في 17 أكتوبر 2017 جددت النيابة العامة حبس 25 من شباب النوبة المحبوسين احتياطيا، على خلفية القضية المعروفة إعلاميا "بمعتقلي الدفوف"، ليمضي على بقائهم قيد الحبس الاحتياطي أكثر من خمسين يوما. تعود الأحداث إلى الثالث من سبتمبر الماضي، حين تجمع العشرات من الناشطين النوبيين لإحياء مسيرات «يوم التجمع النوبي» الذي تضمن تنظيم مسيرات بمدينة أسوان من أجل تجديد المطالبة ب ـ«حق العودة» إلى مناطقهم الأصلية التي تم إجلاؤهم منها، وفقًا لما نَصّت عليه المادة 236 من الدستور. إلا أن قوات الأمن ألقت القبض على 24 متظاهراً، ووجهت النيابة لهم تهم «التحريض على التظاهر، وتعطيل وسائل المواصلات العامة، والتظاهر بدون ترخيص»، فضلًا عن «حيازة منشورات». ثم ارتفع عدد المقبوض عليهم إلى 25 شخصًا بعدما ألقت قوات الأمن القبض على شاب آخر، أثناء توجهه لزيارة المتهمين يوم الأحد 13 سبتمبر. وكانت النيابة العامة قد أصدرت قراراً بضبطه وإحضاره على ذمة التحقيقات ووجهت له الاتهامات السابقة نفسها. وفي يوم 3 أكتوبر، ألقت الشرطة القبض على سبعة مواطنين نوبيين آخرين، بعد اعتراضهم على قرار محكمة أسوان الجزئية بتجديد حبس 25 من المقبوض عليهم في تظاهرة «يوم التجمع النوبي» ليصل اجمالي المحبوسين احتياطيا بسبب المطالب النوبية 32 مواطن  حتى الآن[1].

محاكمة من دون ضمانات

تعرض المقبوض عليهم للعديد من الانتهاكات حيث تعدت قوات الأمن بالضرب على الذكور والإناث المشاركين في المظاهرة. ثم قامت القوات باعتقال عدد كبير من الذكور المشاركين في المظاهرة ونقلهم إلى معسكر قوات الأمن في منطقة الشلال بأسوان، وهي منطقة عسكرية لا تخضع لأي رقابة من النيابة العامة، ولم يسمح لأسرهم ومحاميهم بالاتصال بهم. واشتركت النيابة العامة في انتهاك حقوق المقبوض عليهم حيث قبلت الانتقال إلى معسكر الأمن المذكور للتحقيق معهم واستجوابهم في غياب محاميهم.[2]

مسيرة العودة النوبية

يطالب النوبيون بالعودة إلى ضفاف بحيرة السد العالي –بحيرة ناصر- جنوب البلاد استنادًا لتعرضهم، تاريخيًا، لموجات من التهجير. وقد بدأت الموجتان الأولى والثانية، في عامي 1912 و1933، بالتزامن مع تعلية سد أسوان خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، وكانت المرة الثالثة، بين عامي 1963 و1964، خلال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر بالتزامن مع بناء السد العالي.[3] وفي ظل نضال النوبييين المستمر ومطالبتهم الدؤوبة في حقهم للعودة إلى أراضيهم الأصلية، تضمن الدستور المصري المعمول به حاليا والصادر في 2014 نصا يلزم الدولة بإعادة سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية[4].

إلا أن السلطات المصرية لم تلتزم بهذا النص على مدى السنوات الثلاث الماضية. بل قامت في 2016 بضم أراضي قرى توشكى وفرقوندي النوبية إلى مشروع المليون ونص فدان الذي تروج له الحكومة -وهو مشروع تهدف من خلاله لزراعة مليون ونص فدان في عدد من المحافظات-، مما أدى إلى اعتراض واسع من قبل النوبيين. فهذه الأراضي ستكون تحت يد الحكومة وتخرج بالتالي من الأراضي التي يحق لهم العودة اليها؛ فقاموا بتشكيل قافلة النوبة في نوفمبر 2016 التي اعتصم فيها النوبيون في أرضهم التاريخية لمدة خمسة أيام ما أجبر الدولة على شطب أراضي توشكي وفرقوندي من كراسة شروط المشروع. وكان قد سبق ذلك صدور قرار رئيس الجمهورية رقم 444 لسنة 2014  بإعلان جزء من المناطق الحدودية كمناطق عسكرية لا يجوز للمدنيين العيش فيها أو الاستفادة منها، والذي شمل 16 قرية من قرى العودة النوبية. وترتب على هذا القرار اقتطاع 125 كيلو متر من أراضي النوبة التاريخية واعتبارها حدودا عسكرية مما يتناقض جملة وتفصيلا مع نص المادة 236 من الدستور. وكانت مجموعة من النشطاء النوبيين  تقدمت بطعن أمام مجلس الدولة، في سنة 2016، ضد القرار؛ والذي أوصت هيئة مفوضي مجلس الدولة، في أغسطس 2017، بإلغاءه.

قانون التظاهر، أداة لمواجهة الاحتجاجات الاجتماعية وتأميم المجال العام

يمثل القبض على الشباب النوبي في مسيرة العودة النوبية، أحد أبرز النماذج لتطور أسلوب النظام المصري في استخدام قانون التظاهر. فمنذ يونية 2013، انشغل النظام المصري بمصادرة المجال العام، واستعادة مساحات التعبير التي استطاع المواطنون انتزاعها مع زخم ثورة يناير وما تلاها من مطالب اجتماعية متعددة. وهو الأمر الذي  دفعه إلى فرض قانون التظاهر في شهر نوفمبر 2013 أي قبل إقرار الدستور. ومنذ إقراره، لم تتوانَ الدولة عن تطبيقه في مواجهة كل معارضيها. فتم تطبيقه على وقفة احتجاجية كانت دعت لها مجموعة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين" أمام مجلس الشورى - مقر لجنة الخمسين المكلفة بوضع التعديلات الدستورية- أثناء مناقشاتها للمادة المطروحة آنذاك والتي تسمح بمحاكمة المدنيين عسكريا. ويشار إلى أن التظاهرة حصلت بتاريخ 26-11-2013 أي بعد يوم واحد من دخول القانون التظاهر حيز التنفيذ. فألقت قوات الشرطة القبض على 25 مشارك في التظاهرة وتم الحكم عليهم بأحكام وصلت إلى السجن المشدد. ثم توالى تطبيق قانون التظاهر للتصدي لكافة التحركات السياسية المناهضة لنظام 3 يوليو. فتم تطبيقه على كافة تحركات الأخوان المسلمين التي أعقبت 30 يونيه، ثم تم استخدامه ضد كل التحركات السياسية المعارضة الأخرى، فنذكر على سبيل المثال، القضية المعروفة إعلاميا باسم معتقلي الأرض وهي حملة التوقيفات الواسعة التي تلت التظاهرات المناهضة لتنازل النظام عن جزيرتي تيران وصنافير حيث تم القبض على عشرات الشباب وأحيلوا للمحاكمة بدعوى مخالفة قانون التظاهر؛ وصدر بحق 47 منهم أحكام قاسية تراوحت بين السجن والغرامة المالية.[5]

الآن، بعد أن استخدم قانون التظاهر لتضييق الحقوق السياسية، تظهر توقيفات الدفوف توجها لتطويعه لضرب الاحتجاجات الاجتماعية أيضا.

 

[1]  راجع "تجديد حبس متهمي «يوم التجمع النوبي» على ذمة التحقيق" مدي مصر 13/9/2017 http://tinyurl.com/ycjlm5am
[2]  راجع  نقل جلسة نظر حبس معتقلي الدفوف بالنوبة لمعسكر الأمن المركزي بالشلال أسوان -البداية – 13/9/2017 http://albedaiah.com/news/2017/09/13/138685
[3]  راجع منظمة العفو الدولية "يجب على السلطات إطلاق سراح 24 ناشطاً نوبياً اعتقلوا بعد مظاهرتهم للمطالبة باحترام حقوقهم الثقافية"، نُشر بتاريخ 12-9-2017.
[4] نصت المادة 236 من الدستور على أن «تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفى أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلى، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذى ينظمه القانون. وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون»
[5]  راجع حكايات الـ “4 ملايين و700 ألف جنيه- مدي مصر- 7/6/2016  http://tinyurl.com/yd29vccw