من يراقب وضعية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، سُرعان ما يتبيّن أنّ الإعتبارات السياسيّة غالباً ما تحجب الإعتبارات الحقوقية المتّصلة بها، مهما كانت أساسيّة. وقد انبنى هذا الخطاب بشكل خاصّ على الخوف من اندماج اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم في لبنان. فمن شأن هذا الاندماج أن يؤدّي إلى قلب معايير التّوازن الدّيمغرافي في أعداد المنتسبين إلى الطوائف وتاليا معايير تقاسم السلطة بين أعيانها أو زعمائها. وعلى أساس هذه المخاوف، يكتسي الخطاب حول حقوق الفلسطينيين أبعاداً رمزيّة فائقة. فالتنكّر لها يشكل في بعض جوانبه ويصور في جوانب أخرى منه على أنه أحد مستلزمات النظام السياسي السائد وحصونه، وعامل طمأنة لمنتسبين إلى الطوائف التي قد يقلُّ وزنها السياسيّ في حال حصول التوطين. بالمقابل، يشكل الإعتراف بها أو احتمال حصول ذلك فزاعةً من شأنها أن تؤجّج مشاعر معادية لدى هؤلاء. وإزاء هذا الواقع، من المُرتقب أن يفتح إرتباط الخطاب الرافض لحقوق الفلسطينيّين بالمخاوف والهواجس الطائفية (العصبية) الباب أمام تطور تفسيرات غير عقلانية لمبدأ عدم التوطين، بحيث يصبح الإعتراف بأي حقّ مهما قلّ شأنه، بمثابة انتهاك للمبدأ المذكور. كما من المُرتقب أن تصبح الحجج الداعمة للخطاب الحقوقي، وأبرزها قوة الروابط بين اللاجئين الفلسطينين ولبنان الذي ولدوا وعاشوا فيه جيلا بعد جيل، مهما بلغت قوتها، عقيمة تماما في الفضاء السياسي لإصطدامها بمنعة نظام تقاسم السلطة، والذي ثبت أنها الأصلب في هذا البلد.

وإثباتاً لذلك، تقتضي الإشارة إلى تجليات عدة لهذه الهواجس. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو فزاعة تملك الفلسطينيين عقارات في لبنان، على أساس أن من شأنها أن تعزز روابطهم في لبنان. وتخفيفاً لمشاعر الفزع هذه، انتهى المشرع إلى وضع قانون يحظر التملك بأي طريقة على الذين ليسوا من تابعية دولة معترف بها، فاتحاً بذلك باباً للتمييز ضد اللاجئين الفلسطينيين وبشكل أعمّ عديمي الجنسية، أي ضدّ الفئات التي هي أحوج ما تكون إلى التّضامن وتالياً التمييز الإيجابي. والمؤسف أن هذا الحظر تحوّل فيما بعد إلى بند نموذجي يتم تضمينه في عديد المقترحات بإقرار حقوق مدنية أو اجتماعية أو إقتصادية استباقاً لإجهاضه بفعل الفزاعة إزاء التوطين. وأكبر دليل على قوة هذه الفزاعة هو تضمين مقترح وزير الداخلية الأسبق زياد بارود (المعروف بخطابه المؤيد لحقوق الإنسان) إستثناءً مماثلاً في إحدى صيغتي مشروع قانون لإقرار حق اللبنانية بنقل جنسيتها لأبنائها. وقد جاء في هذه الصيغة أن هذا الحق ينطبق على جميع المولودين من أم لبنانية باستثناء الذين وُلدوا من أبٍ لا يحمل جنسية دولة معترف بها وفق ما بيناه أعلاه.

والإمعان في تطوّرات القانون اللبناني إنّما يُظهر أنّ حساسية التوطين بما له من تأثيرات سلبية على مسألة التوازن في تقاسم السلطة على أساس المحاصصة بين ممثلين عن مختلف الطوائف، هي أشدّ بكثير من حساسيّة التشريعات الدينية لهذه الطوائف في مسائل الأحوال الشخصيّة. فبنتيجة الحراك المجتمعي، شهدت مسألة الحضانة تطوراً معينا في اجتهادات قضاة الأحداث رغم تعارضها مع مواقف دينية سابقة فيما تبقى مسألة حق الأم بمنح الجنسية تراوح مكانها. الأمر نفسه نلحظه بخصوص حق الراشدين الذين هم دون 21 سنة من الاقتراع، خشية أن يزيد عدد الناخبين المسلمين على عدد الناخبين المسيحيين.

ويرجّح أن تزداد حساسية النظام وتنكره لحقوق مماثلة مع تفاقم ظاهرة اللجوء السوري وما تولّده من هواجس. ومن هنا، يجدر البحث عن طُرقٍ لتجاوز العوائق السياسية المنيعة التي تواجه الخطاب الحقوقي للاجئين الفلسطينيين.

ومن أول الطّرق التي تبرز في هذا المجال، البحث عن مساحة جديدة للتخاطب، تسمح بنقل النقاش من منطق التخويف إلى منطق الحقوق، وبكلام آخر هي تسمح بعقلنة الحوار، بمنأى عن منزلقاته المحفوفة بالغرائز والهواجس العصبية. وقد تكون المساحة الفضلى لهذه الغاية هي القضاء، على أساس الإعتبارات التي تحكم المناقشات أمامه وكيفية إصداره لمقرراته وموجب تعليلها قانوناً. وما يزيد من أهمية هذه المساحة هي طرق الوصول إليها عملاً بحقّ التّقاضي المعترف به لكلّ شخص طبيعيّ أو معنويّ، ممّا يُتيح لأيّ شخص معني بإللجوء إليه. ويتميز القضاء من زوايا عدة عن المساحات الأخرى الممكنة أو المنشأة لهذه الغاية، وأهمها لجنة الحوار اللبنانيّ الفلسطينيّ. فهذه اللجنة تبقى في تركيبتها ومبادراتها وجدول أعمالها وكيفية القيام بها محكومة باعتبارات سياسيّة. يكفي لهذه الغاية أن نعلم أن رئيسها يعين من قبل رئيس الوزراء اللبناني ويعمل تحت إشرافه.  

وللبحث عن إمكانيّات اللجوء إلى المرجعية القضائية الأكثر ملاءمة لتحقيق الغاية المشار إليها أعلاه، لا بد بداية من استعراض سريع لتطور الأوضاع القانونية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، لنناقش في قسم ثان العوامل المعيقة والمساعدة للجوء إلى التقاضي الاستراتيجي لهذه الغاية، ولنستشرف في قسم ثالث أفضل المسالك القضائية وأوفرها حظاً في إحداث خرق في هذا الشأن. وبالطبع، المقاربة التي نعتمدها على هذا الصعيد لا تقتصر على النظر في حظوظ الربح من الناحية القانونية وحسب، إنما أيضاً على النظر في حظوظ تفاعل الرأي العام مع القضايا وما قد تنتهي إليه على نحو يحدث آثاراً إيجابيّة على المرجع القضائيّ الناظر فيها.