أعلن المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب في أول قراراته بعد  تنصيبه بتاريخ 07-04-2017[1]، عن مجموعة من مهام المسؤوليات الشاغرة بعدد من المحاكم المغربية بمختلف درجاتها ودعا في نفس القرار القاضيات والقضاة إلى الترشح لشغل مناصب هذه المسؤوليات. ويقصد بالمسؤولية القضائية في النظام القانوني المغربي[2] ممارسة التسيير والإشراف الإداري على المحاكم الابتدائية والاستئنافية ومحكمة النقض من طرف القضاة المعينين كرؤساء للمحاكم ورؤساء النيابات العامة بها (وكلاء الملك في المحاكم الابتدائية والوكلاء العامين بمحاكم الاستئناف)، إضافة إلى بعض الصلاحيات القضائية الممنوحة لهم بمقتضى نصوص قانونية خاصة والتي يتولون ممارستها إما بشكل شخصي أو نيابة أحد القضاة عنهم وترؤسهم لبعض المؤسسات داخل المحاكم كالجمعيات العامة التي يكون من مهامها تقسيم العمل الداخلي للمحكمة وتوزيع الهيئات القضائية[3].

فما هو الاطار القانوني السابق والحالي المنظم للمسؤولية القضائية بالمغرب؟ وكيف تعاطى المجلس الأعلى للسلطة القضائية مع موضوع اختيار المسؤولين القضائين في قراره الأخير[4]؟

أولا: الإطار القانوني المنظم للمسؤولين القضائيين بالمغرب:

لم يكن  الإطار القانوني للمسؤولية القضائية (رئاسة المحاكم والنيابات العامة) قبل صدور القوانين التنظيمية للسلطة القضائية الجديدة في المغرب سنة 2016 واضحا. فلم يكن يوجد نص قانوني يحدد طريقة تعيينهم والجهة التي تقوم بذلك أو بتقييم أعمالهم لا في النظام الأساسي للقضاة لسنة 1974 الملغى ولا في التنظيم القضائي ولا في أي نص قانوني آخر. كما أن مهامهم الإدارية والعلاقة التي تربطهم بوزارة العدل لم تكن محددة بدقة وإنما ورد ذكرها في بعض العبارات الواردة في التنظيم القضائي لسنة 1974 من قبيل "يمارس الرؤساء الأولون لمحاكم الاستئناف مراقبتهم على جميع قضاة الأحكام العاملين بمحاكمهم، وكذا بالمحاكم الابتدائية وعلى مصالح كتابة الضبط" و"يراقب الوكلاء العامون للملك لدى محاكم الاستئناف في دوائر نفوذهم قضاة النيابة العامة وأعوان كتابة الضبط المكلفين بالمصلحة الجنائية وبمهام كتاب النيابة العامة" وهي عبارات تكررت مع رؤساء المحاكم الابتدائية ووكلاء النيابة والمحاكم المتخصصة بمختلف درجاتها ومحكمة النقض[5].

ومقابل ذلك، كانت مختلف النصوص القانونية المسطرية (المرافعات) والموضوعية من مدنية وتجارية وجنائية مليئة بالاختصاصات القضائية التي تحيل إلى رؤساء المحاكم الابتدائية والاستئنافية والمختصصة، بل حتى النظام الأساسي للقضاة الملغى أشار في فصله الأول عند حديثه عن تأليف السلك القضائي (هي عبارة كانت مستعملة قبل إقرار دستور 2011 وتم تعويضها بالسلطة القضائية) إلى مختلف المسؤوليات من النقض والاستئنافيات والابتدائيات بشكل يوحي أن هناك نصا قانونيا آخر مستقلا يحدد  الوضعية الإدارية للمسؤولين القضائيين. والحال أنه لم يكن هذا النص موجودا، بل أكثر من هذا حتى تعيينات المجلس الأعلى للقضاء السابق لم يكن لها سند قانوني واضح، على خلاف تعيين القضاة الذي كان له سند دستوري واضح حتى قبل دستور 2011 .  

فهل تغيرت هذه الوضعية في ظل القوانين الجديدة للسلطة القضائية؟

عمل القانون التنظيمي رقم 13-100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية[6]  الذي دخل حيز التنفيذ ابتداء من 07-04-2017 على تنظيم جانب هام من مهام المسؤولين القضائيين والمتعلقة أساسا بتعيينهم وبيان طرق اختيارهم وتقييم عملهم. وهذا كان مطلب إحدى أهم الجمعيات القضائية في المغرب مند تأسيسها[7]. ودعمته في ذلك بعض الفاعليات الحقوقية المغربية كالنسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية[8]. وهكذا نص القانون الجديد على تعيين المسؤولين القضائيين بنص صريح من المجلس الأعلى للسلطة القضائية (المادة 67) وموافقة الملك بظهير على هذا التعيين (المادة 68). كما حددت المادة 70 مدة ولايتهم داخل الدائرة القضائية في أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. وحددت المادة 71 كيفية التعيين من الإعلان عن شغور المنصب وشروط الترشح له من طرف القاضيات والقضاة إلى إجراء مقابلة للمرشحين مع المجلس بكامل أعضائه. وأما المادة 72، فحددت معايير اختيار المسؤولين القضائيين والتي أجملتها في ما يلي: "يراعي المجلس، على الخصوص، عند تعيين المسؤولين القضائيين أو تجديد تعيينهم: المسار المهني للقاضي أو المسؤول القضائي؛ القدرة على تحمل المسؤولية؛ القدرة على التواصل والتأطير والمواكبة؛ القدرة على التنظيم والإشراف والمراقبة؛ القدرة على اتخاذ القرارات؛ المؤهلات في مجال الإدارة القضائية؛ الرغبات المعبر عنها من قبل المرشحين لمهام المسؤولية أو المسؤولين القضائيين؛ يراعي المجلس كذلك التقارير التي يعدها الوزير المكلف بالعدل حول مستوى أداء المسؤولين القضائيين بشأن الإشراف على التدبير والتسيير الإداري للمحاكم، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية". كما يقوم  المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتقييم المسؤولين القضائيين استنادا إلى "المواصفات المحددة في مرجعية الوظائف والكفاءات الخاصة بالقضاة والمسؤولين القضائيين، التي يعدها المجلس" (المادة66).

ومن المنتظر أن يزيد مشروع قانون التنظيم القضائي في تعزيز هذا الإطار القانوني للمسؤولية القضائية في المغرب وتوضيح دورهم بتفصيل أكثر. فكيف تعامل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب في أول مناسبة لتفعيل دوره في اختيار المسؤولين القضائيين؟

ثانيا: كيف تعاطى المجلس الأعلى للسلطة القضائية مع موضوع اختيار المسؤولين القضائيين؟

حدد المجلس الأعلى للسلطة القضائية في أول قرار له بمناسبة الإعلان عن شغور عدة مناصب تهمّ رؤساء المحاكم ورؤساء النيابة العامة بمختلف درجاتها، مجموعة من الشروط كانت محل انتقاد من طرف بعض القضاة وجمعياتهم المهنية. فما هي هذه الشروط؟ وما محل الانتقاد فيها؟  

إن الشروط التي حددها المجلس في قراره تتعلق باشتراط أقدمية مختلفة للترشح لمناصب المسؤولية المعلن عنها والتي تراوحت ما بين 12 سنة من العمل بالقضاء للمحاكم الصغيرة والبعيدة و15 سنة للمحاكم المتوسطة و18 سنة لمنصب الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمكناس والوكيل العام لمحكمة الاستئناف التجارية بفاس. وفضلا عن الأقدمية، اشترط المجلس أسبقية تولي المسؤولية القضائية بالنسبة لبعض المحاكم الابتدائية الشاغرة  ومحكمتي الاستئناف المعلن عنها في قرار المجلس. ولم يضع المجلس شروطا أخرى من قبيل اشتراط كفاءة إدارية معينة أو إتقان لغة أو شهادة علمية أو تقديم تصور أو مخطط لتطوير المحكمة أو دفتر تحملات أو شيء من هذا القبيل، مع أنه بالرجوع إلى المادة 71 من القانوني التنظيمي للمجلس يتضح منها أنها تنص على صلاحية المجلس الأعلى للسلطة القضائية في وضع "الشروط التي يجب توفرها في المترشحين والمترشحات، ولا سيما الكفاءات والتجربة المهنية المطلوبة". وكان من الممكن نشر دليل أو نموذج للترشح يمكن الاستعانة به لكون التجربة حديثة بالمغرب.

ولقد لقيت الشروط التي قررها المجلس انتقادات واسعة من طرف القضاة والجمعيات المهنية، حيث اعتبروا أن شرط الاقدمية وأسبقية تولي المسؤولية شروط غير قانونية تتجاوز اختصاص المجلس وتضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة وأن المجلس لم يضع شروطا حقيقية من شأنها رفع أداء الإدارة القضائية بالمحاكم. كما اعتبر هؤلاء أن هدف المجلس من وضع هذه الشروط هو قطع الطريق أمام الطاقات الشابة للوصول إلى مراكز القرار داخل المحاكم[9]. وكان من الأولى به الاقتصار على الأقدمية التي اشترطها النص القانوني نفسه والتي تبقى معقولة من دون اشتراط أقدمية أطول.

ويشار إلى أن القانون التنظيمي رقم 106-13 المتعلق بالنظام الاساسي للقضاة كان اشترط أن يكون القاضي مرتبا في الدرجة الثانية على الأقل (ما يعني حاليا أقدمية 8 سنوات) بالنسبة لرؤساء محاكم أول درجة ووكلاء الملك لديها، وأن يكون مرتبا في الدرجة الأولى على الأقل، (مما يعني حاليا أقدمية 12 سنة) بالنسبة للرؤساء الأولين لمختلف محاكم الاستئناف والوكلاء العامين للملك لديها.

 

 

[1] - عبداللطيف الشنتوف: حدث هام في المغرب : المحكمة الدستورية والمجلس الاعلى للسلطة القضائية بالوان 2011 –  منشور بالموقع الالكتروني للمفكرة القانونية على الرابط التالي:   http://legal-agenda.com/article.php?id=3591 بتاريخ 07-04-2017.
[2] الفصل 15 وما بعده من الظهير بمثابة قانون رقم 1.74.338 بتاريخ 15 -07- 1974 يتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة  متاح على الموقع الالكتروني لوزارة العدل والحريات: adala.justice.gov.ma/production/legislation
[3] - للتفاصيل : عبداللطيف الشنتوف : دمقرطة المحاكم ، مقال منشور بموقع هسبريس المغربي يوم 21-12-2015 على الرابط الآتي : https://www.hespress.com/writers/288478.html
[4] - قرار المجلس الاعلى للسلطة القضائية عدد رقم 3/5 منشور بالموقع الالكتروني للمجلس على الرابط الآتي : http://www.cspj.ma/home/ShowFile?file=ResponsabilitesMagistrat.pdf تاريخ المشاهدة 16-10-2017
[5] المواد من 15 إلى 20  من قانون التنظيم القضائي المشار اليه قبله.
[6] - للاطلاع على النص الكامل لهذا القانون يراجع الموقع الالكتروني لوزارة القطاعات العامة وتحديث الادارة على الرابط التالي: http://bdj.mmsp.gov.ma/Ar/Document/10075-Dahir-n-1-16-40-du-14-joumada-II-1437
[7] - توصيات المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب المنعقد في اول دورة له بتاريخ 25-26 من شهر 11 سنة 2011 بالرباط.
[8] - للاطلاع على تجربة النسيج المدني للدفاع عن استقلل السلطة القضائية يراجع  مقال محمد الهيني المنشور بالموقع الالكتروني لجريدة على الرباط الآتي : http://assabah.ma/86074.html.
[9] - تم التعبير عن الانتقادات من طرف القضاة في وسائل التواصل الاجتماعي بالصفحة الرسمية لنادي قضاة المغرب ، كما عبر بلاغ المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب المجتمع يوم 13-10-2017 والذي جاء فيه بخصوص جزء منه هذه النقطة ما يلي : "... الأمر الذي تصبح معه هذه الشروط مخالفة صريحة للقانون التنظيمي الذي وإن أتاح للمجلس إضافة شروط أخرى الا انها يجب  أن لا تخالف القانون التنظيمي الذي سنه البرلمان وراقبته المحكمة الدستورية، ..، وإن من شأن هذه التقييدات أن تحرم المجلس نفسه من هامش الاختيار الواسع كما سوف تحرم عددا من القضاة الأكفاء من حقهم في الترشح" .