية يمكن أن تشكل مساً في استقلالية القضاء في قوانين لا تتعلق بالقضاء. فضلاً أنه ليس مألوفاً أن تتجاوز رواتب موظفي الفئة الأولى رواتب القضاة. يعمل كل يوم لتحسين نوعية العدالة التي تؤدى في المحاكم الحق يعلو ولا يعلى عليه وباسم الشعب تبنى الدولة".

وتعاقب على الكلمات نقيب المحامين في بيروت أنطونيو الهاشم الذي تحدث باسم نقابتي بيروت وطرابلس. ثم رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد، فوزير العدل، وختاماً رئيس الجمهورية، فيما أطلت من بين الكلمات وعلى نحو مفاجئ أغنية للشاعر نزار فرنسيس "هيك العدل بدو".

كلمة الهاشم استهلها بالترحيب "بالقاضي الأول"، أما مضمون الكلمة فبدا نوعاً من النثريات التي ختمها بتأكيد تشبث نقابتي طرابلس وبيروت، "بمبدأ استقلال القضاء كسلطة مكرسة في الدستور"، من دون أي تفصيل أو تقييم.

أما رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد فأمضى جزءا هاما من كلمته للترحيب برئيس الجمهورية معتبراً أن "المهابة التي تكلل هذا الحدث الجلل، والأمل الذي يواكبها، عائدان إلى أنكم تتصدرون حفل افتتاح السنة القضائية الراهنة، حاملين معكم رؤياكم في الحكم الرشيد، و خطتكم في العدالة المنشودة". ثم تحدث عن خطة خماسية وضعت "في العام القضائي 2013 – 2014، للنهوض بالعمل القضائي قوامها أضلع ثلاث هي: تحديث وسائل العمل القضائي، والارتقاء بمستواه، والتعامل مع التحديات بجدية ومسؤولية". معتبراً أن ما تضمنته هذه الخطة كان "انعكاساً لرسالة القضاء الرامية، في مستوى أول، إلى حل النزاعات بالطرق القانونية للإسهام في توطيد الأمن الاجتماعي. وفي مستوى ثان، إلى حماية الحريات، وهي غاية لا تتحقق إلا عبر سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، اللتين نجل دورهما ولكننا نسعى دائما إلى البقاء بمنأى عن امتداد هذا الدور إلى ما هو خاص بالقضاء". لافتاً إلى أن التقرير الذي يُنشر للمرة الأولى منذ عقود عن أعمال المحاكم في فترة 2012-2015 يظهر أنه "إذا صح الحديث أحيانا عن عدالة متأخرة، فمن المجحف الحديث، هنا وهناك، عن عدالة غائبة". وإذ أكد الرئيس فهد في بداية كلمته أن "هذا اليوم كان منتظرا فتحقق بإشارة وبركة من فخامة رئيس الجمهورية"، لفت في ختامها إلى أن "ما نصبو إليه هو سلطة قضائية مستقلة تبلور ما رسمته المواثيق الدولية وما ينص عليه الدستور، تحاكي الحالة السائدة في الدول الديمقراطية، تضع حدا لبلبلة الاختصاصات وتضارب الصلاحيات، تؤازر الدولة وتستجيب لانتظارات الناس".

أما وزير العدل سليم جريصاتي (الذي تم تعريفه مجاملةً من قبل عريفة الحقل بالبروفسور علما أنه ليس له هذه الصفةمن أي جامعة معروفة)، فقد سوّق في مقدمة كلمته لمفهوم استتباع القاضي وخضوعه للسلطة الحاكمة حين خاطب رئيس الجمهورية قائلاً: "هؤلاء هم قضاتك، فافخر بهم"، وهو في ذلك قد وقع في فخ تناقضاته حين دعا في مكان آخر الى استقلالية القضاء، حيث أكد على خطاب القسم الذي تعهد بتحرير القضاة من التبعية السياسية. ثم أشاد جريصاتي بالمناقلات القضائية التي حصلت، والتي كان له دور بين في إنجازها، من خلال التوسط بين القوى السياسية والضغط على مجلس القضاء الأعلى. وفي هذا الإطار، فجّر جريصاتي قنبلة حقيقية حين كشف أن المعايير التي حصلت على أساسها المناقلات القضائية شملت "معيار المناصفة" (المقصود طبعا المناصفة الطائفية وما يستتبعها من توزيع مذهبي للمراكز القضائية). وهذه الكلمة هي بمثابة قنبلة إذ هي الإقرار الرسمي الأول من نوعه بهيمنة التوزيع المذهبي والطائفي وتاليا بالمحاصصة على التشكيلات، وهي في الوقت نفسه تأكيد على كل ما تم التداول به لجهة تنظيم التشكيلات القضائية انطلاقا من ثلاث لوائح حزبية (مسيحية برعاية فريق عمل الوزير جبران باسيل، وسنية برعاية فريق عمل الرئيس سعد الحريري وشيعية برعاية فريق عمل الرئيس نبيه بري). ولم يفت جريصاتي أن يغازل في كلمته رئيس مجلس النواب نبيه بري معطيا إياه مواصفات البطولة فقال له: "إشتاقت إليك قاعة الخطى الضائعة التي اعتادت عليك يوم كنت محاميا تمارس رسالة المحاماة في الأقلام وقاعات المحاكم، كما استعاد هذا القصر ذكرى إسراعك إليه يوم كنت وزيرا للعدل، في ليلة ليلاء من ليالي الحرب التي قلب صفحاتها ميثاقنا ووفاقنا، كي تطفئ نارا اشتعلت في مكاتب محكمة التمييز. قضاة لبنان ينتظرون منك اليوم أن تطفئ نارا اخرى تكاد تقضي على استقلاليتهم وإنصافهم في مجلس النواب لإعادة ضماناتهم إليهم" (المقصود الرجوع عن تضمين قانون سلسلة الرتب والرواتب مادة تكلف الحكومة بإعادة النظر بتقديمات صندوق تعاضد القضاة). كما شكر الرئيس الحريري إذ إن:"البيان الوزاري للحكومة ينص صراحة على استقلالية السلطة القضائية وعلى تفعيلها، ما يحمل كل المعاني والدلالات لسياسة الحكومة العامة عند مقاربة السلطة القضائية". وعلى الرغم من أن القاصي والداني يعلم أن التشكيلات القضائية جاءت بمعظمها وفق رغبات أركان السلطة، لم ينسَ جريصاتي أن يختم كلمته بالتأكيد على استقلال القاضي هو الذي رأيناه عبر الشاشات يخاطب أحد القضاة مطالباً بالتسريع بقضية جورج الريف لأنها بنظره hot files، وقال:""يا قضاة لبنان، يا جنود العدالة، إن الاستقلالية تستحق ولا تمنح، كما الهيبة والوقار والثقة، فبادروا إلى أداء رسالتكم السامية بكل ترفع وتجرد وإباء وحس عال بالمسؤولية الملقاة عليكم...".

بعد ذلك، جاء دور أغنية "هيك العدل بدو" التي أعدت للمناسبة وهي من كلمات الشاعر نزار فرنسيس وألحان إيلي العليا وأداء ميا حداد. واصطف بعض المؤدين وراء المغنية ووراءهم القضاة المتدرجين في المعهد والذين بدوا بلباسهم الرسمي بمثابة كورال. وقد استعادت هذه الأغنية نظرة سلطوية للعدل الذي بدا بمثابة سيف أكثر مما هو ميزان، لتضعه من ثم بحماية رئيس الجمهورية (على أساس حامي الدستور) الذي "عجبينو ما بيعلى جبين". واللافت أن فرنسيس ظهر على "المسرح" بعد الانتهاء من أداء الأغنية، ليعيد تكرار كلمات الأغنية وكأنه يودّ من كل قلبه إسماع من لم يسمع وإفهام من لم يفهم، وسط علامات الذهول البادية على وجهيْ الرئيسين برّي والحريري.  

في الختام، كانت كلمة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي استهلها بإعلان يوم 8 حزيران، يوم استشهاد القضاة الاربعة، يوما لشهداء القضاء في لبنان. بعد ذلك مباشرة، استرجع الرئيس عون مقولة "تشرشل" الشهيرة جدا والتي مفادها أن بريطانيا تكون بألف خير رغم القصف الذي يطالها، إذا كان قضاؤها بخير. وما أن أنهى استشهاده بتشرشل، حتى استرسل في الحديث عن "الشائعات التي تتناول القضاء في مختلف مواقعه" والتي تتهمه بالفساد وعدم الفعالية، وبالتبعية للسلطات السياسية التي ألغت استقلاليته. وقال:"عندما تتكاثر الشائعات وتتكرر، تصبح يقينا في ذهن الناس، وتشمل الصالح والطالح معا، وتقتل الحس النقدي عند الشعب، فيحكم على الجميع بالفساد. وهذا أسوأ ما يصاب به مجتمع، لأنه يؤدي إلى فقدان الثقة بين المؤسسات والشعب". واسترسل من ثم في تحميل القضاة مسؤولية الحفاظ على سمعتهم فالإنسان سمعة. وكان من اللافت من ثم أن بادر الرئيس عون إلى التأكيد على أهمية إعادة النظر في "القوانين الإجرائية" "من خلال مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الشوائب والنواقص والثغرات في قلب النظام القضائي، فنحصن بذلك استقلاليته ونزاهته ... ونزيد من فعاليته". وقد اقترح في هذا الخصوص "جعل القضاء سلطة منتخبة فتصبح حكما سلطة مستقلة مع استقلال إداري، وهكذا نفصل فعليا بين السلطات مع وضع التشريعات اللازمة لخلق التوازن في ما بينها". كما اعتبر أن "العدالة المتأخرة ليست بعدالة، وقد آن الأوان للخروج من هذه المعادلة". واللافت من ثم أن الرئيس استرسل في الحديث عن قضية معينة (قضية جورج الريف) على نحو غير معهود، فقال أن "المواطن لا يستطيع أن يفهم كيف لبعض القضايا أن تأخذ سنوات حتى تصدر أحكام القضاء فيها، كمثل جريمة قتل موثقة بالصوت والصورة، شهدها العشرات بأم العين، ومئات الآلاف عبر الفيديو المصور، ومع ذلك، لم تزل في أدراج المحكمة منذ أكثر من سنتين، ولا أحد يعرف متى تنتهي". وربما لا يدري الرئيس عون أن هذه القضية قد تأخرت لأشهر بفعل تدخل وزير العدل سليم جريصاتي مخاطبا القاضي الناظر فيها عبر شاشات التلفزيون وأنه كان من الأفضل تاليا عدم التعرض لهذه القضية ليترك لمحكمة الجنايات التي ختمت المحاكمة فيها أن تصدر الحكم بسكينة. كما كان من اللافت أن خصّ عون قضايا المطبوعات في خطابه، مستعجلا المحاكم الناظر فيها ببتّها. فإذا كان هنالك اتهام بصفقة، إما يثبت الصحافي صحة الاتهام فنتخلص من سارق، وإما يعجز الصحافي عن ذلك فنعاقب الترويج عن صفقات. وختم عون معتبراً أن"من أهم ما يرفع القضاء ويجعله في قمة الارتقاء هو محاسبته لذاته على أدائه، مما يزيل عنه كل الشكوك ويرسم حوله هالة من الوقار والاحترام".

بعد ذلك، قدم الرئيس فهد هدية للرئيس عون هي عبارة عن تمثال لسيدة العدالة اللبنانية المصنوعة من خشب الأرز من تصميم وتنفيذ النحات رودي رحمة، متوجها إليه بالقول بمزيد من المجاملة، على نحو غير معهود من القضاة: "للعدالة رمزها وللجمهورية كنزها". ثم دعا الحضور إلى تقطيع قالب حلوى السنة القضائية منوهاً أثناء مخاطبته الرئيس بري أن القالب diet وذلك خصيصاً من أجله. وفي هذا التخصيص، مجاملة أخرى لا يدرك كنهها إلاّ اللبيب.